فلاسفة عرب وأوروبيون يتبادلون الأفكار عن العيش المشترك

تظل مسألة البحث عن قواعد وقوانين تنظم الحياة المشتركة بين الناس قابلة للطرح في كل زمان، نظرا لحساسيتها وصعوبة الخوض في غمارها، إذ كلنا نعلم أن الطبائع تختلف بين الناس، وكذلك العادات والتقاليد، وأيضا المعتقدات، كل هذه العوامل مشتركة تشكل نقاط استفهام كبرى حول كيفية التعامل مع الغير وتحقيق السعادة، وسبل توفير مناخ خاضع لضوابط منطقية تؤسس لحياة أفضل، وتحترم كل الثقافات والأفكار والآراء.
السبت 2017/02/25
الاختلاف والتعايش ضرورة إنسانية (لوحة للفنان بسيم الريس)

يعالج كتاب “جماليات العيش المشترك” من تأليف مجموعة من الفلاسفة من تونس وألمانيا وفرنسا وأيسلندا، قضية من أهم القضايا الفكرية التي يدور حولها النقاش الآن في العالم، ألا وهي جماليات العيش المشترك. الكتاب من إعداد الباحث التونسي فتحي التريكي، وقد شارك في بحوثه ودراساته كل من جاك دريدا، وبال سيكلوسون، ورشيدة التريكي، وهانس يورغ زاندكهلر، وماتياس كوفمان، وجون جوليفي، والعربي الطاهري، ولودغير كونهاردت. وقد قدم معالجات طريفة لتجارب الغيرية والعيش معا، وكلها تكشف عن الإمكانيات الضخمة للتثاقف والتعايش.

سعادة التحاور

في مقدمة الكتاب الصادر عن “الهيئة العامة لقصور الثقافة” المصرية يلفت فتحي التريكي إلى أن الخيط الرابط بين كل المقالات الواردة في الكتاب يتلخص في مفهوم جمالية العيش المشترك وسعادة التحاور مع الغير دون أن يفقد المرء هويته ونمط وجوده في العالم. ويضيف “ونعني بجمالية العيش المشترك قدرة الإنسان على تغيير اجتماعيته الطبيعية وتحويلها إلى اجتماعية معقلنة وواعية، فالعيش المشترك الذي يتحقق في إطار الاجتماعية الواعية هو تعايش منظم حسب قاعدة الأنس والمحبة.

ولا بد أن نذكر أن مفهوم التآنس الذي اقترحته ووضعته على محك الدرس والنقد من خلال قراءتي لأعمال أبي حيان التوحيدي ومسكويه يفيد مبدئيا نوعا من العيش المشترك ضمن التآلف والانسجام، الذي لا يعبر فقط عن عدالة مصحوبة بالحكمة والحب ولكن أيضا عن الوفاق الممكن بين الأشخاص، فهو يعبر عن إنسانية قوامها حق الاختلاف والاحترام والمحبة”.

ويشير التريكي إلى أنه لا توجد حياة عامة أو إمكانية لحياة كونية دون رابط إنسي ضمن وحدة اللغة أو الكلام الذي تتقاسمه الممارسات اليومية والعادات والتقاليد والأمنيات والحقوق والواجبات التي تهم كل فرد. وأكد أن الأمة لا تحقق وحدتها وهويتها إلا باتفاقها من خلال عملية تحاورية ضخمة، تؤسس فيها عوامل الارتباط وأسباب إنجاحها وتحولها إلى عيش مشترك في ظل الكرامة والحرية.

في مقالته يناقش جاك دريدا في محاضرته قوانين الضيافة عند أرسطو وأفلاطون والفلسفة الألمانية ممثلة في كانط مؤكدا أن الضيافة تدل على حق الأجنبي عند حلوله بالبلد المضيف في ألا يعامل كعدو. فالضيف المستقبل هو غريب نتعامل معه كصديق أو كحليف، وذلك يتعارض مع الآخر الأجنبي الذي نعامله كعدو.

ويرى دريدا أن الضيافة كمفهوم وتجربة متناقضة في حد ذاتها. يقول “الضيافة تأخذ وتعطي أكثر من مرة ولكن ما تعطيه وما تأخذه هو الاستقبال الذي يدع ويفسح المجال للمجيء عنده، مخضعا الآخر الأجنبي لقانون المضيف، القانون الداخلي. نعم فلتأت عندي ولكن عليك أن تخضع للمكان، للغة، للعرف، للتقاليد، للذاكرة، إلخ. إذن الترحاب الذي يدع المقبل يأتي لديه مخضعا الغريب للقانون الداخلي، قانون الضيف، الآخر الذي يتقبل الخاص للمعنى اللغوي أي لتصوراته أيضا”.

