فلسطينيات يخلصن لدمية الصغر فيصنعنها في الكبر

الشابة هالة أبوزيد، من الفتيات اللاتي لم يتخلّين يوما عن صديقتهن الدمية حتى في عز الشباب، فبعد عمر اللعب، تواصل عشقها للدمية حتى صارت تصنعها.
الجمعة 2018/11/23
أدوات ومكونات بسيطة وأنامل فنانة

الضفة الغربية – علاقة الفتاة بدميتها علاقة متينة تبدأ منذ السنوات الأولى من العمر، تلاعبها طوال اليوم لترتقي العلاقة إلى صداقة تعيشها الفتاة، فتعامل الدمية كطفلة صغيرة تستحق العناية والتجميل، وربما تنتظر الفتاة الصغيرة أن تبعث في دميتها الحياة والمشاعر، فتصيرا صديقتين بعيدا عن عالم الكبار، قد تتركها حينا، لكن لا تتنازل عنها دائما، بل تعود إليها من جديد، عكس الأطفال الذكور الذين تنتهي علاقتهم مع لعبهم بتكسيرها والمطالبة بلعبة جديدة.

 

إذا كان عشق الفتيات للدمى مرحلة تنتهي مع انتهاء السنوات الأولى من الصغر ودخول عالم الألوان والرسم والدراسة، فإن بعض الفلسطينيات لم يستطعن التخلص من هذا الحب، بل كبر معهن وتطور من اللعب إلى صناعة العرائس حتى صار مورد رزق لبعضهن بدل انتظار وظيفة قد لا تأتي أو دخل إضافي يساعد على مواجهة الحياة وغلاء الأسعار.

قد يظن البعض أن قصة الحب بين الفتاة ودميتها تنتهي مع التقدم في السن وبداية فترة الدراسة الأولى، حيث تنشغل الفتاة بالألوان والتصوير، لكن بعضهن يواصلن إخلاصهن لتلك الدمى العرائس حتى يصرن بدورهن عرائس، بل بعضهن تواصل التعامل مع الدمى من خلال صناعتها والتي تبدأ بالهواية ثم تتطور لتصبح حرفة قارة، أو مصدر دخل إضافي كما تفعل بعض الفلسطينيات.

دمية المئة دولار

الشابة هالة أبوزيد، من الفتيات اللاتي لم يتخلّين يوما عن صديقتهن الدمية حتى في عز الشباب، فبعد عمر اللعب، تواصل عشقها للدمية حتى صارت تصنعها. تقول إن بدايتها في صناعة الدمى كانت هواية أتقنتها بطريقة حرفية معتمدة على أدوات متواضعة تتمثل في الإبرة والخيط والصنارة، ثم أتقنت بعدها تصميمات بأشكال وأحجام مختلفة.

واتخذت هالة من غرفتها ورشة لها لتطور موهبتها بالاعتماد على اليوتيوب الذي أخذت منه دروسا مجانية لصناعة الدمية من رأسها  حتى أخمص قدمها، ثم شاركت في دورات وورشات جعلتها تتقن صناعة الدمى، وأصبحت منتجاتها تباع في السوق، لأنها تضاهي في جودتها العرائس
ذات الأسماء الشهيرة والمستوردة من الخارج، بل وتتفوق عليها خاصة في التصميمات الشعبية، ليصل ثمن الواحدة من هذه الدمى إلى 100 دولار.

هالة تكفل الدمى التي تبيعها لمدة عشر سنوات لثقتها في ما تصنع، ولا تكتفي بذلك، بل تعمل على تصميم ملابس للدمى أيضا من أجل تبديلها، وهي تعلم جيدا أن الفتاة الصغيرة تعامل دميتها وتعتني بها كما تعامل الطفلة من قبل والدتها لذلك توفر لها ملابس لتستمتع بلعب دور الأم الحريصة.

لعب بملامح الأطفال

أما رواء حجازي التي انشغلت عن دميتها بالدراسة والألوان، فطورت موهبتها في الرسم منذ سنواتها الأولى، ولم تعد إلى عالم الدمى إلا بعد أن تخرجت في الجامعة اختصاص فنون جميلة. تقول عن عشقها القديم للدمى وكيف كبر حتى تطور إلى صناعة “أردت ألا تقتصر أعمالي على الرسم فحسب، بل أردت صنع شيء مميز، فصنعت دمية باستخدام الخيوط والقماش لألعب بها، فكنت سعيدة، لأني صنعتها لنفسي وبالمواصفات التي أريدها ودون مساعدة من أحد”.

