فلتسيروا وحدكم

سياسات “فلتسيروا وحدكم” التي يتبعها المنكرون للحقائق في هذا المجال أو ذاك، إنما هي سلاح دمار شامل حقيقي وليست كذاك الذي زعمت أميركا كذبا أنه بحوزة العراق ذات يوم.
الجمعة 2019/06/28
لا أحد يستخف بموجة الحرّ

توقعت دائرة الأرصاد الجوية في إحدى الدول العربية، قبل سنوات، أن حرارة الصيف القادم ستكون أعلى من معدلاتها، فأطلق الشارع طرفة تقول “إن الحكومة قد أعلنت أن الحرارة لن تصيب الطبقتين المتوسطة والفقيرة”. وكأن الحرارة أمر بيد الحكومة وكأنها تقدر فعلا على تبريد طبقة دون أخرى.

وتشهد أوروبا هذه الأيام رياح سَموم لم تعهدها من قبل، تضرب المناطق التي اعتادت على الغيم والرذاذ، فبتَّ ترى الأوروبيين يلهثون في الشوارع والعرق يتقطر منهم عند الدرجة 40 مئوية، وهم يتناهبون مراوح الهواء البارد من المحلات حتى خلت كبرياتها من جميع البضائع المتصلة بالتكييف.

موجة حارة تعبر القارة العجوز، تحمل معها نذر ما يحصل في البعيد، حيث يختفي الجليد بمقدار 100 متر يوميا، وتذوب جباله إلى غير رجعة. ووحدهم أولئك الذين يعيشون في قوقعة مغلقة الفوهة، يعتقدون أنهم بوسعهم النجاة وحدهم، والنموذج الأكبر لهم أميركا التي انسحبت من اتفاقية باريس المخصصة لظاهرة الاحتباس الحراري، بسبب رفض الرئيس دونالد ترامب تصديق الواقع العلمي، حتى بعد أن وجه عدد كبير من العلماء خطابا محذرين أن خروج واشنطن من الاتفاقية سيرسل رسالة واضحة إلى باقي العالم بأن ”الولايات المتحدة لم تعد تهتم بالمشكلة العالمية للتغير المناخي الذي يسببه الإنسان، فلتسيروا وحدكم”. وكان من بين أبرز الموقعين عليها عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ وعالم الأحياء الشهير إدوارد ويلسون صاحب العبارة الفريدة “نحن البشر نعشق وحوشنا”. لكن ترامب بقي ينفي ويقول إن الاحتباس الحراري “خدعة اخترعها الصينيون”.

منظمة “كليمايت إنتراكتف” تتوقع أن ترتفع كمية الغازات المسببة لارتفاع الحرارة بحوالي 3 مليارات طن مكافئ غاز ثاني أكسيد الكربون بحلول العام 2030 بسبب انسحاب أميركا وهي ثاني أكبر منتج للغازات، ما سيؤدي إلى ارتفاع تدريجي في معدل حرارة كوكب الأرض.

هذا الإنكار الأميركي لا يقل إضرارا بالبشرية من ظهور داعش والتنظيمات الإرهابية بألوانها وأشكالها، فالإبادة لا تتوقف على استعمال البنادق والمتفجرات. بل إن سياسات “فلتسيروا وحدكم” التي يتبعها المنكرون للحقائق في هذا المجال أو ذاك، إنما هي سلاح دمار شامل حقيقي وليست كذاك الذي زعمت أميركا كذبا أنه بحوزة العراق ذات يوم. وهكذا يتضح أن الذكاء الفطري للشارع العربي كان محقا في طرفته القديمة، وأنه بالفعل يمكن لحكومة ما أن تتحكم بالطقس كما يحلو لها.

24