فلسطين.. إحياء وهم "حل الدولتين"

السبت 2014/02/15

عملت إسرائيل بجهود حثيثة ومتسارعة، منذ اتفاق أوسلو، على تقويض أية امكانية لنشوء “دولة فلسطينية” على أساس حل الدولتين. وهو الحل الذي بات يعبّر عن انحسار هدف المشروع الوطني الفلسطيني، من النضال من أجل “كل فلسطين”، ليقتصر على هدف “واقعي” يتمثل بإقامة دولة مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967، مع ضمان أن تكون عاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم ومدنهم داخل فلسطين 48، أي إلى دولة إسرائيل.

يتواجد اليوم أكثر من نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية التي من المفترض أن تكون أساس الدولة الفلسطينية الموعودة. حيث تتآكل أراضيها لصالح الاستيطان، ويشعر الفلسطينيون بشكل متزايد بأن صراعهم مع الدولة الصهيونية هو صراع وجود، حتى بات مشروع الدولة الفلسطينية يتبدى لهم كأحد أكبر الأوهام التي انساقت ورائها القيادة الفلسطينية، مدفوعة بتعقيدات الظرف العربي والدولي من جهة، وبمصالحها وتحليلاتها الخاطئة من جهة أخرى.

الغريب، هو أن هذا “الوهم” لم يقدّر له أن يندثر حتى اليوم، رغم كونه قد لفظ أنفاسه الأخيرة مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية العام 2001. إذ عاد السيد جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة في شهر تموز من العام 2013 لإحيائه، وعادت الروح لتدب في مشروع “حل الدولتين” من جديد.قدم كيري خطته التي تتلاعب بالكلمات، وبالحدود وبالسكان. كان ذلك في “اتفاق الإطار” الهادف إلى دعم محادثات السلام.

وكانت المأساة الحقيقية هي انسياق القيادة الفلسطينية وراء تلك الخطة البائسة، فيما وضعت الدولة الصهيونية على الخطة “تحفظات” كفيلة بقتل أي أمل في تنفيذها. فهي وعلى الصعيد البنيوي، نابذة للحل، وغير مستعدة حتى لقبول حل بائس، شديد الإجحاف بحقوق الفلسطينيين. ويا له من زمن عجيب، هذا الذي انقلبت فيه الأدوار، وباتت الدولة الصهيونية “تناضل” من أجل “كل فلسطين”، فيما لا خيارات أمام القيادة الفلسطينية، أو أنها بالأحرى لم تدع لنفسها أي خيار، سوى الإذعان، والتمسك بالوهم وقد انبعث من جديد.

يتطلب حل الدولتين أول الأمر، اقتلاع أكثر من نصف مليون مستوطن يحتلون أراضي الضفة الغربية. لكن إسرائيل تواصل مشروعاتها الاستيطانية بصلافة استثنائية، حتى أنها أقرّت مؤخرا مشروعاً استيطانياً جديداً في قلب حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة.

وفيما تشكل مدينة القدس إحدى أعقد المسائل المتنازع عليها في أي اتفاق سلام، لا يبدو أن إسرائيل ستتنازل عن أي جزءٍ منها. ففي هذا السياق وافقت أيضاً على خطة لبناء مدرسة دينية يهودية في البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة، وذلك على مساحة من الأراضي تبلغ 4.2 دونم، كجزء من سياسة حثيثة لتهويد القدس، وخنقها بالمستوطنات، والأحابيل المقدسة.

إذا كانت إسرائيل، ومع كل الضغوط المزعومة أميركيا وأوروبيا، ترفض إخلاء المستوطنين والتخلي عن القدس، بل تعمل على نشر الاستيطان واحتلال كل الأرض، أين يمكن أن تقام الدولة إذن؟.

هذا ولم نتطرق بعد إلى مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين ترفض إسرائيل عودتهم إلى بيوتهم في فلسطين 48، ويحظى ذلك بموافقة أميركية برزت بوضوح في رسالة جورج بوش الشهيرة لرئيس وزراء إسرائيل حينها آرييل شارون العام 2004، إذ أظهرت الرسالة أن حق العودة يمكن أن يكون إلى الدولة الفلسطينية.

