فلسطينيات يمارسن حرفا رجالية صعبة لتصنيع لعب الأطفال

معمل خياطة لإنتاج لعب الأطفال يعمل على تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في قرية"أم النصر" شمالي قطاع غزة.
الجمعة 2018/12/21
صنعة رجالية بأنامل نسائية

تساعد العديد من المشاريع الصغرى والتي تبعثها جهات مدنية وجمعيات ومنظمات غير ربحية، على تكوين وتدريب النساء على حرف ومهن معينة تفتح لهن الطريق نحو العمل والاستقلالية ونحو المزيد من الاندماج في المجتمع وتطوير الذات، وكثيرا ما تتميز النساء في الأعمال التي يقمن بها بفضل هذه المشاريع لكونها تسد فراغا في حياتهن وتلبي حاجياتهن المادية والمعنوية وتتيح لهن استثمار مواهبهن وجهودهن.

غزة (فلسطين) – ترسم الفلسطينية “أم محمد”، خطوطا ومنحنيات دقيقة على قطعة خشب بحجم الكف، بقلم رصاص، قبل أن تنقلها إلى منشار كهربائي، وتمرر أسنانه الحادة بحذر شديد على الخطوط، لتتحول القطعة إلى هيكل خشبي للعبة جديدة.

وتعمل أم محمد (39 عاما) مع 23 امرأة أخرى في منجر ومعمل خياطة لإنتاج لعب الأطفال تحت إشراف جمعية “زينة” التعاونية (أهلية)، ضمن مشروع ممول من مؤسسات أممية، لتمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في قرية “أم النصر”، شمالي قطاع غزة.

وبعد قص الهيكل الخشبي للعبة تبدأ أم محمد بتصميم هيكل جديد، وتتسلم مساعدة لها الشكل الجاهز لتدخله في مرحلة “الصنفرة” عبر آلة صغيرة تسمى “الدبابة” وذلك لتشابهها الكبير مع المدرعات العسكرية، وتحتوي قاعدتها على عجلات معدنية يربط بينها ورق “صنفرة” خشن.

وبعد اكتمال “الصنفرة”، تنتقل اللعبة إلى مرحلة النقش، فتتسلمها شابة أخرى وتبدأ بحفر تفاصيل الوجه الدقيقة عليها ليظهر في النهاية مجسّم “جمل” صغير، تتضح ملامحه أكثر بعد أن يتم طلاؤه ومن ثم تزيينه بقطع قماش مطرزة باللونين الأحمر والأسود، وتحمل الطابع البدوي وقد صنعتها شابات بمعمل الخياطة.

المنجر الذي تعمل فيه أم محمد، مع 6 شابات، ومعمل الخياطة المرفق به، والذي تعمل فيه 16 شابة أخرى ينتجان يوميا نحو 10 لعب يتم بيعها لمؤسسات ورياض أطفال بقطاع غزة والضفة الغربية، أو لمؤسسات وناشطين من أوروبا وآسيا يزورون الجمعية التي تشرف على المنجر والمعمل.

ويعمل مصنع اللعب 6 أيام أسبوعيا منذ العام 2015، وقد وصل إنتاجه إلى عدد كبير من الدول الأوروبية خاصة سويسرا وإيطاليا، إضافة إلى الولايات المتحدة.

ولعل أكثر ما يبعث على الغرابة في هذا المصنع، عمل النساء في مهنة النجارة التي يحتكرها الرجال نظرا لقسوة ومخاطر العمل بها وما تطلبه من قدرات عضلية.

إلا أن هذه المعايير لا تعني شيئا للعاملات في قسم النجارة، بمصنع اللعب، فقد أحببن عملهن الذي يوفر لهن دخلا ماديا، حتى وإن كان زهيدا، وسمح لهن بتعلم مهارات جديدة والتعرف على أشخاص جدد.

فكرة مميزة لتمكين النساء وإخراجهن من العزلة 
فكرة مميزة لتمكين النساء وإخراجهن من العزلة

تقول أم محمد، إنها تعمل في المنجر منذ سنوات، وقد أتقنت مهنتها بشكل كامل ولم تعد بحاجة إلى مشرف أو مدرب. وتضيف “العمل هنا يعتبر متنفسا بالنسبة لي أكثر مما هو مصدر دخل، فالأجر الذي نحصل عليه زهيد وهو يناهز نحو 80 دولارا شهريا، إضافة إلى أني اكتسبت مهارات كثيرة بالنجارة كان من المستحيل أن أكتسبها من دون هذا المشروع”.

