فك شفرة الدماغ البشري… "التليباثي" لم يعد خيالا علميا بعيدا

ربط الدماغ بالكمبيوتر يفتح أبواب قدرات خارقة وإمكانية التحكم بالبشر وإعادة تشكيل عقولهم.
الأحد 2019/02/17
تكامل الإنسان مع الآلة

اعترف بداية بأني سأترك لمخيلتي الذهاب بعيدا، لكنها ستستند إلى حقائق علمية بعد المئات من التجارب عن ربط الدماغ بالكمبيوتر، والذي يعني أنه تم بالفعل فك شفرة الدماغ البشري.

لن أجتهد بتحديد ما إذا كان ما استنتجه سيحدث خلال سنوات أو عقود أو قرون. لكن المؤكد أن الطريق إلى ذلك أصبح سالكا و”ملموسا” بفتوحات علمية صريحة.

نعم سوف يتمكن البشر من التواصل دون استخدام الكلمات أي مباشرة من عقل لآخر (التليباثي) تلك الفكرة “الخيالية” التي راودت الكثير من البشر منذ آلاف السنين، مثل حلم السفر عبر الزمن.

تلك الفكرة كانت مجرد شطحات خيال أدبي وتمنيات دون وجود وسيلة لتحقيقها. أما اليوم فإنها تبدو قريبة التحقق وبمنتهى الوضوح، مثلما نتحدث أو نتبادل الرسائل الإلكترونية، ليس بطاقة روحانية بل من خلال إمكانية توصيل أدمغتنا بالإنترنت.

لم يعد التليباثي خيالا علميا بعد إجراء الكثير من التجارب، التي وضعت الأسس العلمية الملموسة لإمكانية أن تصبح أمرا شائعا خلال وقت قد يكون قريبا جدا مثل شيوع الإنترنت حاليا. ولا استبعد أن يكون ذلك متحققا بالفعل دون أن يتم الإعلان عنه.

نقلة نوعية خارقة

الحاجز الأكبر الذي تم اختراقه هو أن الأجهزة الإلكترونية باتت متلائمة مع لغة الدماغ البشري وتفهم إشاراته السرية وربما تتمكن من التدخل في عمله أو إعادة تشكيل محتوياته في وقت قد لا يكون بعيدا.

لا يمكن مقارنة هذا الاختراق بأي من القفزات التكنولوجية الأخرى. ولا يكفي وصفه بأنه أكبر تحول على الإطلاق في تاريخ التكنولوجيا وفي تاريخ البشرية، لأنه قفزة تفتح أفقا غير مسبوق وتنقل طبيعة حياة الإنسان على هذا الكوكب إلى مدار آخر.

هناك تقارير منذ سنوات تؤكد أن عشرات الآلاف من الأشخاص زرعوا بالفعل رقائق إلكترونية في أجسادهم تتصل بالجهاز العصبي، وقد تكون الأعداد أكبر من ذلك بكثير في ظل عدم وجود بيانات دقيقة بشأنها.

قد يصبح تصفح الإنترنت على أحدث الهواتف الذكية شيئا من الكلاسيكيات التقليدية القديمة، لأن توصيل الدماغ بالإنترنت أصبح حقيقة وله تسمية محددة هي برينترنت Brainternet رغم أنها لا تزال في بدايتها وليست عملية سهلة.

إيلون ماسك:  إذا لم ندخل المنافسة مع الروبوتات بتوصيل أدمغتنا بالكمبيوتر فسنقصى  في محميات مثل الشمبانزي
إيلون ماسك:  إذا لم ندخل المنافسة مع الروبوتات بتوصيل أدمغتنا بالكمبيوتر فسنقصى  في محميات مثل الشمبانزي

المفاجأة الأولى في هذا المجال لم تأت من الجهات المتوقعة مثل جناح العلوم السرية التابع للجيش الأميركي، بل من معهد أبحاث ذي تمويل وموارد محدودة في جنوب أفريقيا حين تمكن فريق من الباحثين في جامعة ويتس في جوهانسبرغ لأول مرة من ربط دماغ بشري بشكل مباشر بالإنترنت في سبتمبر 2017.

