فلاناغان وروايته "الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال" بالعربية

الأحد 2016/11/13
فلاناغان: الحرب تغيِّر مصائر الجميع

قبل الشروع بقراءة رواية “الدرب الضيِّق إلى مجاهل الشمال”، لا بدَّ من البحث في تاريخ الحرب العالمية الثانية “1939- 1945″، خصوصاً فيما يتعلق بالمشاركة العسكرية الأسترالية في مناطق مثل سوريا ولبنان وفلسطين، وأخرى في الشرق الأقصى الآسيوي في سنغافورة واليابان.

ذلك البحث الأولى سيمنح القارئ أرضية صلبة تمَكِّنه من فهم طبيعة وعمق التواجد الأسترالي وشبكة التحالفات التي بناها ذلك الجيش الذي وقع جنوده أسرى لدى الجيش الإمبراطوري الياباني عقِب سقوط سنغافورة، فاستخدمهم الجنرالات إلى جانب العبيد في إنشاء سكة الموت.

يطوف الكاتب الأسترالي ريتشارد فلاناغان، المولود في العام 1961، عبر 477 صفحة في روايته “الدرب الضيِّق إلى مجاهل الشمال” الفائزة بجائزة “المان بوكر العالمية”، والصادرة بترجمة خالد الجبيلي عن دار الجمل منذ أسابيع، في عوالم غريبة وغرائبية بذات الوقت، فتبدأ الرواية تاريخياً في 15 فبراير من العام 1943، بطلها هو دوريغو إيفانز، الطبيب الجراح الذي ترمي به الأقدار شاهداً على المجزرة الصامتة التي كانت تُنَفَّذُ على طول 414 كيلومترا، لتمتد جغرافياً من شمالي بانكوك حتى بورما أو ما يعرف اليوم بميانمار.

ريتشارد فلاناغان استقى عنوان روايته من قصيدة “هايكو” للشاعر الياباني الشهير ماتسو باشو، لكنه في المتن لجأ إلى ذاكرة حيَّة ورِثَها عن أبيه الذي حمَل الرقم “335” في فترة اعتقاله لدى القوات اليابانية بعد سقوط سنغافورة، رحلة عذاب ومعاناة قبل أن يولد الكاتب بما يقارب العقدين من الزمان، كان أبوه حينها شاباً مقاتلاً في الجندية الأسترالية التي طافت بلاد الشام في حربها ضد حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان.

في هذه الرواية التي سكنَت فلاناغان من مراحل طفولته الأولى، كما يبدو واضحاً في تصريحاته، قد أخذت منه أكثر من 12 سنة في كتابتها، حيث اعتزل مراراً على جزيرة في قرية نائية بالقرب من مسقط رأسه في مدينة “تسمانيا” بأستراليا، جالساً في كوخ منقطع عن العالم ليكتب فقط، يقول إنه أنجز خمس نُسخٍ لا تشبه بعضها من هذا النص، وهذا واضح في طريقة السرد التي انتهجها الكاتب، فالعمل ينتقل على العديد من المستويات، يميل في جانب منها إلى التقريرية بينما تحلّ الصِيَغ والتراكيب الوصفية على مساحات واسعة منها.

في الفصول الأولى يستهل الكاتب الحديث عن الجيش الأسترالي وتواجده في سوريا، فالمدن السورية تظهر دون أسماء واضحة سوى دمشق العاصمة، يصف القتلى من الجنود والمدنيين، الدمار الذي حلَّ بالقرى والمدن، الانتقالات العسكرية على رقعة الشطرنج، تصرُّفات الجنود التي تميل إلى الارتفاع عن مستوى الموت في لحظة اكتشاف ماهيَّتِه، إنها حالة التصالح مع ثيمة الموت والحرب في آنٍ معاً.

ينتقل الكاتب بين دوائر الحكاية مروراً من ملبورن وسيدني إلى دمشق والقاهرة وصولاً إلى شمالِ بانكوك في تايلاند، فنجد العديد من التفاصيل التي يوردها الروائي نهلاً من ذاكرتِه التي أراد في هذا النص كشف حساب متأخِّر معها.

من الواضح أن الكاتب واصلٌ إلى حد الإشباع الكلّي من تفاصيل تلك المرحلة، فنراه يسرد بجرح مفتوح عن وجبات الطعام منتهية الصلاحية، والأمراض المعدية التي بدأت تتفشَّى بين الجنود والعبيد

