فلسطينية تطوع الحديد بأنامل ناعمة

"ذكورية" مهنة الحدادة وخطورتها، وخشونة الأيادي التي تتعامل مع قضبان الحديد الثقيلة، لم تقف عائقا أمام الفلسطينية رنيم صفدي، لتصبح “معلمة”، في مجال الحدادة في قريتها عوريف الفلسطينية.
الأحد 2016/10/23
أنوثة بين شرر الحديد

نابلس (فلسطين) – على صوت لحام القضبان الحديدية، والشرر المتطاير من حولها، تقف الفلسطينية رنيم صفدي (30 عاما)، تحمل آلة قصّ الحديد، التي تخشى منها بنات جنسها، وتبدأ بقص لوحٍ حديدي كبير.

“منذ أربع سنوات وأنا أعمل داخل هذه الورشة الملاصقة لبيتي”، تقول رنيم في حين كان صغيرها ذو الثلاث سنوات يلهو عند باب الورشة، قبل أن يأتي ليحتضنها ويحظى بقبلة منها.

تلحم رنيم، ذات العينين الخضراوين والأيادي الناعمة التي اتسخت بسواد الحديد، القضبان الحديدية وتشكلها بأناملها، لتخرج في النهاية من ورشتها نافذة أو باب.

واضطرت ظروف الحياة الصعبة رنيم لاقتحام مهنة ذكورية بالأساس، حيث تقول “الحياة أجبرتني على اقتحام هذا المكان، فقد مرض زوجي ووصل إلى مرحلة لم يكن يقوى خلالها على العمل”.

وتضيف “وضعنا المادي لم يسمح لنا بأن نستعين بعامل، يساعد زوجي بورشة الحدادة خلال مرضه، فكنت أقف معه، أساعده وأعطيه ما يحتاجه من الحديد أو الأدوات، ومع الوقت حفظت أسماء أنواع الحديد، وكل شيء يتعلق بالحدادة، وبدأت بالعمل بيدي”.

ولا يقتصر عمل رنيم داخل الورشة، فبائعو الحديد بقرية عوريف (جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية) يعرفونها جيدا، فهي مرافقة لزوجها في جولاته على الباعة لشراء الحديد، وتقول في هذا الخصوص “بعض التجار يمازحون زوجي ويقولون له لا تحضر زوجتك معك المرة القادمة، فهي تأخذ السعر الذي تريده، في إشارة إلى قدرتي على مفاصلتهم جيدا”.

ويقول أمجد عوريفي، زوج رنيم، الذي يعتمد عليها في كل تفاصيل العمل “ظروف مرضي والوضع المادي الصعب، هما من فرضا على زوجتي مساعدتي بالعمل”.

أما بخصوص موقف الناس من عمل زوجته، يقول “رضا الناس غاية لا تدرك، ومن الطبيعي أن تساعد المرأة زوجها، زوجتي تحب عملها أكثر من أيّ عمل آخر قد يراه الناس مناسبا للنساء”.

وتشارك رنيم زوجها في تركيب النوافذ والأبواب التي فصّلتها وطلتها، كما يشاركها أطفالها في هذا العمل، حيث تشير إلى أن أطفالها الثلاثة يرافقونها هي وزوجها خلال عملية التركيب في المنازل.

أما عن الحذر وخطورة العمل الذي تقوم به، تقول رنيم “عملي يتطلب حذرا، تواجهني أحيانا بعض الحوادث البسيطة، لكني حذرة وأعمل بدقة، لقد أصبح هذا العمل عاديّا بالنسبة إليّ”.

وفيما يتعلق بنظرة المجتمع لها ولطبيعة عملها توضح “في البداية كان الأمر غريبا للناس، خاصة أني أعيش في قرية لها عادات وتقاليد معينة، والناس ليسوا معتادين على رؤية فتاة في ورشة حدادة، لكن عندما اضطررت للعمل، ولم يكن هناك من يساعدنا، لم أتردد لحظة، وأنا الآن أحب عملي، ولا أستطيع أن يمرّ يوم دون أن أعمل بالورشة”.

ولا يتوقف إتقان رنيم للمهن الخشنة عند حدود الحدادة فقط، فهي أيضا قادرة على إصلاح السيارات، وتمكنت في أكثر من مرة من إصلاح الماكينات المستخدمة في البناء كخلاطات الإسمنت، حين ساعدت زوجها قبل فترة في تشييد منزلهما، لتتحول من ميكانيكية إلى مختصة في عالم البناء.

24