فلسطينيو لبنان يدفعون ثمن طائفية اللبنانيين

خلف الوجود الفلسطيني بلبنان انقساما لدى الساسة اللبنانيين على اختلاف طوائفهم، ورغم اختلاف المقاربات السياسية في تناول الملف الفلسطيني إلا أن الإجماع على منع التوطين جعل الفرقاء اللبنانيين يتبارون في إهمال الشـأن الفلسطيني، ما أدّى إلى فشلهم في إدارة الملف الإنساني، حيث تحوّل عيش الفلسطينيين بلبنان إلى مأزق.
الاثنين 2017/07/17
الطائفية تحرم الفلسطينيين من الحق في الحياة

بيروت - لم يعد خبرا استثنائيا أن تقوم القيادات الأمنية الفلسطينية بتسليم مطلوبين في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا في جنوب لبنان إلى السلطات الأمنية اللبنانية. فالتنسيق الأمني بين الفلسطينيين في لبنان والحكومة اللبنانية بات مثاليا باعتراف سلطات بيروت وبإعلان رسمي لبناني يتكرر على لسان مدير عام الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم.

والمسألة لا تعد إنجازا لبنانيا هدفه، من خلال مقاربة حاذقة، تطويق أي أخطار أمنية قد تتسرّب من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بل بات الأمر يمثل استراتيجية سياسية وأمنية فلسطينية تعبّر عنها قيادات “الساحة اللبنانية”، حسبما يصف الفلسطينيون تواجدهم في لبنان، وما عبّرت عنه القيادة الفلسطينية المركزية في شخص الرئيس محمود عباس أثناء زياراته المتعددة للعاصمة اللبنانية.

مقاربة الوجود الفلسطيني

يمثل الفلسطينيون مساحة واسعة في تاريخ لبنان الحديث. انقسم اللبنانيون حول الكيفية التي يجب من خلالها مقاربة الوجود الفلسطيني، فمنهم من اعتبرهم ضحية احتلال يمارسه عدو مشترك وجبت رعايتهم والتضامن مع قضيتهم، ومنهم من اعتبرهم غرباء يهددون أمن لبنان واستقراره وديمومة فكرته وفرادته.

ولم يكن الأمر تباينا شكليا في وجهات النظر، بل حربا أهلية تقاتل داخلها اللبنانيون وهم يزعمون أن الحرب تدور بسبب أو دفاعا عن الفلسطينيين.

وحين وقّع اللبنانيون اتفاق الطائف عام 1989، وأنهوا الحرب الأهلية بأسباب وقوانين وتسويات ومقاربات لبنانية، أقروا في الوقت عينه بلا فلسطينية حربهم التي دامت 15 عاما.

استخدم الفلسطينيون لبنان منصة لافتة للإطلالة على العالم للدفاع عن قضيتهم. رددوا دائما أن لبنان ممرا وليس مقرا، لكن واحدا من قياداتهم الكبرى (صلاح خلف/ أبو إياد) اقترف تصريحه الشهير أن “طريق فلسطين تمر من جونية”، ليؤكد حجة اليمين المسيحي اللبناني آنذاك في أن حربه ضد القوات الفلسطينية شرعية شأنها في ذلك شأن أي شعوب تود التخلص من عدوان واحتلال.

كل ما يوده الفلسطينيون هو معاملتهم معاملة إنسانية، تعترف بهم مجتمعا يسعى للعلم والعمل والعيش المسالم

بيد أن استمرار تلك الحرب بعد انسحاب قوات منظمة التحرير عام 1982، وبإيقاعات أكثر دموية بين المسيحين تارة وبين المسلمين تارة ثانية وبين المسيحيين والمسلمين تارة ثالثة، ثبّت بالدليل لبنانية تلك الحرب، كما ثبت أيضا بأن الفلسطينيين، ورغم مسؤولية أداء قيادة منظمة التحرير وتجاوزات فصائلها، كانوا عذرا استخدمه أهل البلد لتصفية حسابات قديمة بين تياراته ومشاربه.

انتهت الحرب اللبنانية وانتقل اللبنانيون إلى أطوار أخرى وأضحى السلاح الفلسطيني في لبنان هامشيا بالمقارنة مع سلاح حزب الله في عدده ونوعيته وتجذره والجدل حوله.

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية ولم تنته بين اللبنانيين إشكالية الوجود الفلسطيني، والذي يمثل صورة من صور فشل الدولة اللبنانية في إدارة ملفات كثيرة من بينها الملف الإنساني الذي يرتبط بيوميات عيش كتلة ديموغرافية عاشت ونمت وترعرعت منذ نكبة عام 1948.

وفيما قاربت الحكومة اللبنانية علاقتها بالمخيمات الفلسطينية، ومنذ اليوم الأول، مقاربة أمنية، فإن الأمر لم يختلف بعد 70 عاما، ومازالت بيروت تتعامل مع هذا الوجود تعاملا أمنيا وتتباهى بدرجة التنسيق والتعاون الكبرى والحاصلة حاليا مع مخيمات الفلسطينيين.

