فلسطينيو جنين يغترفون أشهر أكلاتهم من ألسنة اللهب

الخميس 2015/04/30
ألسنة النيران تلفح سنويا، طيلة شهرين، العاملين في صناعة الفريك

على ربوة متعالية من جبل بلدة عجة الواقعة جنوب مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، يمضي ما يزيد عن 80 عاملا فلسطينيا، أيامهم منتشرين بين ألسنة النيران ودخانها، لصناعة “الفريكة”، إحدى أشهر وأقدم الأكلات الشعبية الفلسطينيّة، وأهمّ الصناعات الغذائية في المنطقة.

يقول فتحي حيدارية (40 عاما) “منذ نحو 20 عاما أعمل في صناعة الفريكة، التي تعد مهنة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا”.

ويوضح حيدارية “أعيل أسرتي المكوّنة من 12 فردا من هذا العمل”، لافتا إلى أنه يعمل في تسويق المنتج بعد عملية التصنيع على مدار العام.

وعن صناعة الفريكة، يضيف حيدارية “منذ ساعات الفجر الأولى نبدأ بنثر سنابل القمح على البيدر، وهو عبارة عن ساحة واسعة يجمع فيها القمح، ونتركه لنحو ساعتين تحت أشعة الشمس، ثم تبدأ عملية الشواء”.

ويستخدم في شواء القمح غير الناضج، النيران المنبعثة من ألسنة خراطيم موصلة بعبوات غاز، تقلب خلالها “سنابل القمح” لتصبح مشوية.

بينما يسلط حيدارية النيران تجاه القمح، يعمل الشاب عبدالكريم خليفة (18 عاما)، بتقليب القمح بواسطة أدوات خاصة.

يقول خليفة “أعمل منذ نحو عامين بالفريكة، التي تعد فرصة لكسب الرزق في مثل هذا العام من كلّ سنة”، مضيفا “أنا طالب بالثانوية العامة، أعمل بهذا الموسم عدة أيام، وأعشق هذه المهنة”.

وعادة ما يستمر موسم الفريكة نحو 40 يوما من كل عام بين قطف وشواء (في فترة تمتد خلال شهري أبريل ومايو)، بينما يأخذ أوقاتا أخرى في عمليات التجفيف والتنقية والتغليف حتى يصبح بين أيادي المستهلكين.

ويأمل مصنّعو الفريكة هذا العام تطوّرا كبيرا في المحاصيل، نتيجة هطول كميات كبرى من الأمطار خلال الشتاء الماضي.

وبينما يعمل العمّال المقسّمون فرقا، على شواء القمح، يقوم آخرون بجمعه بعد عملية الشواء، ومن ثمّ نقله عبر عربات يدوية قبل عملية القيام بعملية فرز آلية، تصفّي الحبوب ممّا يعلق بها من شوائب، وتعبئتها في أكياس خاصة، ونقلها آخر الأمر إلى مصانع خاصة للتنقية والتغليف، في حين أنّ جزءا من المنتج يسوّق يوميا، حيث يؤكل طريا مشويا، دون إعادة طهيه. ولا يمكن لزائر البيدر أن يتعّرف على شخصيات العاملين فيه، بعدما اختفت معالم وجوههم وكفوفهم واكتست بلون “الشحبار الأسود”، وهو الرماد الناتج عن احتراق الفريكة.

يقول رائد زغلول، (42 عاما)، بينما يواصل عملية فرز الحبوب عن الشوائب “المثل يقول: خبّي (اختزن) قرشك الأبيض ليومك الأسود، أمّا هنا فالعكس صحيح: خبّي قرشك الأسود ليومك الأبيض”، في إشارة إلى الحالة التي يبدو فيها العمّال نتيجة العمل المتواصل وسط ألسنة النيران.

غالبية العمال، هم إمّا موظفون حكوميون أو طلبة جامعات وخرّيجون يعملون لأسابيع بموسم تصنيع الفريكة لكسب دخل إضافيّ موسميّا

ويضيف زغلول “من هذا العمل سنحجّ إلى بيت الله الحرام، ونربي أبناءنا ونطعمهم، ونكسوهم”. يذكر أنّ غالبية العمال، هم إمّا موظفون حكوميون أو طلبة جامعات وخرّيجون يعملون لأسابيع بموسم تصنيع الفريكة لكسب دخل إضافيّ موسميّا.

ويعمل زغلول، منذ 30 عاما، في صناعة الفريكة، حيث يقول “كان عمري 12 عاما عندما بدأت بمساعدة والدي بهذه المهنة، وما زلت أمارسها حتى يومنا”.

كما يشتغل زغلول عاملا في البناء، وفي موسم الفريكة يترك عمله ليلتحق بعشرات العمّال الذين يصنعون الفريكة. ورغم ما يعانيه العمّال من مشقة ساعات طويلة من العمل والتلوّث، فإنّهم يرون متعة خاصة في هذه المهنة،تظهر بسماتهم رغم سواد وجوهم، وهو ما يبدو من خلال تبادلهم للنكات تارة، وترديد الأغاني الشعبية الفلسطينية تارة أخرى طيلة وقت العمل.

إيهاب شحادة (35 عاما)، يعمل منذ نحو 20 عاما في صناعة الفريكة، يقول “الفريكة أكلة متوارثة كما صناعتها، توجد في كل بيت فلسطيني، وبالمطاعم والفنادق”. ويتابع “نسوّق منتجاتنا في الأسواق الفلسطينية، وغالبية الإنتاج توجّه إلى مصنع خاص لتعبئة الفريكة، ومن ثمّ بيعها مغلفة بـعد تنشيفها وتنقيتها من الشوائـب”.

ويقطف الصانعون سنابل قمحهم، غير الناضج، من سهل جنين الذي يعدّ امتدادا لمرج بن عامر، وهو أكبر السهول التاريخية في فلسطين. وحسب شحادة، فإنّ الفلسطينيين كانوا يستخدمون طرقا بدائية في حرق القمح وشوائه، بواسطة الأعشاب والحطب، في حين يستخدمون اليوم غاز الطهي.

يذكر أنّ الفريكة، التي يتمّ إعدادها من سنابل القمح غير الناضجة، تستخدم طعاما يقدّم مع حساء، وتعدّ وجبة رئيسية على مائدة الإفطار خلال شهر رمضان.

والمعلوم أنّ الفريكة، بصرف النظر عن تغيّر التسميات، فإنّها تنتج أساسا في كلّ من فلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر وتركيا، ولا يوجد لدى وزارة الزراعة الفلسطينية أي إحصائيات بشأن كمية الإنتاج السنوية.

20