فلاديمير بوتين يجني ثمار تمدد اليمين الشعبوي في الغرب

أدت نتائج الانتخابات الأميركية التي توج فيها دونالد ترامب الرئيس عدد 45 للولايات المتحدة إلي إحداث مفاجأة لدى الرأي العام العالمي، غير أنها للكرملين كانت مفاجأة سارة يتوقع على إثرها فلاديمير بوتين أن يجني فوائدها وثمارها خاصة وأن ترامب كان قد أبدى إعجابه بالرئيس الروسي، معتبرا بوتين شخصية لامعة، ما أثار انتقاد الجمهوريين والديمقراطيين على حد السواء، وما ينذر عن تغيير في استراتيجيات القوى الإقليمية في العالم ومدى تأثيرها على القضايا الساخنة، حيث يرجح محللون أن النظام الذي حكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سيترك مكانه لصالح نظام سياسي يطيح بالتحالفات التي كانت تضع الغرب بقيادة واشنطن مقابل الشرق بقيادة موسكو وبكين من جهة أخرى.
الجمعة 2016/12/02
الشعبوية تشرع لمصافحة الكرملين

موسكو - يرى مراقبون أن الخارطة السياسية الجديدة بعد صعود أنصار اليمين المتطرف في الغرب جعلت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكتسب أصدقاء جدد بعد فترة من العزلة الدولية عززه تمدد اليمين المتشدد عقب انتخابات نظمت في نوفمبر الماضي شهدتها كل من أوروبا والولايات المتحدة، حيث يتوقع أن تسعى موسكو للاستفادة منها وفق محللين روس.

وكانت صناديق الاقتراع في الغرب مكنت زعماء نادوا بالتقارب مع الجانب الروسي من نجاحهم في قيادة شعوبهم، ما يدعم براغماتية فلاديمير بوتين وحلمه باسترداد نفوذ الاتحاد السوفيتي، وتعزيز دور روسيا كقوة إقليمية كبرى.

ولم يخف دونالد ترامب الرئيس الأميركي المنتخب تعاطفه مع بوتين، وكان وعد بإقامة علاقات قوية مع موسكو خلال حملاته الانتخابية، وفي المقابل أبدى الرئيس الروسي إعجابا خلال تلقيه نبأ فوز ترامب في السباق الرئاسي، تزامن ذلك مع وصول المقربين من روسيا إلى الحكم في بلغاريا ومولدافيا، رومان راديف وإيغور دودون.

ويرى محللون أن أسباب الدعم الروسي للرئيس الأميركي المنتخب تنطلق أساسا من أن دوائر صنع القرار في موسكو تراهن على أن اختيار ترامب يعمق المأزق الأميركي في ما يخص السياسات الخارجية وانكفاء واشنطن وتدهور علاقاتها مع حلفائها خاصة في أوروبا، ويعزز فرص الشعبويين في أوروبا والعالم وبالتالي يقوي حضور روسيا في المسرح العالمي.

وما يدعم صحة هذه الفرضية انتخابات اليمين الفرنسي، حيث اختار اليمين الأحد الماضي مرشحه للانتخابات الرئاسية في 2017 في شخص رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون الذي يدعو إلى التقارب مع موسكو تماما كما هو شأن زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن التي تكيل المديح لفلاديمير بوتين.

ومع انتخاب قادة في الولايات المتحدة وأوروبا يؤيدون التقارب مع روسيا، يعتقد محللون أن موقع فلاديمير بوتين بدا أكثر محورية في النقاشات التي تهز الغرب منذ بداية القرن الحادي والعشرين.

واعتبرت ماريا ليبمان الخبيرة لدى مركز كارنيغي موسكو، أن “هذا المشهد الجديد جاء نتيجة سياسة وضعت منذ أمد بعيد وبدأ بوتين يجني ثمارها اليوم”. وأضافت “إذا كانت شعبية بوتين تزداد فلأن الناس باتوا أكثر انجذابا إلى القادة الذين يعارضون الوضع القائم الذي أضعفته أزمات سياسية واقتصادية كثيرة”.

ووفق مراقبين، تمكن فلاديمير بوتين من الخروج من وضع صعب، ففي مارس سنة 2014 بعد ضم القرم كان منبوذا، كما تعرضت موسكو لسلسلة من العقوبات الأوروبية والأميركية التي أضعفت وأرهقت اقتصادها، كما اتهمت روسيا في سبتمبر 2015 ومع بدء العمليات العسكرية الروسية الداعمة لنظام بشار الأسد وللجيش السوري، بأنها متواطئة “في جرائم حرب” في حلب الجبهة الرئيسية في النزاع السوري.

