فلاديمير بوتين حصان أسود في الكرملين

الأحد 2014/03/23
أحلام ضابط المخابرات والشيوعي السابق

عبر مختلف تاريخها الطويل، قد تكون روسيا أكثر بلدان أوروبا ابتلاء بالحكام الفاسدين، والمستبدّين. فالقياصرة الذين حكموها بالحديد والنار سلّموها جائعة وجريحة إلى البلاشفة الحمر. وباسم الأمميّة الاشتراكية، أقام هؤلاء إمبراطورية مترامية الأطراف سمّوها الاتحاد السوفيتي، رغم الإصلاحات التي حاول غورباتشوف القيام بها بهدف إصلاح ما فسد بعد سبعين سنة من الاقتصاد الاشتراكي.

ما بعد غورباتشوف


الإمبراطورية الحمراء التي كانت تخيف العالم الرأسمالي، انهارت فجأة لتتقلص إلى دولة استعادت اسمها القديم،روسيا. وعلى عرشها جلس بوريس يلتسين الذي وعد الشعب الروسي حال تسلمه مقاليد السلطة بتحقيق الهدفين المنشودين: الديمقراطية والرخاء الاقتصادي. وللتدليل على أنه سيطوي صفحة الماضي، استعاض يلتسين عن أفضل الاقتصاديين الذين كانوا قد تكونوا في المعاهد والجامعات السوفيتية ليعوضهم بآخرين تكونوا في الجامعات الغربية، خصوصا في الجامعات الأميركية. غير أن إصلاحات يلتسين زادت أحوال الروس تعقيدا وسوءا. وهذا ما أكدته الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بروسيا عام 1998، والتي رافقتها فضائح مالية تورطت فيها عائلة يلتسين. كما تورط فيها أقرب مساعديه من الوزراء والمستشارين. وقد أدت تلك السياسة الاقتصادية الفاشلة إلى تقلّص خطير في الإنتاج الداخلي، والى ظهور عصابات الجريمة المنظمة. كما أفضت إلى بروز طبقة من المستفيدين تعيش حياة باذخة.

وكانت روسيا على هذه الصورة المرعبة لمّا أطلّ بوريس يلتسين من خلال شاشة التلفزيون ليعلن لشعبه الذي كان يستعدّ لاستقبال الألفية الجديدة أنه سيستقيل ليسلّم مقاليد السلطة لوزيره الأول فلاديمير بوتين. ومنذ ذلك الوقت، وهذا الرجل الذي بلقب بـ”الحصان الأسود” يتحكم في مصير روسيا، مرة وزيرا أول، ومرة رئيسا للجمهورية!

من هو بوتين عند الروس

الحقيقة أن بوتين كان حتى عام 1999 نكرة ليس فقط بالنسبة إلى حكومات العالم، وإنما بالنسبة إلى الروس. وفي البداية بدا هذا الرجل بقامته القصيرة، ووجهه الشاحب، وعينيه الرماديتين الباردتين، المتعبتين دائما، كائنا “مثيرا للشفقة” بحسب تعبير صحفيّ غربيّ. غير أنه تمكن في ظرف أشهر قليلة من أن يتحوّل إلى ظاهرة حقيقية، “ظاهرة بوتين”.

ومن أعلى المنابر الإعلامية، شرع يتكلم بثقة كبيرة من نفسه، مدافعا عن أيديولوجية جديدة سماها: “االقوميّة”. واعتمادا عليها شنّ حربا أخرى على الشيشان واعدا الروس الذين يحنّون إلى مجد إمبراطوريتهم القديمة بأنه سيعيد إلى روسيا هيبتها المفقودة. وكان ذلك كافيا لكي يكتسب شعبية لم يكتسبها أي وزير من الوزراء الذين اختارهم يلتسين قبل ذلك. وقد أتاحت له تلك الشعبية تحقيق نجاح كاسح في الانتخابات التي جرت في روسيا في أواسط شهر ديسمبر- كانون الأول 1999. وبعدها دخل الكرملين، قصر الأباطرة الروس، من أبوابه الواسعة.

وقبل أن يعيّن وزيرا أول، كانت حياة بوتين تبدو شبيهة بـ”صندوق أسود” بحسب تعبير أحد الصحافيين الروس. وما كان معروفا عنه أنه ولد عام 1952 في مدينة سانت بطرسبورغ التي كانت تسمى لينينغراد. وهو ينتمي إلى عائلة متوسطة الحال موالية للنظام الشيوعي. وكان تلميذا سيء السلوك، عنيفا مع زملائه. وكثيرا ما شوهد وهو يعضّ خصومه، ويمزق ملابسهم. ومراهقا فتن بالرياضة البدنية والجيدو، ومن ماضيه، لا يزال بوتين يحتفظ بـ“لغة الشوارع”، ويحلو له استعمالها حتى في المجالس الوزارية!