وقد استخدم الفريق الذي يضم علماء أعصاب ومهندسين مخططًا كهربائيا (إي.إي.جي) ينقل النشاط العصبي للدماغ إلى جهاز كمبيوتر عادي. وتمكنوا من بث حي للبيانات على الإنترنت يمكن لأي شخص مشاهدته في أي وقت. وبذلك فتحت تلك التجربة نافذة على النشاط العصبي للإنسان.

وقال منسق المشروع آدم بانتانوفيتش من كلية ويتس للكهرباء وهندسة المعلومات إن التجربة تسمح للأشخاص بمعرفة ما يحدث في أدمغتهم، بل وتسمح للآخرين بالاطلاع أيضا.

وأضاف أن تقنية برينترنت يمكن أن تؤدي إلى قفزة هائلة في تطوير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على محاكاة البشر من خلال توفير بيانات خوارزمية، لتتكامل مع الإنسان وتفتح أبواب نقل المعلومات في الاتجاهين بين الآلة والإنسان.

وأكد بانتانوفيتش أن البرمجة أصبحت متقدمة بما يكفي ربما لإرسال إشارات كهربائية على شكل بيانات إلى دماغ الشخص الذي يتم توصيله بشفرة إلى قارئ إي.إي.جي.

لا يمكن رصد جميع الأبحاث في هذا المجال والتي لا بد أنها قطعت أشواطا طويلة منذ ذلك الحين في المختبرات السرية، خاصة وأن سلطات الدول الكبرى تعتبرها من أسرار الأمن الوطني وتدخل في سباقات التفوق والاستخبارات وميادين الصراع المستقبلية.

آفاق خيال علمي

دخلت آفاق هذا الميدان في مدار آخر حين اقتحمه الملياردير المغامر إيلون ماسك، الذي أعطى مؤخرا زخما جديدا لبرنامج كان قد بدأه في عام 2016 لربط الدماغ بالذكاء الاصطناعي.

وعلى حد قوله فإن البرنامج الذي أطلق عليه نيورولينك Neuralink يسعى “لحفظ النوع البشري بمواصلة التفوق على الآلات خارقة الذكاء”. وأضاف أن الهدف بعيد المدى للبرنامج هو خلق تكامل بين الدماغ البشري والذكاء الاصطناعي.

ولم يتورع عن الحديث عن مغامرة مثيرة للجدل بالقول إنه إذا أصبح لدينا ملايين الأشخاص المتصلين بالذكاء الاصطناعي فإن ذلك سيجعلنا خارقي الذكاء.

ويشير موقع نيورولينك على الإنترنت إلى أنه يطور روابط برودباند كبيرة القدرات لربط الدماغ بالكمبيوتر. ويقول ماسك إن البرنامج سيركز أولاً على التطبيقات الطبية لكنه سيطور الرقائق الإلكترونية الدماغية للوصول إلى تكامل الدماغ مع الذكاء الاصطناعي.

وأوضح ماسك أن الروبوتات الفائقة الذكاء ستهيمن في المستقبل على حياتنا وأن البشر سوف يحتاجون للتفكير مثل الآلات لتجنب تدميرهم من قبلها. وتوقع أن تصبح الروبوتات فائقة الذكاء والتطور ومتقدمة جدا في نهاية المطاف بحيث تحاول الإطاحة بصانعيها البشر.

ويرى أننا إذا بقينا على قيد الحياة فسوف نكون مقيدين وربما يتم إقصاؤنا إلى “مناطق محمية” قليلة مثل الشمبانزي إذا لم ندخل المنافسة مع الروبوتات بتوصيل أدمغتنا بالكمبيوتر.

