فلاديمير غلاسمان نصير الشعب ومفكك ظواهر الإرهاب

السبت 2015/03/07
فرنسي درس جذور الأزمة السورية فتنبأ بالثورة مبكرا

عاش في دمشق فأحبها، خبر شوارعها وأماكنها، تفاعل معها وكأنه دمشقي أبًا عن جد رغم أنه فرنسي، وعرفها أكثر من دمشقيين كُثر، سعى للتعرف على مثقفي سوريا ونخبتها، وسُعِدوا هم بالتعرف إليه، شاركهم أفراحهم وأتراحهم، اِئتمنوه على أسرارهم السياسية والشخصية، وغدا خبيرا بالعائلات والانتماءات والديانات، وعرف تركيبة النظام السياسية والأمنية، فتعاطف مع السوريين ضد ظلم عاشوه طوال عقود

عرف شخوص النظام وأجهزته وهرميته المعلنة والخفية، وعرف المعارضة فردا فردا، حلل وركّب الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية، ففاقت درايته بالنظام وحال البلد دراية العديد من المعارضين أنفسهم، حتى أن البعض وصفه تندرا بـ”المختار السياسي”.

فلاديمير غلاسمان، أو “إغناس لوفيرييه” كما يحلو له أن يُطلق على نفسه في كتاباته، دبلوماسي فرنسي عريق، عمل طويلا في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وقضى نحو اثني عشر عاماً في سوريا، في السبعينات، حين كان طالبا في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، وبين عامي 1984 و1988 كباحث في نفس المعهد، وبين عامي 2001 و2008 كدبلوماسي بالسفارة الفرنسية بدمشق مكلّف بمتابعة السياسة الداخلية كمستشار سياسي.


الأخلاق والسياسة


صديق للمعارضة السورية بمختلف مشاربها، يساريين قوميين ناصريين وحتى إسلاميين، أطلعوه على رؤاهم وبرامجهم وحتى خلافاتهم الداخلية، لم يُجامل أحدا منهم ولم يراوغ، فأشار بالبنان لمشاكلهم ولأخطائهم، نصحهم ونبّههم من وعورة الطريق وقساوة النظام، حلل وضع سوريا منذ استلام الأسد الأب السلطة بهدوء وببعد نظر، وبكثير من الذكاء، فتنبأ بالثورة قبل سنوات من انطلاقتها وتوقع ردا قاسيا عليها، لكنه لم يتوقع أن تُواجَه بهذا الحجم من العنف.

اهتم بالتفاصيل وتعمق فيها ليحدد منطلقات الحلول، مزج في رؤيته بين البعد العملي والبعد الأخلاقي والبعد السياسي، ساعدته تجربته الدبلوماسية على ذلك. صداقاته خليط من كل الأديان والقوميات والمشارب السياسية، اهتم بشؤون حقوق الإنسان السوري ليس كخبير بل كصديق متعاطف، كثير من المعتقلين السياسيين البارزين أصدقاء له، وما ميّزه عن غيره من الدبلوماسيين الغربيين والمستشرقين انفتاح السوريين عليه، كل الفسيفساء السورية فتحت أبوابها له، لأنه آمن بأن للجميع نفس الحقوق في الوطن.. عدا الجلاد.

إتقانه للعربية موضع إعجاب، فهو يتحدث كأيّ سوري عريق، يفوح عبق حبه لسوريا من الكلمات، تحادثه لوهلة معتقدا أنه معارض سوري لكنّ تلك اللكنة الفرنسية المحببة في مخارج بعض الحروف تكشفه.

غلاسمان يرى أن ما يحدث في سوريا اليوم ليس أمرا طارئا وغير متوقع، فقد نبّه بنفسه من قبل إلى أن ما أوصل تلك الدولة إلى ما هي عليه الآن هو {احتكار السلطة والسياسة الطائفية التي مارستها عائلة الأسد والمحيطون بها}

رأى أن ما حدث في سوريا ليس أمرا طارئا وغير متوقع، ونبّه إلى ضرورة دراسة جذور المشكلة، من بدايات فرض حالة الطوارئ قبل خمسة عقود، تلك التي عانى خلالها السوريون اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، ووضع الإصبع على الجرح وقال إن ما أوصل سوريا إلى ما هي عليه الآن هو “احتكار السلطة والسياسة الطائفية التي مارستها عائلة الأسد والمحيطون بها”.

تابع ولادة الثورة السورية يوماً بيوم، وساهم من خلال مدوّنته “عين على سوريا” باسم “لوفيرييه” في صحيفة لوموند في نشر المقالات والأخبار التي تسمح للرأي العام الفرنسي بفهم ما يجري في سوريا، ليس عبر شرح ما يحصل على الأرض فقط وإنما بالعودة إلى الماضي الذي راكم استياء السوريين وفاقم معاناتهم وولّد لديهم الرغبة باسترداد حقوق حُرموا منها لعقود.