وربما اكتشفت رواء أن الدمية يمكن أن تكون صديقة مخلصة وكتومة لشابة لا تستطيع أن تبوح بأسرارها لصديقاتها وجارتها، وحتى أخواتها من البنات، لذلك تقول “عندما كبرت أردت صنع دمية أخرى، ولكن بطريقة جديدة لم يتطرق لها أحد من قبل، حيث تكون مطابقة لشخصية الطفل الذي يقتنيها ورسم ملامحه على وجهها بوجود لمسة خاصة عليها، من خلال صناعتها من الأقمشة، وصولا لتركيب الشعر بما يشبه حاملها، فكانت النتائج مبهرة جدا ولاقت إعجاب كل من شاهدها لأني صنعتها بطريقة إبداعية وغير تقليدية”.

صناعة دميتها جعلتها تكتشف موهبتها في هذا الميدان الذي طورته لتصنع دمى للأطفال وأخرى للكبار بالاعتماد على موهبتها في فن الرسم والألوان، فهي تؤمن أن الكبار في حاجة إلى صديق مخلص، وأغلب الصبايا أيضا تحن إلى طفولتهن وألعابهن.

عروسة الحنين إلى الصغر
عروسة الحنين إلى الصغر

وتستطيع حجازي أن تصنع دمية تشبه ملامح من قرر أن يقتنيها من الأطفال، موضحة أنه عندما يطلب منها الطفل سواء كان صبيا أو فتاة أن تصنع له دمية، فإنه يقدم لها صورا شخصية صغيرة لتصنع له دمية تشبه الصورة.

وتتفاوت أحجام الدمى التي تنتجها حجازي من 20 سم إلى 37 سم، وفي بعض الأحيان يرتفع حجم الدمية إلى 50 سم، وقالت إنها تستغرق ثلاثة أيام لصنع دمية واحدة.

وتقول رواء، وهي تحيك دمية صغيرة، “بعد كثرة الطلبات دشنت صفحة على فيسبوك سميتها (سكر)، أعرض فيها ما أغزله من صوف وما أصنعه من عرائس بأشكال مختلفة، حتى يتشجع الناس ويطلبوا صناعة ما يروق لهم”.

علاقة رواء بدماها علاقة متينة جدا، بل لعلها علاقة أمومة تعيشها الشابة وتحلم بها، تقول “أفتخر بنفسي حين أبيع دمية لاعتقادي أنها ستبعث الفرحة في نفس من يشتريها، لكنني أشعر بالفقد والحنين لكل قطعة أبيعها كوني صنعتها بروحي وعشت معها تفاصيل كثيرة من حياتي اليومية”.

وصارت لرواء ورشتها ويعمل معها اليوم فريق من السيدات، وصارت لها رؤية خاصة في صناعة الدمى تقول عنها “أبدأ مع فريق السيدات اللاتي يعملن معي بتشكيل المجسم الأول للدمية، وتطريزه باستخدام الكروشيه أو الصوف، وبعد ذلك يتم حشوه بالفايبر المخصص لحشو الوسائد، ثم يتم رسم الملامح المطلوبة عبر التطريز على الوجه، ومن ثم خياطة ملابس الدمية وتركيب الشعر”. وهي تطمح اليوم إلى تصدير لعبها إلى الخارج “للتوسع في تجارتها وليس طلبا للجوء عرائسها الفريدة”، لكنها مازالت تواجه مصاعب أزمة انقطاع الكهرباء، مضيفة أنه عندما تنطفئ الأنوار ليلا تتوقف عن العمل.

دمى أفلام الكرتون

هالة وشقيقتها خديجة زغير شابتان فلسطينيتان من الخليل قررتا مواصلة اللعب بالدمى وهما في سن الصبا، لكن اختلف اللعب عندهما، فصار يتم بإبرة الكروشيه وخيوط الصوف، لتشكلا منها دمى تحاكي تلك التي تظهر في أفلام الكرتون، وأخرى من نسج خيالهما.

الشابتان اشتغلتا بحياكة الصوف، لكن الطلبات على هذه المشغولات تراجعت أمام الملابس الصينية الرخيصة. ولم تتوقف البنتان عن العمل، بل اتجهتا للعب من خلال صناعة الدمى وتسويقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال مشاركتهما في العديد من المعارض المحلية.

وتقول خديجة “نستخدم الأدوات التقليدية اليدوية في حياكة الصوف كالصنارة والمقص وغيرهما، وبعد تشكيل الدمية يتم حشوها بالصوف الصناعي ومن ثمّ يتم وضع العيون والفم والمكملات الأخرى”. وتضيف “الدمى التي نصنعها تلقى رواجا في السوق المحلية، كونها صناعة يدوية معروفة المصدر، ويمكن تشكيلها حسب الطلب، وخفيفة الوزن ولا يمكن أن تؤذي الأطفال”.

أما شقيقتها هالة فتطمح إلى أن تؤسس مع أختها ورشة مستقلة لإنتاج الدمى وتسويقها في المدن الفلسطينية، مشتكية من صعوبة شراء المواد الخام ذات الجودة العالية، ما يرفع تكلفة منتجاتهما.