ضابط المخابرات

وبسبب إتقانه للغة الألمانية التي تعلمها في كلية الحقوق التي تخرج منها عام 1975، اتصلت به أجهزة الـ”كي جي بي” طالبة منه الالتحاق بـ”القوى الحيّة في البلاد”. وفي الحين استجاب بوتين للطلب المذكور ليعمل على مدى خمسة عشر عاما في “قسم الاستخبارات الخارجية” حيث كلّف بمهام في كلّ من ألمانيا، وروسيا، وسويسرا.

كان بوتين في بداية الأمر نكرة ليس فقط بالنسبة إلى حكومات العالم، وإنما بالنسبة إلى الروس.وبدا هذا الرجل بقامته القصيرة، ووجهه الشاحب، وعينيه الرماديتين الباردتين المتعبتين دائما، كائنا "مثيرا للشفقة" كما وصفته الصحافة الغربية

وتقول مجلة “دير شبيغل” الألمانية الواسعة الانتشار أن فلاديمير بوتين كان خلال الثمانينات من القرن الماضي على رأس “جمعيّة الصداقة السوفياتية-الألمانية” التي كان مقرّها لايبتزيخ. وكانت تلك الجمعيّة المحطّة الأساسيّة لعمليّات التجسّس التي تقوم بها الـ”كي.جي.بي” في بلدان أوروبا الغربية. كما أنه شوهد في هامبورغ، وبون، وبرلين الغربية، وفيينا، وزيوريخ. وكان يسافر دائما بجواز ديبلوماسي، ساعيا دائما لربط علاقات وثيقة مع الشخصيات السياسية النافذة في الأماكن التي يقيم فيها، أو يمرّ بها. وقد يكون، حسب “دير شبيغل”، عيّن أيضاعلى رأس قسم كان مقرّه مدينة دريسدن.

وكانت مهمة ذلك المركز جمع المعلومات عن الاكتشافات العلمية التي تجري في البلدان الغربية. ففي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي في حاجة إلى التقنيات الحديثة في جميع المجالات. وعندما شرع غورباتشوف في تطبيق سياسة “البيريسترويكا”، عاد بوتين إلى لينينغراد ليكلف بمراقبة المشرفين على الإصلاحات السياسية الجديدة. وفي تلك الفترة التقى أستاذه القديم أناتولي سوبتشاك الذي كان من أشدّ المدافعين عن “البيريسترويكا”. وفي الحين أصبح من المقربين إليه. وعندما انتخب سوبتشاك رئيسا لبلدية سانت بطرسبورغ عام 1991، عيّن بوتين مسؤولا عن “العلاقات الخارجيّة للمدينة”.

وقد ردّ سوبتشاك على الذين انتقدوه بشدة بسبب ذلك الإجراء قائلا: “بوتين ليس جاسوسا. إنه تلميذي وأنا أعرفه جيّدا!”. وقد استفاد بوتين كثيرا من منصبه المذكور إذ أنه سمح له بأن يعيد توثيق علاقاته برجال الأعمال الغربيين.بل إنه أشعر هؤلاء بأنهم من دونه لا يستطيعون الحصول على أيّ شيء. كما أنه أسس بورصة سانت بطرسبورغ مثيرا بذلك اهتمام البنوك الغربية. ومتحدثا عن تلك المرحلة من حياة بوتين، يقول ستانيزلاف إيريميف، العميد السابق لجامعة سانت بطرسبورغ: “كان فلاديمير بوتين يحظى بسلطة حقيقية، وبنفوذ كبير خصوصا في الدوائر السياسية، وفي أوساط رجال الأعمال، ليس داخل المدينة، بل خارجها أيضا”. وعندما عيّن نائبا لرئيس البلدية عام 1994، تمكن بوتين من أن يجلب إلى المدينة العديد من شركات الاستثمار الأجنبية مثل “كوكاكولا”، و”جيليت”، وغيرهما.

وفي عام 1996، وعقب الهزيمة المرة التي مني بها سوبتشاك في الانتخابات البلدية، انطلق بوتين إلى موسكو بطلب من تشوبياس الذي كان آنذاك رئيس مجلس الإدارة الرئاسية ليبدأ مرحلة جديدة في مسيرته السياسية. ومنذ البداية تمكّن من أن يحصل له على مكان داخل “جماعة يلتسين”، وأن يرتبط بعلاقات وثيقة مع المقربين من سيّد الكرملين. وعلى مدى ثمانية أشهر كلف من قبل بافيل برودين “مفتاح أسرار الكرملين” بإعداد قائمة بجميع ممتلكاته، العقارية بالخصوص، والتي تقدر بـ50 مليون دولار.