يمكننا أن نتخيل من بعيد الأبواب التي يمكن أن يفتحها توصيل الدماغ البشري بالإنترنت وما يمكن أن يفتحه من إمكانية تسلل السلطات أو الشركات أو قراصنة الكمبيوتر (الهاكرز) إلى أدمغة البعض وربما زرع فيروسات كما يحدث في الكمبيوترات اليوم.

كوابيس مخيفة

أسياد العالم السفلي قد يقومون ذات يوم بمسح أدمغة البعض وتحميل برامج لتحولهم الى جنود مثاليين لخدمة أغراض محددة
أسياد العالم السفلي قد يقومون ذات يوم بمسح أدمغة البعض وتحميل برامج لتحولهم الى جنود مثاليين لخدمة أغراض محددة

تلك التجارب لن تكون في متناول أعداد كبيرة خلال وقت قريب. ليس لصعوبة توفيرها بل بسبب خطورتها وخشية السلطات من تداعياتها على الاستقرار والأمن بسبب ما يمكن أن تحدثه من زلازل في بنية المجتمع.

الكوابيس المخيفة قد تصل خلال سنوات أو عقود إلى إمكانية السيطرة والتحكم بأدمغة أشخاص وقيادتهم إلى القيام بأفعال أو جرائم دون إرادتهم أو مسح أجزاء منها أو إدخال أشياء أخرى.

يمكن للمخيلة أن تذهب أيضا إلى إمكانية أن نستطيع بضغطة زر من تحميل الآلاف من الكتب إلى أدمغتنا دون قراءتها كلمة كلمة. وقد يكون هناك من يمارس ذلك في المختبرات دون الإعلان عن ذلك.

هناك أخبار عن تجارب أخرى كل يوم، قد تبدو لأول وهلة بعيدة عن هذا الميدان لكن تأملها بعناية يؤكد أنها ليست بعيدة مثل تطوير علماء أميركيين لذراع آلية مكنت امرأة تعاني شللا كاملا في التحكم بالآلات بمجرد التفكير بما تريدها أن تفعل.

تلك التجربة التي نشرتها مجلة “لانست” الطبية والعشرات من التجارب المماثلة تشير إلى النقلة الحاسمة وهي فك شفرة الدماغ البشري وترجمة النبضات العصبية التي تحاكي التحكم الطبيعي في العضلات.

وأجرى الفريق المنتمي لجامعة بيترسبرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية بحثه على جان شيرمان، المشلولة بسبب خلل دماغي منذ 13 عاما. وقت تمكنت من تشغيل الذراع الآلية بمستوى تحكم ورشاقة غير مسبوقة.

وقام الفريق بزرع قطبين كهربائيين صغيرين للغاية في المركز المسؤول عن الحركة في الدماغ وربطهما بذراع اصطناعية يمكنها محاكاة اليد الطبيعية. وبعد مرور يومين على العملية تمكنت المرأة من تحريك تلك الذراع عبر الأفكار فقط.

الباحثون قالوا إن المرأة تمكنت بعد ثلاثة أشهر من التدريب من أداء أكثر من 90 بالمئة من أوامر الإمساك بأشياء كما أصبحت حركتها أكثر سرعة وكفاءة، دون ظهور أي تأثيرات جانبية.

ويعني ذلك أن الكمبيوتر، وهو في هذه الحالة اليد الآلية، أصبح يفهم لغة الدماغ التي تحرك العضلات وبضمنها عضلات اللسان والفم أثناء الحديث، أي أن اللسان يمكن أن يحال إلى التقاعد لنبدأ بالتواصل مباشرة من دماغ إلى آخر.

ويعني ذلك أيضا أن الدماغ البشري يستخدم لغة تفهمها التكنولوجيا الحديثة. أي أنني يمكن أن أكتب مقالة مثل هذه من دماغي مباشرة إلى الكمبيوتر دون طباعتها حرفا حرفا.

وهناك تجارب أخرى كثيرة مثل ابتكار باحثين في معهد جورجيا الأميركي للتكنولوجيا لذراع آلية تضيف يدا ثالثة لأحد أعضاء فريق موسيقي وتتصل مباشرة بالجهاز العصبي ليعزف بها مثل يديه الأخريين.

