فلاحون مغاربة يعالجون حيواناتهم مجانا في الفندق الاميركي

الجمعة 2015/01/30
هدف "الفندق الأميركي" الأساسي هو مساعدة الفلاحين الفقراء على معالجة حيواناتهم

فاس (المغرب) – مع بزوغ أول أشعة الشمس، يتجه إلى مدينة فاس، شمالي المغرب، عدد من الفلاحين، أغلبهم من الفقراء الذين يعيشون في المناطق الريفية القريبة لمعالجة حيواناتهم التي تعتبر مورد رزقهم.

يتجه فلاحون مغاربة يوميا نحو “الفندق الأميركي”، المتواجد على الطريق المؤدية إلى مدينة فاس العتيقة، ليس من أجل حجز غرفة كما يوحي اسم المكان، بل لفحص ومعالجة بهائمهم من خيل وحمير وبغال، في هذا المستشفى البيطري الذي يقدم خدماته مجاناً منذ قرابة قرن من الزمن.

كثيرون ممن يمرون قرب المركز البيطري يطرحون أسئلة عدة، خصوصاً وأنه يحمل اسم “الفندق الأميركي” الذي يوحي أنه فندق يستقبل سياح فاس، لكنه غير ذلك.

وتقول مديرة “الفندق الأميركي” في فاس، كيكي غاي، وهي بريطانية الجنسية (60 عاما)، إن “تأسيس هذا المستشفى البيطري يعود إلى سنة 1927، حين قدمت إيمي باند بيشوب، وهي سائحة أميركية، ولاحظت استعمال أهالي قرى فاس للحيوانات كثيراً في حياتهم اليومية، في حمل البضائع الثقيلة والحرث والحصاد، وارتأت، وهي التي تنتمي إلى عائلة تهتم بالحيوانات، أن تساعدهم عبر توفير الفحص والعلاج مجاناً، ووهبت ثمانية آلاف دولار من أجل تأسيس هذا المركز البيطري”.

ومنذ تأسيسه، يتوافد على المستشفى فلاحو مدن فاس وتازة وتاونات والنواحي (شمال)، حيث يسهر على التطبيب البيطري طاقم يضم أطباء بيطريين من الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى مغاربة.

وهؤلاء يعملون بتجهيزات طبية متطورة، ويولون اهتماماً بالغاً لصحة الحيوانات التي يستقبلها المستشفى، حيث يسهر الأطباء وبعض المساعدين بالتناوب على العلاج والمراقبة المستمرة، من علاجات التشوه والكسور وتضميد جراحات الحيوانات.

حمار يتماثل للشفاء بعد تضميد جراحه ومعالجة كسوره

ويتوفر بالمركز جهاز الفحص بالموجات الصوتية ومنظار التصوير الباطني وجهاز التشخيص بالأشعة، وكلها أجهزة لم تكن متوفرة سابقاً، إضافة إلى مختبرات في المكان تعمل على متابعة صحة الحيوانات بشكل دقيق.

وعن الحيوانات التي يخدمها المركز تقول كيكي غاي: “في السابق كان المركز يستقبل جميع الحيوانات التي تحتاج إلى العلاج، من قطط وكلاب وخيل وبغال وحمير، لكن مع ظهور العيادات البيطرية، ارتأى المسؤولون أن يوجهوا خدماتهم المجانية لصالح الفلاحين الذين يعتمدون على قوتهم اليومي بطرق تقليدية، والذين يستعينون بالخيل والبغال والحمير”.

ورغم أن “الفندق الأميركي” يقدم منفعة عامة، إلا أن مديرته، وهي طبيبة بيطرية، تقول إن “المركز لا يتلقى دعما ماديا من الدولة المغربية، ويعتمد بشكل أساسي على الهبات التي تأتي من المؤسسة الأم في الولايات المتحدة الأميركية، وهي مؤسسة مجتمع ماساتشوستس للرفق بالحيوان” (غير حكومية ومقرها بوسطن) حيث تتلقى مساعدات من جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالرفق بالحيوان في الولايات المتحدة، فيما تحفظت على ذكر قيمة تلك المساعدات.

ومضت قائلة إن “صفة المنفعة العامة يستفيد منها المركز عبر الإعفاء من الضرائب والقيمة المضافة على بعض المعدات الطبية التي نشتريها من الخارج”.

وبات “الفندق الأميركي” اليوم مقصد كل الفقراء الذين يبحثون عن علاج لبهائمهم، حيث يبدأ الطاقم البيطري كل صباح في استقبال عدد من الفلاحين، الذين يستفيدون مجاناً بفضل هذه المبادرة التطوعية التي أقدمت عليها سائحة أميركية في عشرينات القرن الماضي.

ولا يزال المركز مستمراً في خدماته المجانية إلى اليوم، بحرص كبير من طرف العاملين فيه على حماية الحيوانات المتواجدة داخل المركز.

وأوضحت كيكي أن المستشفى يستقبل يومياً في الأشهر الأخيرة من 10 إلى 20 حيوانا تحتاج العلاج، حيث يعمل طاقم مغربي-أميركي، يضم 15 شخصا، إضافة إلى طلبة المعهد العالي للزراعة والبيطرة بالرباط، الذين يقضون مدة ستة أشهر داخل المستشفى البيطري في إطار اتفاقية موقعة بين الطرفين، بعد ذلك تتاح لهم فرصة دراسة التخصص في المملكة المتحدة.

المستشفى البيطري في فاس يعتمد بشكل أساسي على الهبات لتغطية مصاريفه

وعن السبب وراء تسمية المستشفى البيطري بـ”الفندق الأميركي”، قالت مديرة الفندق إنه “في السابق كان مصطلح الفندق الدارجة المغربية يطلق على مكان في المدن حيث يربط الفلاحون، الذين يأتون من أجل التسوق والتضبع بهائهم”.

وعما يستفيده المركز البيطري بتقديمه خدمات بيطرية مجانية، قالت كيكي إن “الهدف الأساسي هو مساعدة الفلاحين الفقراء، الذين يعتمدون على البهائم لكسب قوتهم اليومي، وهو ما اعتبرته شرفاً لإدارة المستشفى وعماله، وبفضلهم يعالج “الفندق الأميركي” ما يتجاوز 20 ألف حيوان في العام، بوتيرة تختلف من سنة لأخرى.

كما يعتبر “الفندق الأميركي” فضاءً يستقبل عددا من المهتمين بالمجال البيطري، ويشكل فرصة مهمة للعديد من الطلبة المغاربة وكذلك الفرنسيين والأميركيين الذين يزورونه من أجل التعلم عن قرب في مجال البيطرة في أفريقيا، من خلال هذا المستشفى البيطري الوحيد من نوعه في المغرب.

ويعلو بناية الفندق علما المملكة المغربية والولايات المتحدة في حين كتب اسم المركز البيطري بالعربية والفرنسية والانكليزية على جانبي الباب، وتبدو بناية المركز تنسجم مع الطابع المعماري لمدينة فاس العتيقة، المعروفة بأبوابها التاريخية.

20