لم يخف دونالد ترامب الرئيس الأميركي المنتخب تعاطفه مع بوتين، وكان وعد بإقامة علاقات قوية مع موسكو خلال حملاته الانتخابية، وفي المقابل أبدى الرئيس الروسي إعجابا

وإذا ما كانت التيارات السياسية استعارت سابقا بعض أفكار اليمين المتطرف في الدول الديمقراطية لأغراض الحملات الانتخابية وإعداد الشغل اللازم لحصد الأصوات، فإنه منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايـات المتحدة، انتقلت الأفكار الشعبوية لتصبح برامج حكم مطيحة بعقود من القيم التي أسست للعالم الغربي نقيضا للتوتاليتارية في العالم، ما يدعم النفوذ الروسي وعودة موسكو كقوة إقليمية.

بوتين بديل لواشنطن

أدت رجة الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي إلى فرز حلفاء جدد تتطلبه المعادلات الإقليمية الدوليه الجديدة، ساهم في صنعه وبلورته التيار اليميني المتطرف وذلك عقب الانتكاسة التي تعرضت لها بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي وأحد مراكز صنع القرار السياسي في العالم، ففي يونيو 2016 قرر البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي أضعفه تنامي التيارات الشعبوية وما تستوجبه ضرورة البحث عن بديل آخر.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي أثر الفشل المتكرر للسياسة الخارجية الأميركية على نفوذ واشنطن في العالم، خصوصا في الملف السوري حيث أخذت روسيا زمام المبادرة.

ويعتقد محللون أن تراجع دور واشنطن والانشقاق البريطاني كان لصالح النفوذ الروسي، حيث أوجد كل ذلك متنفسا لأفكار فلاديمير بوتين الذي ظهر فجأة كبديل قابل للاستمرار عن واشنطن وبروكسل، كما أعلن ذلك المحلل الروسي قسطنطين كالاتشيف.

وأوضح المحلل “أن الحماسة لبوتين ناجمة خصوصا عن رغبة في الخروج من عالم أحادي القطب وإيجاد توازن عالمي جديد”.

ورأى كالاتشيف أن فلاديمير بوتين بات جذابا لأنه “يقدم نفسه كرجل بسيط قادر على إدارة المخاطر ويمكنه أن يلوي ذراع الولايات المتحدة”.

وتشير المحللة الروسية ماريا ليبمان إلى أن ذلك يضاف إلى أن الرئيس الروسي ينظر إليه باعتباره “الوريث القوي للقادة الشيوعيين الذين كانوا يتصدون للغرب”.

ونقلت صحيفة التايمز البريطانية عن الزعيم الجديد لحزب استقلال المملكة المتحدة بول ناتول قوله إن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري بشار الأسد “في صفنا في الحرب على الأصولية”، معتبرا أن “بريطانيا أخطأت بمساعدة المتمردين في سوريا”، قائلا “نحن لسنا مثالا للفضيلة عندما يتعلق الأمر بمساعدة الطغاة”.

ولاحظت لوسي فيشر كاتبة مقال التايمز أن ناتول لم يكن معجبا ببوتين وأنه انتقد معاملته للصحافيين ولشعبه، لكن ناتول يرى أن الأسد في سوريا، الذي تدعمه روسيا، لا يشكل خطرا على العالم كما يشكله الإرهاب.

ويستنتج المراقبون أن الانبهار بالدكتاتورية والدكتاتور أضحى أمرا قابلا للتسويق لدى الرأي العام، لا سيما في أوروبا التي داهمها تدفق المهاجرين الذين لفظتهم المأساة السورية.

ويرى باحثون في شؤون العلاقات الدولية أن الحجج الشعبوية التي تروج في أوروبا لا تعتبر مقلقة وهي عادية في أدبيات اليمين المتطرف، وأن الدعوات الدؤوبة التي تطلق في بريطانيا من أجل استفتاء آخر حول الخروج من الاتحاد الأوروبي قد تعيد وضع هذا اليمين إلى مواقعه الطبيعية المتواضعة.

إلغاء العقوبات

رغم ما حققه بوتين من شعبية واستفادته من المتغيرات الدولية التي كانت في صالحه خاصة على صعيد الأزمة السورية، إلا أن موسكو تدفع ثمن نفوذها بواقع اقتصادي متأزم، تقول ماريا ليبمان “إن الكلفة التي دفعها المواطنون الروس حتى يحصل فلاديمير بوتين على هذا الموقع القوي في الشؤون الدولية ضخمة، حيث حدث تراجع حقيقي في مستوى المعيشة”، خصوصا بسبب العقوبات الأوروبية والأميركية ضد موسكو.