في كتاب صدر مؤخراً بالفرنسية يحمل عنوان “لا ربيع لسوريا” شارك فيه أكثر من ثلاثين باحثاً وكاتباً في مختلف فروع العلوم الاجتماعية ممن عملوا مع المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى أو بالقرب منه، فرنسيين أو سوريين، موجّه للقارئ الفرنسي، يشرح غلاسمان في الفصل المخصص لمصادر النظام السوري الأمنية أن أحداث حماة عام 1982 هي التي أدت إلى انقلاب واضح في وظيفة البنى الأساسية في النظام، فبعد أن كان حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، صارت الدوائر الأمنية بفروعها الأساسية تقوم بهذه الوظيفة على نحو لم تعرفه من قبل إلا الدول ذات النظام الشمولي، بل ربما تجاوزته، إذ بلغ عدد موظفيها الدائمين حوالي 65000 ومئات الألوف من العاملين جزئيا، حيث يمكن القول إن هناك موظفا لكل 257 مواطنا بصورة عامة أو موظفا لكل 153 من المواطنين الذين تجاوزت أعمارهم خمسة عشر عاماً! وبعد ذلك العام صارت مهمة الجيش لا الدفاع عن الأراضي بل عن النظام وحده.

بعد أن غادر سوريا استقر في باريس، حيث يقيم الآن مع زوجته وابنه الذي ورث نفس اهتمامات والده السياسية التضامنية مع الشعب السوري، لم يُفوّت الرجل أيّ نشاط أو اعتصام لنصرة قضية الشعب السوري إلا وشارك فيها، ولم يُضيّع أيّ فرصة لكتابة مقال أو إلقاء محاضرة تكشف النظام، وحزن لأن الشعب السوري تُرك وحيدا في مواجهة آلة عسكرية وأمنية ضخمة، واعترف أن بلده وغيرها من الدول الأوروبية وقعت ضحية دعاية النظام السوري المتعلقة بوجود متطرفين وجهاديين، ونبّه إلى أن أوروبا ساهمت في فشل المعارضة السياسية السورية وعرقلت مسيرتها.

في كل أحاديثه كان ومازال يشدد على أن الثورة السورية بدأت سلمية، ويشرح كيف تطوّع بعض الشبّان وحملوا السلاح للدفاع عن التظاهرات التي استخدم النظام الرصاص الحيّ ضدها وقتل المئات في الأسابيع الأولى، ويؤكد على أن “منتهزي فرص الإثراء” و”السجناء المتطرفون الذين أطلقهم النظام وهو يعرف نواياهم بعد أن دربهم لإزعاج الأميركيين في العراق” هم بلاء الثورة، لكنّه لا يخفي تفاؤله، فكل مرة يُنهي حديثه بأن “الثورة السورية مستمرة”.

"لا ربيع لسوريا" كتاب بالفرنسية يشارك فيه أكثر من ثلاثين باحثا وكاتبا، فرنسيين وسوريين، يشرح فيه غلاسمان أن أحداث حماة في العام 1982 هي التي أدت إلى انقلاب واضح في وظيفة البنى الأساسية في النظام، من حزب البعث إلى الدوائر الأمنية


دعم الشعب السوري


ناقش الثورة السورية من منطلق سياسي إنساني اجتماعي، فمزج خبرة السياسي المحنّك، بدماثة الدبلوماسي وهدوئه، برقيّ من آمن بمبادئ الثورة الفرنسية، فكانت النتيجة خلاصة واضحة مباشرة لا مواربة فيها ولا غموض “يجب دعم الشعب السوري”.

آمن بأنه “لا يمكن لأيّ ديمقراطي في العالم إلا أن يدعم مطالب الشعب السوري حتى لو حصلت انحرافات في الثورة وحتى لو حمل البعض السلاح رغما عنه، فعندما تكون أمام نظام سفاح مستعد لقتل مليون إنسان ستُبرّر حملهم للسلاح ضده، ومن واجب أيّ عامل بحقوق الإنسان أن يدعم خيار ومطالب السوريين”.

أدرك مبكرا استراتيجية النظام لتخويف العالم من الثورة، ونبّه المعارضة لذلك، واعترف بأن النظام نجح، لكنّه لطالما رفع صوته منبّها لضرورة التمييز، فبرأيه هناك إرهابان في سوريا، إرهاب النظام وهو الأكبر لأنه قتل مئتي ألف سوري بالطيران والأسلحة الثقيلة وأوصل البلد للكارثة، وإرهاب داعش المدان والمؤسس على أيديولوجية دينية تخيف الأوروبيين، لكنّ إرهاب هذا التنظيم أقل خطورة على السوريين من إرهاب الأسد كما يقول دائما.

قال في دراسات له إن الأسد استخدم الإسلاميين والأعمال الإرهابية في لبنان والعراق، لتجنيد مقاتلين للجهاد في العراق ومَوَّلَ محاولة اغتيال الحريري وساعد على إظهار وتثبيت فتح الإسلام في طرابلس، وكيف أطلق بعد انطلاق الثورة سراح مئات الجهاديين السوريين والأجانب الذين يعرف خطورتهم، واستشعر شبهة تواطؤ بين جبهة النصرة والمخابرات السورية، وتعاون مصالح بين النظام وداعش.