وقد أدى بوتين هذه المهة على أحسن ما يرام .لذلك عيّن في منصب رفيع في الرئاسة. وقد يكون بوتين اهتم في تلك الفترة بالكشف عن عمليات الفساد داخل البلاد، وعن المتسببين فيها. وهكذا استطاع بوتين، “الجاسوس القديم”، من أن يتعرف على أحوال روسيا الداخلية، وأن يعدّ ملفّات سميكة عن العديد من المحافظين، ورؤساء البلديات، وعن شخصيات سياسية أخرى، وكل ذلك ساعده على كسب انتخابات عام 1999.
الامبراطورية الحمراء التي أخافت العالم الرأسمالي انهارت فجأة لتتقلص إلى دولة اسمها روسيا، وعلى عرشها جلس يلتسين واعدا الشعب الروسي بتحقيق الديمقراطية والرخاء الاقتصادي.. ولم يتحقق أي من الهدفين حتى اليوم


أعداء الرئيس

وفي شهر يوليو- تموز 1998، عيّن فلاديمير بوتين على رأس جهاز الاستخبارات الذي عوّض الـ”كي.جي.بي” المكلف أساسا بمراقبة الأحزاب، والتجسّس على قادتها، وعلى أعداء “السيد الرئيس”، وأيضا على النقابات، والمنظمات العمالية، وبذلك ازداد نفوذ بوتين داخل الكرملين، وبان للكثيرين داخل روسيا وخارجها بأنه سيكون رجل روسيا مستقبلا. وعندما استلم بوتين منصبه كوزير أول كانت المشاعر القومية في أوجها، وكثر عدد أولئك الذين يحنون إلى مجد الإمبراطورية الحمراء، لذاك أرسل الجيش إلى الشيشان ليرتكب هناك مجازر فظيعة، وللتأكيد على أن “القومية” هي أيديولوجية روسيا الجديدة التي ستعوض الشيوعية، وزع بوتين نصّا على الانترنت وفي ذلك النص الذي حمل عنوان: “روسيا في منعطف الألفية”، هو يؤكد على أن “الفكرة الروسية” التي بإمكانها أن توحد مجتمعا متمزق الأوصال مثل المجتمع الروسي بعد انهيار ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي لن يتحقّق إلا اعتمادا على “القوميّة” وهو يضيف قائلا “بأن المجتمع يرغب في أن تستعيد الدولة نفوذها، ودورها الذي لا بدّ أن يكون منسجما تمام الانسجام مع تقاليد البلاد وروحها”.

ويواصل كلامه قائلا: “إن روسيا بحاجة إلى دولة قوية، ولا بدّ أن يكون لها ذلك. وهي ليست مستعدة أن تكون نسخة طبق الأصل من الولايات المتحدة الأميركية حيث للقيم الليبرالية جذورها في التاريخ”. ومعنى هذا أن بوتين يطمح أن يكون “باعث ” الدولة الروسية الجديدة. وهذا ما يحاول أن يثبته على مدى العقدين الماضين.. غير أن المقربين منه يقولون إنه يشعر أحيانا أنه وحيد، وأن أعداءه يتربصون به، ويخططون لضربه، وضرب مشروعه الكبير. ويقول عالم السياسة أندريه بيونتكوفسكي: “إن موظفي الكرملين اعتادوا أن يقدموا للشعب الروسي في كل فترة صورة للرجل “المنقذ” وقد جاء بوتين ليجسد دور باعث الأمة الروسية. غير أن أسطورة بوتين لن تلبث أن تتطاير شظايا”.

من حاكم إلى آخر، تظلّ روسيا تتخبط في الأزمات، ويظل طريق الخلاص غائما. وهو ما يذكر بتلك الفقرة في رواية “الحرب والسلام” لتولستوي: خلَل حقول روسيا، كان نيكولا بطل الرواية، يقود عربته، ثم محدّدا من سرعة الخيول، أدار نظره في ما حوله فلم ير غير نفس السهل الغريب،المضاء بنور القمر، والمرصّع بالنجوم: “زاكار قال لي إنه يتعيّن عليّ أن أتجه يسارا. لماذا يسارا؟ فكر نيكولا. نحن ذاهبون إلى ميالوكوفي. أليس كذلك؟ نحن ذاهبون إلى حيث لا يعرف غير الله ذلك، والله وحده يعرف ماذا يفعل بنا!”.

7