في الشكل هناك سمعة معممة تصور المخيمات بصفتها أوكارا غامضة تأوي الأخطار سواء كانت إرهابية أو إجرامية، وفي المضمون فإن تلك الكتلة الديموغرافية تمثل وزنا مذهبيا يخيف المسيحيين حينا بحكم أن الجل الأعظم من الفلسطينيين هم من المسلمين، وباتت هذه الأيام تسبب توجسا شيعيا مضمرا بحكم أن الجل الأعظم هم من السنة.

وداخل حلقة الخوف والتوجس يعيش الفلسطينيون مأساتهم اللبنانية غارقين في همّ البقاء اليومي من جهة وهم منهمكون في طمأنة الفسيفساء اللبنانية بأنهم لن يكونوا عددا يقوّض توازن الطوائف ولن يكونوا قوة لرفد هذا الفريق أو ذاك في البلد.

وللحق فإن الفلسطينيين الذين، بالقصد أو دفعوا لذلك، استغرقوا في الانحياز لأطراف لبنانية ضد أطراف أخرى منذ ما قبل الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، نجحوا منذ عام 1982 (أي منذ انسحاب قوات منظمة التحرير) ورغم ضراوة الاستحقاقات التي مر بها البلد، في أن يحافظوا على حياد تام وتجنيب المخيمات أي تورط في الصراعات اللبنانية الداخلية وما أكثرها.

تمسك الفلسطينيون بذلك الحياد ودافعوا عنه رغم محاولة بعض اللبنانيين استدراجهم والاستقواء بحضورهم العسكري في لعبة التوازنات الداخلية. حتى أن الرئيس محمود عباس ذهب إلى حد التلميح بمقاربة لتسليم السلاح الفلسطيني إلى الدولة اللبنانية، على الرغم من تجارب سابقة عكست عجز الدولة اللبنانية عن حماية الفلسطينيين ومخيماتهم. فكل ما يوده الفلسطينيون هذه الأيام هو معاملتهم معاملة إنسانية تعترف بهم مجتمعا يسعى للعلم والعمل والعيش السليم والمسالم في البلد، على منوال ما يعيشه اللاجئ الفلسطيني في دول عربية أخرى حتى لا نقول دولا غربية أخرى.

القضية الفلسطينية تضيع بين انشقاقات الداخل ومصالح الخارج

هاجس التوطين

حوّل هاجس منع التوطين عند اللبنانيين عيش الفلسطينيين إلى مأزق يمتد لعقود لا تقبله شرعية حقوق الإنسان في العالم. ثبتّ اللبنانيون في اتفاق الطائف الذي أنهى احترابهم مسألة منع التوطين مادة مستقلة داخل دستورهم. وتعامل اللبنانيون مع الفلسطينيين تعاملا يعكس ركاكة النظام الاجتماعي والسياسي اللبناني نفسه.

فمن أجل منع الفلسطينيين من استيطان لبنان مُنعت عليهم مزاولة العمل في الكثير من المهام ومنعوا من التملك وحتى ترميم منازلهم في بعض الأحيان، وحوّلوا إلى كتلة تخضع لمزاجيات مساعدات المنظمات الدولية، بحيث يجري استنزاف وجودهم عبر تسهيل هجرتهم نحو خارج حدود لبنان.

جعل النظام السياسي اللبناني الفلسطينيين كتلة يائسة لا تجد عملا ولا تستشرف مستقبلا في لبنان، وبالتالي طوّر النظام اللبناني الوجود الفلسطيني إلى مساحات تتعرض بسهولة لاختراقات الإرهاب وما شابهه من نظم عيش على هامش ما هو قانوني. ومع ذلك فإن نسبة الفلسطينيين في لبنان المتورطين في أعمال إرهابية أو إجرامية تبقى قليلة على الرغم من الظروف التي يعيشها فلسطينيو لبنان.

وفيما كانت المسألة الفلسطينية حاضرة في العقود السابقة لنهاية الحرب الأهلية، فإن كل التيارات اللبنانية متواطئة في عدم الخوض في هذه “المسألة” مخافة أن يسبب ذلك جدلا لا يقوى اللبنانيون على تحمله.

يتساءل الفلسطينيون عن الحكمة من عدم حلّ مسألة الوجود الفلسطيني الذي يقدر حجمه بأقل من 400 ألف نسمة، فيما تقول بعض الإحصاءات إنه أقل من ذلك بكثير (أرقام تقول إنه لا يتجاوز 270 ألف نسمة).

باتت القوانين اللبنانية تسمح بعمل الفلسطينيين المولودين في لبنان في مهن معينة دون مهن أخرى، بيد أن تنفيذ تلك القوانين مازال يخضع لمزاج الوزراء ولعقدهم التاريخية من هذا الوجود.

تتحدث بعض المرجعيات الفلسطينية عن أنها باتت تعالج قضايا الفلسطينيين بالمفرق وليس بالجملة، حتى أن بعض المعالجات تأخذ طابعا فرديا غير علني لتجنب أي استفزاز واستدراج لغرائز بعض المدارس السياسية في لبنان.