موقع فلاديمير بوتين بدا أكثر محورية في النقاشات التي تهز الغرب منذ بداية القرن الحادي والعشرين

وأضافت المحللة أن “الأولوية ستكون الإفادة من هذا التعاطف لدى نخبة القادة الدوليين للتوصل إلى رفع العقوبات”.

ويتوقع المحللون إمكانية تحقيق هذه الفرضية مع نجاح دونالد ترامب في سباق البيت الأبيض وتمتع المرشحين الفرنسيين للرئاسة فرنسوا فيون ومارين لوبن بحظ كبير في الاستحقاق الرئاسي، بالتزامن مع بلغاريا والمجر وتشيكيا وسلوفاكيا، التي تؤيد إلغاء العقوبات على روسيا.

وأعرب عضو "مجلس الاتحاد" الروسي، أليكسي بوشكوف ، عن ثقته، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، بظهور آفاق حقيقية لإلغاء العقوبات ضد روسيا، ولكن بسبب الضغوط التي تمارس على ترامب من قبل الدوائر المعادية لروسيا في الولايات المتحدة نفسها، وفي الاتحاد الأوروبي، فإنه ليس من المحتمل أن يحدث هذا بسرعة.

وقال بوشكوف في تصريحات اعلامية سابقة "يجري الآن البحث في آفاق تطبيع العلاقات الروسية الأمريكية بعد انتخاب ترامب، على وجه الخصوص، إلغاء العقوبات المفروضة ضد روسيا، يوجد في الواقع هذا الأفق".

في المقابل أوضح السيناتور أنه في حال فازت كلينتون، لكان هناك تشديد للعقوبات، أما بعد فوز ترامب، بالعكس، ظهرت آفاق لتطور العلاقات الثنائية وتخفيف العقوبات ومن ثم رفعها بشكل كامل.

ووفقا لبوشكوف، عند معالجة مسألة تخفيف أو إلغاء العقوبات ضد روسيا، سيكون ترامب مضطراً لاتخاذ موقف قيادتي ألمانيا وبريطانيا، بالحسبان. ولذلك "بالكاد يمكن توقع رفع سريع للعقوبات حتى في حال تغيير نهج الإدارة الأمريكية في علاقاتها مع روسيا.

هذا وكانت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير لاين، قد دعت، الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، إلى أن يحدد بشكل واضح موقفه من روسيا، مشيرة إلى ضرورة أن يتقيد بالمسائل المبدئية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها.

وتبقى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الزعيمة الغربية الوحيدة التي ستواجه اليمين الشعبوي المتصاعد، والتي تحافظ على تمسكها بموقفها المتشدد مع روسيا، ورغم تلقي سياستها الداعمة للاجئين انتقادات إلا أنها ترشحت إلى الانتخابات 2017 في ألمانيا مع توقعات بنجاحها مرة اخرى في زعامة برلين والعالم الغربي حيث أصبحت ألمانيا محور الدفاع عن القيم الغربية ووحدتها بعد الانسحاب البريطاني.

وسيكون على الرئاسة الروسية أن تجد إليه للتعامل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فرغم تحسن العلاقات الروسية التركية إلا أن انقرة لا تزال تدعم فصائل سورية مسلحة.

ومهما يكن من أمر، ترى ماريا ليبمان أنه بالنسبة إلى النزاع السوري فإن فلاديمير بوتين “كسب المعركة أصلا وذلك بنجاحه في جعل الآخرين يقتنعون بأنه بات عليهم الاختيار بين الرئيس السوري بشار الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية” و”هذا الموقف التفاوضي بات تقريبا غير قابل للتغيير”.

وقال باتريك وينتور محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الغارديان البريطانية، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للسيطرة على حلب قبل تولي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب الحكم في يناير المقبل، والاستفادة من الفراغ السياسي الحالي في الولايات المتحدة ورفض الرئيس باراك أوباما التورط في الساحة السورية.

وشكّلت أنباء المعارك في شرق حلب في الأيام الأخيرة انقلابا في موازين القوى لصالح قوات النظام السوري والميليشيات التابعة لإيران، بما يطرح أسئلة عن ظروف التقدم السريع الذي حققته دمشق وعن مآلات سقوط حلب بكاملها على الوضع السوري برمته.

6