جزم نصير الثورة السورية أن الشعب السوري ليس أرضاً خصبة للقاعدة والمجموعات الجهادية، وأن ثورته لن تؤدي حتماً إلى إقامة دولة إسلامية في سوريا، وأن الأسد لا يُقاتل ضد الإرهاب وإنما يتلاعب بالإرهابيين ويتحمل المسؤولية الأساسية وسخر من (علمانيته).

عرف أين أخطأ سياسيو بلده بحق الثورة السورية، ولماذا قصّرت أوروبا، وانتقد علناً عدم تحركها منذ البداية لوضع حد للنظام السوري ومساعدة المعارضة، ومن موقع الناصح، قال للمعارضة السورية “إن التنظيمات الإرهابية خطر على أوروبا، أما النظام السوري فخطر عليكم، ومن هذا المنطلق فإن الأولوية الأوروبية ستكون لمكافحة الحركات الجهادية والإرهابية”.

له وجهة نظر خاصة بشأن احتمال تقسيم سوريا وتأسيس دولة علوية، فبرأيه “إسرائيل ستساند النظام بهذه الفكرة ولكن في حدود، لأن هذا خطير عليها على المستوى السياسي والاستراتيجي، فالدويلة العلوية مرفوضة تماماً من الأتراك، لأنهم يخافون أن تجذب العلويين لديها وتسبب بلبلة، والأمر ذاته في لبنان، وفكرة هذه الدويلة حتى لو كانت سائدة عند النظام، مرفوضة من الشعب، ويستحيل تنفيذها، هل سيقسمون البلد كما حاولنا نحن في زمن الانتداب، هذا سيسبب بلبلة، ربما الفكرة موجودة في رأس المسؤولين السوريين كحل انتقالي لحماية أنفسهم وحياتهم، لكن ليس بشكل دائم”.

غلاسمان يبرهن على أن عدد موظفي المخابرات السورية الدائمين كان قد بلغ حوالي 65000 ومئات الألوف من العاملين جزئيا، حيث يمكن القول إن هناك موظفا لكل 257 مواطنا بصورة عامة أو موظفا لكل 153 من المواطنين الذين تجاوزت أعمارهم خمسة عشر عاما.

أزعجه التفاوت بين السياسي والعسكري في المعارضة السورية، وقال إن النخب السياسية للمعارضة الموجودة خارج سوريا لعبت دوراً في بداية الثورة لكن دورها داخلها كان محدوداً، لأن الحركة جاءت من الشارع والناس العاديون، ولم يكونوا قادرين على توجيه الأمور، وعندما شعروا بالخطر من ممارسات النظام حاولوا الفرار إلى الخارج ومنحتهم أوروبا فيزا، فابتعدوا عن الشارع وتركوه يتيماً نوعاً ما، على الرغم من أنهم من كان يجب أن يقود الحراك، وشدد على أنه كان من الأفضل إقناعهم بالبقاء مع الشعب، خاصة أن أكثرية من خرج انقطع عملياً عن الداخل.

دافع عن الديمقراطية الوليدة للمعارضة السورية وقال في إحدى مقابلاته “شاهدنا في بعض المناطق السورية المحررة كيف جرت انتخابات محلية، عندنا في فرنسا قالوا لكن لا توجد امرأة، وهذا تحليل غبي، لأن الناس تشارك لأول مرة في انتخابات وأحست أن لصوتها وزنا، بينما كانت الانتخابات السابقة شكلية، وطبعاً لم يصوتوا للنساء لاعتبارات مختلفة، منها طبيعة المجتمع السوري وطبيعة تلك المناطق، وهذا ليس غريباً، فهم يحتاجون لوقت، كان علينا أن نرافقهم ونمشي معهم، لأن هناك أناسا قد لا يعجبوننا لكننا إن تجاهلناهم سيصبحون خطرين على الجميع، أما إذا تحدثنا معهم فهناك إمكانية للتفاهم”.

ورغم أن بلده شريك أساسي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، إلا أنه مقتنع بأن هذا التحالف لن يستطيع القضاء على التنظيم بطريقته المتبعة حالياً، بل إنه مقتنع بقدرة ثوار سوريا على طرده إن توفر الدعم لهم، وحاله كحال أيّ معارض سوري صامد، لا يرى حلاً للمشكلة السورية في استهداف هذا التنظيم وحده دون استهداف النظام ووضع حد له.

رغم الوضع المسدود الذي يعاني منه الملف السوري، إلا أن غلاسمان متفائل، فالأمر بديهي بالنسبة إليه، “الوضع السوري سينتهي لصالح الشعب السوري وسوريا الجديدة”، لكن “لا نعرف متى”، وربما أصاب الدبلوماسي المحنّك في استدراكه، ففي البداية كان الجميع يتحدث عن قدرة الشعب على الصمود والآن يتحدثون عن قدرة النظام على الصمود في ظل الدعم الروسي والإيراني له، ولا ينسى هذا الرجل النادر أن يُنبّه في كل مجالسه بأن النظام السوري ينوي إقحام سوريا في حرب أهلية ودينية طويلة المدى.

12