وأخيرا، تصر إسرائيل على اعتراف عربي بها كـ”دولة يهودية”، ولا يمكن لأي اتفاق أن يعقد من دون هذا الاعتراف الذي يؤمّن لها الشرعية المفقودة من محيطها العربي، ومن الفلسطينيين، ضحايا أكبر مشروع كولونيالي فاشي في التاريخ المعاصر.

يبدو مطلوباً، وبصورة ملحة، من الفلسطينيين اليوم، مناقشة بديل لانسياقهم وتسليمهم التام بمسار “حل الدولتين”. في أذهان الفصائل الفلسطينية لا يبدو أن ثمة مسار آخر، وفي بعض الأحيان يكشف خطابهم عن تعويل على “إنهاء الانقسام” بين حركتي فتح وحماس باعتباره حل سحري ومخرج من أزمة المشروع الوطني الفلسطيني المستعصية.

الحقيقة أن المطلوب منهم كحركة تحرر وطني تريد إنهاء الاحتلال، الانكباب على بحث عميق لطبيعة الاحتلال الصهيوني، وللظرف العربي والدولي الراهن والمتغيّر. وبالتالي طرح رؤية جديدة للحل الفلسطيني ولأساليب مقاومة المشروع الصهيوني.

فليس إنهاء الانقسام هو ما يؤسس لسياسة فلسطينية جديدة وضرورية، بل ربما إنما إنهاء السلطة التي شكلت مادة هذا الانقسام، كخيار جريء يجب أن يوضع على طاولة البحث. وبالأساس إنهاء الأرضية السياسية التي بنيت عليها السلطة، حيث اعتمدت الرؤية السياسية “الواقعية” لمنظمة التحرير، التي تراهن على دعم دولي للوصول إلى تسوية مع الدولة الصهيونية. حيث بات من الواضح اليوم أن التسوية الموعودة، إنما كانت مجرد وهم، أتاحت للدولة الصهيونية استكمال مخططاتها بالسيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين منها.

ليس المهم هو تغيير شكل السلطة عبر توحيدها لتؤدي نفس الدور، المهم تغيير الدور الذي تلعبه السلطة تحت الاحتلال.

وهنا نطرح سؤالا جوهريا، هل يمكن أن تلعب السلطة الفلسطينية دوراً يختلف عن دورها الحالي الذي يصب بشكل مباشر أو غير مباشر في خدمة الاحتلال؟ وهي السلطة الناشئة على أرضية اتفاق أوسلو، وكل القيود التي فرضها هذا الاتفاق على الشعب الفلسطيني وقيادته. وهي السلطة الممولة من ما يسمى بـ”المجتمع الدولي” الداعم للاحتلال، بل ومن قبل الاحتلال نفسه (يبلغ حجم الضرائب التي تقوم إسرائيل بجبايتها من الفلسطينيين لمصلحة السلطة الفلسطينية نحو 1.5 مليار دولار سنويا، وهو ما يعادل حوالي 65 بالمئة من ميزانية رواتب ونفقات موظفي السلطة ومشاريعها في الضفة الغربية).

هل يمكن لسلطة بهذه المواصفات أن تلعب دوراً مناهضاً للاحتلال؟، وذلك بمعزل عن كونها سلطة موحدة أو غير موحدة، سلطة حماس أو سلطة فتح. نحن هنا نتحدث عن بنية السلطة، من حيث هي بنية تحصر نفسها في خيار التسوية، وتغلق الباب على كل أشكال المقاومة، حتى الشعبية منها بسبب الاتفاقيات الأمنية التي تثقل كاهلها وكاهل الشعب الفلسطيني. لن يوصل التفاعل مع خطة جون كيري القيادة الفلسطينية إلا إلى الطريق المسدود ذاته، وما عليها إلا أن تتحضر لفشل الخطة.


كاتب فلسطيني- سوري

8