وتكشف بعض المصادر الفلسطينية عن تغيّر لافت طرأ على المزاج اللبناني السياسي من مسألة الوجود الفلسطيني، دون أن يرقى ذلك إلى سلوك جماعي مُمأسس.

يتحدث بعضهم عن موافقة حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، أي الأداة العسكرية الأكثر شراسة ضد الفلسطينيين إبان الحرب الأهلية، على منح الفلسطينيين المولودين في لبنان كافة حقوقهم الاجتماعية والإنسانية.

يروي أحد المصادر أن وزير العمل الأسبق الكتائبي سجعان قزي كان يوقّع على كافة إجازات العمل الخاصة بالفلسطينيين على نحو يعكس تحوّلا في موقف حزب الكتائب اللبنانية، بيد أن الأمر اختلف مع سليم جريصاتي القريب من الرئيس ميشال عون حين عين عام 2012 وزيرا للعمل والذي أوقف تجديد الإجازات قبل أن تؤدي مداولات جديدة فلسطينية لبنانية إلى تبديل رأيه والإفراج عن هذه الرخص.

بكلمة أخرى فإن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة لبنانية ترتبط بتعقّد المشهد الحاكم وتنوعه وتعدد عقائده. وتروي بعض المصادر أن العلاقة مع وزراء تيار المستقبل، الذي من المفترض أنه يمثّل الوجه السني الأكبر في البلد، تحتاج إلى نفس الجهد والتداول، ذلك أن كل الفرقاء يتبارون في إهمال الشأن الفلسطيني صونا لمسألة منع التوطين وتجنبا لأي شبهة في الترويج له.

رؤية لبنانية لقضايا اللجوء

تعرض المراجع الفلسطينية إحصاءات حول كتلة العمل الفلسطيني في البلد، بحيث أن عدد المهندسين أو الأطباء الممنوعين من ممارسة مهنتهم في البلد لا يتجاوز بضع مئات لن تثقل سوق العمل اللبناني، وأن العاملين في مهن أخرى لن يكون عددهم زائدا في سوق عمل باستطاعتها استيعابهم، والدليل على ذلك أن أرباب العمل اللبنانيين يستعينون بالعمالة الفلسطينية إما دون عقود في السوق السوداء، وإما من خلال عقود صورية مؤقتة، بحيث يجري تسريحهم وإعادة استدعائهم لتجنب الالتزام القانوني بأي حقوق لهم.

الفرقاء اللبنانيين يتبارون في إهمال الشأن الفلسطيني، صونا لمسألة منع التوطين وتجنبا لأي شبهة في الترويج له

يروي أحد المعلمين الفلسطينيين وهو من كبار العاملين في القطاع التربوي لوكالة الأنروا التابعة للأمم المتحدة، أن لبنان مهجوس بمسألة التوطين، فيما أن الهم المعيشي لفلسطينيي لبنان أنساهم العمل من أجل العودة إلى فلسطين، وأن تطور التشريعات والعقلية اللبنانية لصالح إدماج الفلسطينيين في سوق العمل سيمنح الفلسطينيين متنفسا للتفكير في مستقبلهم ومصيرهم خارج لبنان.

تتطور مسألة علاقة لبنان بفلسطينييه بوتيرة متقدمة رغم بطء إيقاعاته. والجديد هذه الأيام أن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني تطلق، الخميس القادم، “رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان”.

وكانت “مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”، التي تضم ممثلين عن مختلف الكتل النيابية في مجلس النواب اللبناني، قد أنهت صياغة وثيقة سياسية، بالتنسيق والتعاون مع لجنة الحوار، حول القضايا التي تتعلق باللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وقد استغرق إعداد “الرؤية اللبنانية الموحدة”، قرابة الثلاث سنوات.

ووجهت لجنة الحوار الدعوات إلى المشاركة في إطلاق الوثيقة في السراي الكبير، عند الساعة الحادية عشرة من صباح الخميس القادم، برعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني، سعد الحريري. وتلقت القوى والفصائل الفلسطينية دعوات إلى المشاركة في حضور إطلاق الوثيقة.

ومن المفترض أن تعبر الوثيقة عن رؤية لبنانية موحدة إزاء القضايا المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين في لبنان. على ضوء ذلك هناك من يرى نورا في آخر ذلك النفق، وهناك بالمقابل من يتخوف من أن تكون تلك الوثيقة نظرية تمييعية لا تحمل ماء كثيرا إلى طاحونة الفلسطينيين.

ومع ذلك فإن القيادات الفلسطينية، وعلى الرغم من الضغوط التي تتعرض لها من القاعدة الاجتماعية الفلسطينية، إلا أنها تعبر عن تفهم لظروف لبنان وحساسية تركيبته الداخلية والجيو- استراتيجية، كما تتفهم الضغوط الاستثنائية التي يسببها اللجوء السوري، الذي تتحدث أرقامه عن حجم يصل إلى ما بين 1.5 و2 مليون لاجئ، على لبنان بلدا وحكومة وشعبا.

6