وتمت برمجة الذراع باستخدام الذكاء الاصطناعي كي تستجيب أيضا إلى الموسيقى المعزوفة بالاستعانة بتقنيات التقاط الحركة ذات الدقة المتناهية والتكيف مع الإيقاع وسرعة العزف.

وقبل أعوام استخدم باحثون في سويسرا أقطابا كهربائية زرعت بشكل مباشر في شبكية العين لتمكين ضرير من القراءة.

آدم بانتانوفيتش:  تقنية برينترنت ستفتح أبواب تكامل الإنسان مع الكمبيوتر ونقل المعلومات في الاتجاهين
آدم بانتانوفيتش:  تقنية برينترنت ستفتح أبواب تكامل الإنسان مع الكمبيوتر ونقل المعلومات في الاتجاهين

كما تمكن فريق آخر من إيصال شخصين عبر نقاط في الجمجمة بالكمبيوتر مباشرة، أي أنهما أصبحا موصلان بالإنترنت كأي جهازي كمبيوتر. وقد تمكنا من تبادل رسائل مباشرة من دماغ لآخر، أي مثلما نتبادل الرسائل النصية عبر الهاتف أو عبر البريد الإلكتروني.

هناك العشرات من التجارب المماثلة التي سمحت لأشخاص مصابين بالشلل بالطباعة أو الكتابة دون استخدام اليد، بل بمجرد التفكير في الحروف والكلمات التي يريدون كتابتها أو طباعتها.

دلالات تلك التجارب يمكن أن نأخذها إلى آفاق أبعد من ذلك بكثير. وهي على حد تعبير الفريق العلمي لجامعة بيترسبرغ “تم الآن فك شفرة الدماغ البشري”.

كل ذلك يؤكد أننا سنتمكن من التواصل عبر الآلاف من الكلمات والصور مباشرة من دماغ لآخر، ولن نحتاج إلى تبادل الكلمات. وسنتفاعل ونتحاور بآلاف المعلومات في لمح البصر. وسنتفاهم مع أشخاص بلغات أخرى يترجمها الكمبيوتر مباشرة.

قد نتمكن من تحميل كل كتب العالم بضغطة زر، دون قرأتها كلمة كلمة. وقد نتمكن من ترتيب الذاكرة والعودة إلى ما رأيناه في طفولتنا وبوضوح تام حينما كانت أعمارنا يوما واحدا. بل ربما نعود إلى ذاكرتنا في أرحام أمهاتنا. وربما نتمكن من مسح ما لا نريده من الذكريات.

قفزة إلى المجهول

يبدو أن جميع ما نعرفه في هذا الميدان ضئيلا، بسبب صعوبة اختراق ما يحدث في المختبرات والضوابط القانونية التي تدفع العلماء إلى إجراء التجارب بسرية تامة.

يمكن أن نتخيل منافع هائلة لتلك التجارب، لكن في المقابل لا يمكن لأي مخيلة شيطانية أن تتوقع أبواب الجحيم التي ستفتحها، لأن البعض ستكون إمكاناتهم أكبر بكثير من آخرين، وسيذهب البعض إلى مديات أبعد وأخطر مما تسمح به القوانين والسلطات.

هجمات الهاكرز اليوم قد تتحول إلى تخريب أدمغة البعض. بل إن أسياد العالم السفلي قد يذهبون لمسح أدمغة بعض الأشخاص وتحميل برامج ومعلومات تحولهم إلى جنود مثاليين لخدمة أغراض محددة.

ستختلف قدرات البشر وأذرعهم الآلية باختلاف قدراتهم المادية وتظهر طبقات جديدة بحسب تلك القدرات.

أمام كل هذه الإغراءات والمخاطر هل سأغامر يوما بتوصيل دماغي بالإنترنت؟ وهل سأستطيع مقاومة إغراء ذلك والبقاء خارج حركة التاريخ المجنونة والحتمية؟

17