ثيمة الرواية

تلك العتبات كلها جاءت للكشف عن ثيمة الرواية، التي تأتي فضاءاتها نتيجة القرار الإمبراطوري الياباني بإنشاء خط حديدي يربط بانكوك مع بورما، كان ذلك أوائل العام 1943 حيث وصل الأب أسيراً إلى سيام، تزامن وصول الأسرى مع إحساس عارم بالإحباط في صفوف اليابانيين المدنيين في ظل قلة موارد البلاد وعدم قدرة الدولة على استرداد البحار من القبضة العسكرية الأميركية، ذلك الإحباط كان يقابله إيمان عميق لدى جنود الإمبراطور بأن النصر حليفهم لأنهم يملكون روح النصر، روح الإمبراطور التي لا تُقهَر، لذلك غامر الجنرالات بقرار الربط البري بين اليابان وبورما لتزويد الفيالق العسكرية بالعتاد والرجال في سبيل خوض المعركة للسيطرة على الهند، الطريق البري يفرض قوانينه والجغرافيا لها مزاجيَّتُها التي يحاول اليابانيون كسرها بقوة العبيد من الآسيويين والأوربيين وأسرى الحرب من الجيش الأسترالي الذين فاق عددهم 22 ألف جندي بعد سقوط سنغافورة.

كان العالم مقسوما عند البطل إلى قسمين، مَن قضى في بناء الخط الحديدي، والعالم الذي يعيش خارج الخط، فرقة الناجين من البناء لم تكن مدرجة في خيالاته أبداً، لذلك نراه يُغرق في وصف كلمة الخط بأنها تنطلق من نقطة إلى نقطة، خط طول بلا عرض، مقبرة مفتوحة لعظام الراحلين، في ظروف استثنائية خارج نطاق التخيُّل يشتغل الأسرى إلى جانب العبيد في حربٍ لا تمثِّل شيئاً واحداً بل هي أشياء كثيرة تختلط مع بعضها البعض لتغيِّر مصائر الجميع، المنتصرين منهم والمهزومين.

الحب والحرب

من الواضح أن الكاتب واصلٌ إلى حد الإشباع الكلّي من تفاصيل تلك المرحلة، فنراه يسرد بجرح مفتوح عن وجبات الطعام منتهية الصلاحية، والأمراض المعدية التي بدأت تتفشَّى بين الجنود والعبيد، في صورة سيطرة العدم على كل شيء، فيطغى الموت على الأحداث رغم أنَّه لا يشكِّل اللحظات الأكثر قسوة في المعتقل أو جولات الحرب.

أسرى أستراليون في دمشق وبانكوك

السرد الروائي يأتي على لسان الطبيب الجراح “دوريغو إيفانز″، الذي يقرر بعد سنوات طويلة من استقراره بمدينة أديلالد الساحلية في أستراليا، كتابة مذكّراته عن سكة الموت اليابانية، كونه الشاهد الناجي من المجزرة التي امتدت لسنوات، فيلجأ هنا إلى استجرار التجارب المُروِّعة التي عاشها مع آخرين في ثنائيات تبدو مفهومة في سياق النص الذي يناقش في ثناياه العديد من القضايا، أبرزها الجلاد والضحية والعلاقة بينهما، الجنود كضحية قرار الكبار في الحرب، الصفقات التي تحدث وتقلب موازين القوى في اللحظات العصيبة من الحرب.

كان لا بد من قصة حب في ثنايا الدوائر السردية ليكون صراع الشخصيات أخفَّ وطأة عند المتلقّي، لكن هنا تكمن مفاجأة من عيار آخر لا تقلّ عن قسوة الحرب، البطل يتورَّط بقصة حب عنيفة مع زوجة عمه “إيمي” التي تصغره بسنوات، يلجأ إلى الحب المحرَّم في ظلّ الحرب العبثية التي تسيطر على العالم وكأنَّه يعتبر نفسه جزءاً من هذا التلوُّث الذي يسيطر على العالم ككل.

ربما السنوات الطويلة التي مرَّت بها كتابة فصول هذه الرواية، فرضَت على الكاتب علاقة خاصة مع شخصياتِه التي يعرف بعضها حُكماً بسبب كتابته عن سيرة أبيه، هذه المعرفة جعلَت الفصل الأخير يلجأ إلى الخراب الكلّي في النفس البشرية، الخراب الذي يفرض نفسه بصورة الكهولة التي يصل إليها البطل وتلقِّيه خبر وفاة عمه وزوجته وثلاثة آخرين نتيجة حريق كبير شبَّ في فندق الملك، فلا يجد الطبيب المتقاعد مكاناً يلوذ إليه سوى الطبيعة التي تغرَقُ بمطر غزير يمشي في ظلِّه ديغور ليلاً فتتعثَّر عيناه بزهرة نبتت في غير مكان ووقت ظهورها الطبيعي، ينحني قليلاً ثم يمشي إلى اللامكان.

لا بد من القول أخيراً إن المترجم كان أميناً على النصّ من حيث الترجمة، هذا جاء واضحاً في آلية نقل الرواية الأصلية لمشاهد عديدة كان بالإمكان صياغتها عربياً بطريقة أفضل، أو بإعادة تفكيك مقاطع كاملة وتركيبها من جديد، وهذا ما يدعمه خلوّ الرواية تقريباً من أيّ مفردات لا معنى لها بالعربية حيث غابت الهوامش كليَّاً عن المتن.

كاتب من سوريا

14