ويتمحور موضوع الباحثة رشيدة التريكي حول العلاقة بين الفن والتواصل وينطلق من الاهتمامات الجمالية التي تتمثل في مستقبل الإستيتيقا، حيث تتساءل: ما هي صلة التواصل بالفن المعاصر؟ وعلى وجه التحديد كيف يمكن فهم عملية الاستقبال لأي شيء فني؟ وما نوع التواصل؟ وكيف يتكون الوعي الذي يمكن أن يحصل لنا جراء ذلك؟

مقالات تؤسس لثقافة التواصل وسعادة الحوار

وفي هذا الإطار ترى التريكي أن الإدراك الجمالي المحض هو الذي يخفي وحده الإحساس والشكل ولا يسمح بإدراك الأثر في شكل قابلية الانفعال الكلي، وهو الذي يشمل في الوقت نفسه المعنى الكامل الأصلي وحقيقته في إعادة الإبداع.

وتلفت إلى أن الهندسة المعمارية تسمح بجمع الفنون الأخرى بما أنها أشكال من أشكال التصور والتزويق عبر هيكلتها للمجال. في نفس الوقت تحدث الهندسة المعمارية في جوهرها الزخرفي وساطة بين التقبل الجمالي والإحالة “للمعنى العام للحياة التي ترافقنا”.

تجديد الانسجام

يطرح هانس يورغ زاند كهلر في محاضرته “دولة القانون والحقوق الأساسية في عالم التثاقف” تصورا عن الحق في مجتمعات التعددية، مؤكدا أنه لا يمكن اليوم ولا حتى على أمد بعيد التفكير في المطالبة بحقوق الإنسان وتحقيقها باستقلال عن الدولة وعن مؤسساتها الشرعية والقانونية. ولكن ترى عن أي دولة وعن أي حق نتكلم؟

إن الحديث عن دولة القانون وعن حقوق الإنسان الأساسية إنما الغاية منه هي النظر في إمكان تحقيق عالم أكثر عدلا. إن الدولة والقانون ينبعان من سلطة الشعب، ولذا فإن الحق القائم أو القانون السائد لا يتلاءم مع أنموذج كوني وحيد، نظرا لتنوع المثل العليا للعدالة وإلى اختلاف التقاليد الشرعية، ويمكن أن نذكر كمثال حق الملكية والواجبات المرتبطة به.

ويرى يورغ زاند كهلر أن المطارات الراهنة حول وظيفة الدولة وحدودها تتأرجح بين موقف المدافعين عن الخيرات الفردية وعن الأمن، فتراهم يقلصون من مشمولات الدولة وموقف المبررين لوجود الدولة، نظرا إلى العدوانية المتفشية في المجتمع المدني، فتراهم يشددون على المصلحة العامة التي تتحقق في المجتمع الذي يعيش في كنف القانون الدستوري.

يقول موضحا “هناك أيضا من يسعى إلى الحد من نفوذ الدولة ومشمولاتها في سبيل تحقيق المصلحة العامة التي يمكن ضمانها داخل الأسرة وداخل المجموعات الصغيرة، في حين يسعى آخرون إلى الأمر نفسه ولكن باسم الحريات الفردية. إن هذه الاستراتيجية لا تخلو من الخطر وفعلا فإن الناقدين للدولة لا يأخذون بعين الاعتبار أن التعددية الراهنة تضطرنا للتفكير مجددا في انسجام ذلك الكل المتألف من الحرية والحرية والحق والدولة.

لكن علينا أن ندافع عن الدولة بمفهومها الجديد، دولة القانون وعلى مهامها الرئيسية، إن وظائف الدولة التي تشكل خطرا حقيقيا هي تلك التي تم اشتقاقها من أيديولوجيا الأمة والعرق ومن الأولوية المعطاة لبعض المصالح الاقتصادية الخاصة. وإن وظائفها التي ينبغي الدفاع عنها هي الموكولة إلى دولة الدستور باعتبارها أداة الحق الساهرة على كرامة الفرد وحريته”.

16