فلاسفة يونانيون منفيون يضيئون الساحة الثقافية في باريس

في ربيع هذا العام، 2015، صدرت في فرنسا عن دور نشر مرموقة ثلاثة كتب هي التالية “الأفكار ضدّ العدميّة” لكوستاس بابايونو، و”المنفى وطنا للفكر”، و”الفكر في أفق التيه” لكوستاس أكسيلوس. ومعلقة على الكتب الثلاثة، كتبت جريدة “لوموند” في عددها الصادر يوم الجمعة 15 مايو من العام المذكور، تقول إنه لولا المساهمات المهمة للمنفيين اليونانيين لما كانت الفلسفة الفرنسية على ما هي عليه راهنا.
السبت 2015/05/23
الراحل أكسيلوس قرر ترك بلاده ليستقر في باريس بعد ملاحقات سياسية عديدة

من الفلاسفة اليونانيين الذين اختاروا أن يعيشوا منفاهم في باريس التي كانت خلال القرن العشرين عاصمة للثقافة العالمية يمكن أن نذكر، نيكوس بولانتزاس (1936-1979) الذي اهتم في الدراسات التي أصدرها بالكيفية التي يمكن أن تبنى بها الدولة الاشتراكية والديمقراطية.

وفي نهاية الحرب الكونية الثانية، وبينما كانت الحرب الأهلية مشتعلة، غادر كورنيليوس كوستارياديس (1922-1997) بلاده ليستقر حتى نهاية حياته في باريس مدرّسا في جامعاتها، ومشاركا في مختلف الجدالات الفلسفية التي شهدتها على مدى النصف الثاني من القرن العشرين.

انتقاد الستالينية

كان كورنيليوس كوستورياديس من أوائل الفلاسفة الغربيين الذين انتقدوا الستالينية، والانحرافات الخطيرة للماركسية التي حدثت في ظلها، وفي ظلّ ألأحزاب الشيوعية الموالية لها، مشدّدا على أن البيروقراطية هي الآفة التي كانت السبب الأساسي في فشل البناء الاشتراكي في ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي.

ومثله، هاجر إلى فرنسا، وفي نفس الفترة فيلسوفان آخران هما كوستاس بابايونو (1925 -1981)، وكوستاس أكسيلوس (1924-2010). وكل واحد منهما شارك بقوة في الحياة الفكرية والثقافية في باريس، مقدما أفكارا وآراء مفيدة وناجعة حول مختلف القضايا.

وفي كتابه الموسوم بـ”الأفكار ضد العدمية”، يضيء بابايونو جوانب مهمة تتصل بالفكر الشمولي اليساري، وبالستالينية تحديدا، والتي كان يسميها “الأيديولوجيا الباردة”، فعل ذلك في فترة كان فيها نقد الستالينية أمرا يكاد يكون منعدما.

وكان بابايونو مرتبطا بعلاقة وثيقة بوالده ستراتيس الذي كان مناضلا اشتراكيا كبيرا، مناصرا لكاوتسكي، عدوّ لينين اللدود، معتبرا أن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى على أسس ثابتة ومتينة إلا في ظل الديمقراطية التي تحترم البنى الاجتماعية، وتتحاشى تغليب واحدة منها على أخرى باسم “دكتاتورية البروليتاريا”.

أكسيلوس اهتم بنقد الجمود العقائدي منحازا ومدافعا عن الفلاسفة الذين سعوا إلى ابتكار رؤية أخرى للماركسية

وقد عاش بابايونو حياته في باريس زاهدا، متقشّفا، متفرغا للفكر، والقراءة، ناشرا أفكاره في المقاهي، وفي النوادي، متجنبا الاقتراب من المؤسسات الرسمية، ومن الجامعات المنغلقة على نفسها.

وكان يحب معاشرة الفنانين والشعراء البوهيميين، متقاسما معهم الكأس واللحظات السعيدة في باريس التي تعيش الحياة من دون فرق بين الليل والنهار.

وكان الشاعر المكسيكي الكبير أوكتافيو باث من أصدقائه المفضلين. معه كان يحب أن يتحدث عن العلاقة بين الفلسفة والشعر.

وقد توفي بابايونو دون أن يتمكن من إنهاء الكتاب الذي شغله طويلا، راغبا من خلاله في تقديم قراءة جديدة للماركسية التي شوهتها الستالينية وبيروقراطية الأحزاب الشيوعية.

البورجوازيــة اليونانية

في كتابه “المنفى وطنا للفكر”، كتب كوستاس أكسيلوس يقول “ما وراء الأفق المنغلق والخانق للبورجوازيــة اليونانية الكبيــرة، وللـــــيونان البورجوازية، وللـــحركة الشيوعية أيضا، كان يدفعني إلى أن أترك كل شيء، وأغادر، ليس للهروب، ولكن لكي أعيش بطريقة أخرى رؤية لم تعد دوغمائية للماركسية، ولم تعد باستطاعتها أن تتحقق في زمن وفي مكان محددين في ظل قيادة الحزب الشيوعي، وأن أقوم بحركة باتجاه الخارج، باتجاه أوروبا، وأيضا باتجاه العالم”.

ويضيف أكسيلوس قائلا إنه أدرك وهو في سنّ العشرين أن الفكر الشعري الخلاّق كما هو لدى هيراقليطس، ونيتشه، وهيغل، وماركس في سنوات شبابه، وأيضا لدى فرويد، يمكن أن يضيء الطريق أمام الناس، ويفتح بصائرهم، ويغيّر نظرتهم للحياة.

وملاحقا من قبل الحزب الشيوعي، ومن قبل النظام اليميني الذي كان يحكم البلاد، قرر أكسيلوس ترك بلاده ليستقر في باريس ليبدأ “حياة فلسفية جديدة”.

وفي جميع الدراسات التي نشرها في كبريات المجلات الفرنسية، اهتم أكسيلوس بنقد الجمود العقائدي، والبيروقراطية الستالينية، منحازا ومدافعا عن الفلاسفة الذين سعوا إلى ابتكار رؤية أخرى للماركسية تتماشى مع رغبة الأفراد والجموع في التحرر، وفي فتح آفاق جديدة في التفكير وفي الحياة من أمثال هربرت ماركوزه، ولوي ألتسير وجماعة مدرسة فرانكفورت.

16