فلسطينيات يكافحن لتفعيل قانون الأسرة وحمايتهن من الانتهاكات

مجرد شبهة أو سوء فهم كافيان لارتكاب جريمة شرف في فلسطين.
الجمعة 2019/10/18
حقوق تراوح مكانها رغم المطالب

عززت قضية قتل الفتاة الفلسطينية إسراء غريب، على خلفية ما يسمى بقضايا الشرف، الحاجة الملحة إلى تفعيل قانون الأسرة، للحدّ من العنف ضد النساء في المقام الأول وحماية الضحايا ومساعدتهن.

غزة ـ تكافح ناشطات في منظمات نسوية فلسطينية للضغط من أجل تعديل قانون العقوبات المحلي سعيا لضمان الحماية ووقف ما تسمى بجرائم الشرف في حق النساء.

وتريد المنظمات النسوية من السلطة الفلسطينية تفعيل تطبيق قانون الأسرة بما يضمن التدابير اللازمة لحصول المرأة على الحماية من أعمال القتل والعنف التي يرتكبها أزواجهن وأقاربهن في حقهن، ويضع حدا لحالات التحرش بمختلف أنواعه ضد المرأة في المجتمع.

وسلطت حادثة مقتل فتاة من الضفة الغربية على خلفية ما يسمى بـ”قضايا الشرف” أخيرا، الضوء على القصور في قانون العقوبات الفلسطيني، وفجرت حالة غضب عارمة مطالبة بتحسين وضعية المرأة وتمكينها من نيل حقوقها والتصدي لحالات التعنيف النفسي والجسدي والاقتصادي التي تتعرض لها.

واصطفت الناشطة نجاح عياش مع عشرات من النسوة في رفح جنوب قطاع غزة، ضمن نشاط نسوي نظم في عدة مدن فلسطينية بشكل متزامن يندد بقتل النساء والعنف الممارس ضدهن.

وتقول عياش وهي تشغل منصب مديرة مركز البرامج النسائية في غزة لوكالة الأنباء الألمانية، إن “تعنيف النساء ليس نتاج أحداث فردية جنائية، بل نتيجة منظومات من العنف والفساد البنيوي المتجذر في المجتمع الفلسطيني”.

وتوضح أنها تستقبل في مكتبها عشرات النسوة المعنفات أسبوعيا سواء من قبل أزواجهن أو آبائهن أو حتى أبنائهن لكن شكاواهن تظل حبيسة الأدراج خوفا من القتل أو الانتقام في حال تم كشفها أمام الرأي العام.

وتشير إلى أنه رغم انضمام فلسطين إلى العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وبينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) “ما زالت وضعية المرأة وحقوقها في فلسطين تراوح مكانها بشكل أو بآخر”.

الفلسطينيات خاضعات لشروط خاصة تستدعي تحركا واعيا بسياقهن كنساء يقبعن في ظل مجتمع ممزق

ووجه النائب العام الفلسطيني أكرم الخطيب في 13 أغسطس الماضي تهمة “الضرب المفضي إلى الموت” في حق ثلاثة موقوفين على خلفية مقتل الفتاة إسراء غريب التي فارقت الحياة قبل ذلك بأيام في حادثة أثارت اهتماما بالغا على المستوى العربي.

ونُشرت تسجيلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى تعرض الفتاة إسراء ناصر غريب، البالغة من العمر 21 عاما من بلدة بيت ساحور في قضاء بيت لحم، لحالة تعنيف شديد من قبل أفراد أسرتها، وصور لها تؤكد ذلك.

والفتاة غريب واحدة من ضمن 18 امرأة فلسطينية فقدن حياتهن على خلفية ما تسمى بـ”قضايا الشرف” منذ بداية العام الجاري في الضفة الغربية وقطاع غزة بحسب اتحاد لجان المرأة.

كما وثقت المنظمة غير الحكومية “مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي” ما مجموعه 23 جريمة قتل ضد النساء في الضفة الغربية وغزة في عام 2018.

وأبرزت قضية قتل الفتاة غريب الحاجة إلى قانون شامل يحدّ من العنف الأسري ويمنع وقوعه في المقام الأول، ويحمي الضحايا كذلك ويساعدهن.

وتشير منسقة حملة “طالعات” سهير أسعد إلى أن حادثة مقتل الفتاة غريب فجرت حالة غضب عارم في الشارع الفلسطيني وحتى مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان والشتات.