وتتمنى الشابة الفلسطينية أن يتطور المشروع ويتوسع ليحقق للعاملات فيه دخلا أكبر ويستوعب المزيد من النساء في قرية “أم النصر”.

ولا يسمح مصنع اللعب التابع لجمعية “زينة” إلا لنساء وفتيات قرية “أم النصر” بالعمل فيه لأنه أسس خصيصا لتمكين نساء القرية اقتصاديا واجتماعيا، بحسب ما قالت المديرة التنفيذية للجمعية، حنين السماك.

وتعاني قرية “أم النصر”، المعروفة محليا باسم “القرية البدوية”، من أوضاع اقتصادية صعبة، حيث تتفشى البطالة في صفوف سكانها.

إضافة إلى اللعب فإن المنجر ومعمل الخياطة ينتجان، وفق السماك، وسائل تعليمية لرياض الأطفال مثل “العدادات” ومجسمات لحروف اللغة العربية وغيرها من الألعاب التعليمية.

وتقول السماك “تمكنا من إيصال منتجاتنا إلى دول أوروبية وآسيوية وقد افتتحنا معرضا في سويسرا وإيطاليا، والجميع أشاد بجودة الإنتاج، وبالفكرة، خاصة أنها تهدف إلى تمكين النساء وإخراجهن من حالة العزلة المنزلية وتخفيف ضغوط الحياة عنهن”.

وتطمح مديرة جمعية “زينة” إلى توسيع المشروع ليستوعب أعدادا أكبر من النساء وبأن تتمكن الجمعية من افتتاح معارض لمنتجات المصنع في الدول العربية، وبأن يتم تصدير الألعاب إلى دول العالم بشكل واسع.

وتشير إلى أنه يتم إيصال منتجات المصنع النسائي إلى خارج القطاع من خلال زوار الجمعية الأجانب الذين يقتنون كميات قليلة منها، ولا يتم تصديرها بكميات كبيرة.

وتمثل هذه النوعية من المشاريع التي تشرف عليها جمعيات ومنظمات مدنية حلّا للنساء ولربات البيوت العاطلات عن العمل أو العاجزات عن الحصول عن وظائف أو غير الحاصلات على شهائد علمية تسهل عليهن الحصول على مورد رزق، حيث تمكّنهن من فرصة التدرّب وتعلم حرفة أو عمل يوفر لهن دخلا ماديا.

كما تساعد هذه المشاريع النساء والفتيات، إلى جانب توفير دخل مالي، على الخروج من حالة العزلة والعجز عن العمل، فالتدرّب وتعلم حرفة يساهمان في تحسين أوضاعهن المعنوية والنفسية فيتمكنّ من الخروج من إطار البيت إلى نسج علاقات اجتماعية جديدة.

وبالنسبة للسيدات العاملات في هذا المشروع النسائي الذي يعتمد بالأساس على حرفة أو صنعة اختص بها الرجال، فإن مشروع صناعة لعب الأطفال الذي يعملن به لا يعد مجرد مورد رزق لتوفير دخل مادي بقدر ما لديه من أبعاد رمزية وفوائد نفسية تحسن أوضاعهن المعيشية وترفع ثقتهن في أنفسهن ومكانتهن في الأسرة والمجتمع.

وتتخذ النساء اللاتي يعملن في معمل لعب الأطفال من المشروع وسيلة للتعلم والعمل والإنتاج ووسيلة للاندماج الاجتماعي وأيضا طريقة للتعبير عن قدراتهن الفنية والتعريف بإبداعاتهن ليس فقط في محيطهن الاجتماعي الضيق فحسب بل على المستويين الإقليمي والدولي أيضا لكون إنتاجهن يسوّق في العديد من دول العالم ولو بكميات محدودة.

مشروع مفيد لجميع العائلة
مشروع مفيد لجميع أفراد العائلة

 

21