ربا أبوالحطب، رغم انشغالها بوظيفتها وعائلتها، وهي السيدة التي عليها أن تعتني بشؤون البيت والأطفال، استطاعت أن تجد بعض الوقت لمداعبة كرات الصوف والصنانير المعدنية، وحياكة القبعات واختيار الألوان المناسبة لملابس الدمى والعرائس التي تصنعها، لكسب بعض الرزق الإضافي الذي يساعدها في توفير متطلبات الحياة. وإلى جانب الأطفال، تُحيك أبوالحطب دمى للشابات في غزة، بناء على طلبهنّ وبالألوان اللاتي يحبّذنها.

ورغم أن صناعة دُمى الأطفال هي هواية أبوالحطب، إلا أنها توفر لها دخلا إضافيا يساعدها على تحمّل غلاء المعيشة في قطاع غزة.

ولمعت فكرة صناعة الدُمى باستخدام صنارة الكروشيه والصوف لدى السيدة، من اعتماد محال الألعاب في قطاع غزة على الدُمى المستوردة غالبا من الصين، إلى جانب دُول أخرى مورّدة وخلوّ معظم المحال من الدُمى المصنّعة محليا.

وتقول إن حياكة الدمى تحتاج عينا فنية قادرة على تخيّل شخصيات كرتونية جديدة للأطفال ودمج الألوان مع بعضها بطريقة جذابة، معبرة عن سعادتها حينما تنتهي من صناعة دُمية معينة ويتسارع أطفال المنطقة التي تقطنها لاقتنائها.

ومن الشخصيات الكرتونية التي صنعتها على شكل دمى؛ عبقور وعروس البحر وشخصية الأرنوب والمهرجين.

وتصدّر أبوالحطب بعض الدمى إلى الخارج، كالأردن والولايات المتحدة الأميركية، بناء على طلبات بعض الزبائن الذين يكونون فلسطينيين في الغالب، والذين يطلبون مواصفات وأشكالا وألوانا معينة.

باربي بملابس فلسطينية

دمى تشبه في حرفية صناعتها “باربي” الشهيرة، لكنها تتميز بطابع فلسطيني بملابسها الفلسطينية التراثية المطرزة بأنامل الشابة إسراء أبوناجي التي قررت ألا تقف في طابور البطالة في انتظار وظيفة قد لا توجد إلا في الأحلام.اختصاصها الجامعي في المحاسبة وموهبتها في صناعة الدمى جعلاها تبعث مشروعا صغيرا لتحقيق دخل يطرد عنها شبح البطالة. تقول الشابة التي تقطن في قطاع غزة “إضافة إلى موهبتي في صنع الكروشيه أحيك الملابس الصوفية للأطفال، ومع انتهاء فصل الشتاء أعود لصناعة الدمى، إلى جانب بعض هدايا الأفراح والفوانيس المضيئة”.

دراستها سمحت لها بإجراء دراسة جدوى للسوق من خلال زيارات ميدانية إلى المحال التجارية التي تبيع الهدايا، لتجد أن متوسط السعر الذي يمكن أن يدفعه الشخص في الدمية الواحدة 30 شيكلا (حوالي 8 دولارات) لذا صممت دمى بتكلفة تناسب الفئات جميعا حتى تمكنت من تثبيت سعر الدمية الواحدة، وهو 40 شيكلا (حوالي 10 دولارات أميركية). وبعد هذه الخطوة بدأت تصنع هدايا الحفلات والميلاد.

وتصنع إسراء الدمى وتترك تفاصيل وملامح الوجه لأختها آلاء ذات الموهبة الناطقة بفن الرسم. وتعود إلى الوراء حيث طفولتها التي اكتشفت فيها مواهبها المتعددة، فوالدتها تصنع الملابس الصوفية بصنارة الكروشيه، والتي أخذت عنها هذه المهارة وأتقنتها وهي طالبة في الصف الرابع الابتدائي، وفي الصف السادس صنعت أول دمية من الكروشيه.

وكانت تقضي وقت فراغها في الإجازة الصيفية في تعلم فن صناعة الدمى من الإنترنت، وكانت في أي مناسبة تصنع دمية وتهديها لصديقاتها أو أقاربها، وهذا ما تعلمته من والدتها التي كانت تقدم للناس هدايا تصنعها بيديها.

ولدعم إبداعهن وتحويله إلى مشروع تجاري تحاول هؤلاء الفلسطينيات دعم صناعة الدمى بأفكار جديدة في الموديلات والبحث عن طرق عصرية في الترويج لبضاعتهن كالاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي أو تفصيل موديلات حسب الطلب، أو توفير ضمانات تشجع على اقتناء العرائس.

رواء حجازي تشعر بالفقد لكل دمية تبيعها لأنها صنعتها بروحها وعاشت معها تفاصيل كثيرة
رواء حجازي تشعر بالفقد لكل دمية تبيعها لأنها صنعتها بروحها وعاشت معها تفاصيل كثيرة  

 

20