وتوضح أسعد أن النيابة العامة في رام الله استندت إلى المادة رقم 330 من قانون العقوبات في توجيه الاتهام إلى قتلة إسراء غريب، وبهذا تفترض النيابة أن تعنيف شخص بالضرب جسديا لأيام متتالية، وإخراجه المتعمد من المستشفى، وعدم توفير رعاية صحية كافية له، هو قتل غير متعمد، الذي يعاقب فاعله معاقبة من قَتَل خطأ.

Thumbnail

وتؤكد أن القانون المذكور وغيره ساهم في تسهيل عملية الاعتداءات بمختلف أنواعها من قبل المجتمع الذكوري ضد المرأة.

وعن حملة “طالعات” تقول أسعد “إن الحملة عبارة عن مبادرة لمجموعة من النساء الفلسطينيات ضد قتل النساء والفتيات والعنف الممارس ضدهن في المجتمع المحلي، بما في ذلك أشكال مختلفة من التعنيف الجسدي والنفسي والاقتصادي وغيره”.

وتوضح أن الحملة لاقت استجابة واسعة من الكثير من شرائح المجتمع الفلسطيني وحتى العربي في إسرائيل إذ جرى تنظيم فعاليات متزامنة في رفح ورام الله والقدس ويافا والطيبة وبيروت.

وتؤكد أسعد أن حملة “طالعات” جاءت ضمن إطار وطني نسوي فلسطيني وهو أمر ضروري وملح لكون النساء الفلسطينيات خاضعات لشروط خاصة تستدعي تحركا واعيا بسياقهن كنساء يقبعن تحت واقع استعماري، وفي ظل مجتمع ممزق ومشرذم ينهشه العنف والقمع الذكوري الداخلي. وتضيف الناشطة النسوية أن “قضية أمن وكرامة النساء في فلسطين تتعدى النساء وحدهن، وبأن عليها ألّا تترك الضحية وحدها بل أن تكون أولوية في جوهر الخطاب التوعوي والفعل السياسي التحرري الفلسطيني”.

وتناضل منظمات حقوق المرأة من أجل إصدار قانون شامل للعنف الأسري منذ عام 2007، فيما تراجع السلطة الفلسطينية مشروع قانون لحماية الأسرة منذ عام 2016.

ويطالب حقوقيون بأن يحدد قانون العنف الأسري التزامات السلطات بمنع العنف، وحماية الضحايا، ومحاكمة المعتدين، بما يشمل ذلك تدريب الشرطة على كيفية التعرف على العنف الأسري والتدقيق فيه، وإجراء التحقيقات بشكل مناسب.

ويقول الخبير القانوني عبدالله محمد “إن القانون الفلسطيني لم يكن بمعزل عن المنظومة التشريعية في الدول المحيطة بل حذا المشرع الفلسطيني حذو الكثير من التشريعات التي اتجهت نحو تجريم أي اعتداء يمس كرامة الإنسان وشرفه”.

Thumbnail

ويضيف لكن ظل مفهوم جرائم الشرف واسعا لم يتطرق إليه أحد، حيث نصت القوانين بتجريم الأفعال التي تمس شرف الإنسان دون أن تحدد المعيار الواضح الذي يميز تلك الجرائم عن غيرها.

ويوضح محمد أنه “عند سماع لفظة جريمة شرف يتبادر إلى ذهن المرء للوهلة الأولى أن هناك اعتداء على خصوصيات الإنسان التي تمس جسده وعرضه التي حرّم الدين الإسلامي الاعتداء أو الاطلاع عليهما وأمر باجتناب المس بهما، فيما أن النصوص الصريحة في القانون الفلسطيني نصت على عقوبات رادعة لكل اعتداء يمس بجسد الإنسان أو عرضه”.

ووفق الخبير القانوني الفلسطيني فإن الخلل يكمن في التطبيق وهذا له اعتباراته الخاصة التي يسوقها القائمون على تطبيق القانون، واستنادا للقاعدة الشرعية “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”، والتي تقضي في بعض الأحيان بأن تعطيل النص أولى من إعماله، والغاية من ذلك المحافظة على النسيج الاجتماعي وستر الأعراض.

ويشير إلى أن المجتمع الفلسطيني مجتمع شرقي محافظ تحكمه المبادئ الإسلامية والعادات والتقاليد أكثر ممّا تحكمه النصوص، وهو ما جعل لرجال الإصلاح دورا هاما وبارزا في مثل هذه القضايا، فمتى يتم التوصل إلى حلول بين الفرقاء أو إلى مصالحة، نجد لدى القائمين على أعمال القانون ليونة في التعامل مع هذه الحالات.

21