فلسطين التاريخية في صراع وجود يهدده قانون برافر

الخميس 2013/12/05
مخطط برافر.. عقلية إسرائيلية احتلالية تستهدف الهوية العربية

لندن- قانون برافر يمهد لمصادرة 700 ألف دونم من أراضي النقب (أي نصف الأراضي التي تبقت لهم بعد المصادرات التي تمت عام النكبة) وتهجير ما بين 40 و75 ألفا من 39 قرية ترفض إسرائيل الاعتراف بها.

تسعى حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة، إلى محو الوجود الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948 والذي أصبح في مفهوم دولة الاحتلال مجرد "أقلية عربية".

"برافر لن يمر" شعار رفعته الجماهير الفلسطينية في المناطق المحتلة الواقعة داخل الخط الأخضر، رافضة التهديدات الإسرائيلية بتهجير سكّان بلدة النقب الواقعة في الجنوب الفلسطيني المحتل.

سياسة إسرائيلية جديدة وبطريقة مختلفة طرحتها الحكومة الإسرائيلية لمواصلة تهجير الفلسطينيين الذين أصبحوا يعرفون "بعرب 1948" نسبة إلى الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها في تلك السنة، لتشبه سنوات النكبة التي مروا بها بعد أن هجروا قسرا من أراضيهم.


فلسطين 1948


لطالما شكل الوجود الفلسطيني عقبة أمام تنفيذ السياسات التوسعية للحكومات الإسرائيلية منذ عام 1948، على حساب مصادرة الأراضي الفلسطينية من أصحابها، فانتهجت حيالها إستراتيجية استهدفت الاستمرار في الإرهاب والتمييز العنصري لإجبار الفلسطينيين على الرحيل وإفراغ الأرض من أهلها الشرعيين، وبعد تنفيذ مخطط سايكس بيكو، الذي انتهى بجلاء القوات البريطانية عن فلسطين، أعلن عن قيام دولة الاحتلال، فوق أجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطاني على فلسطين، وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي، وبدأت العصابات الصهيونية، بارتكاب العديد من المجازر، كمجزرة اللد والرملة وكفر قاسم والتي راح ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين، لدفع الباقين إلى مغادرة أراضيهم قسرا.

• 700 ألف دونم من الأراضي مهددة بالمصادرة

• 99 في المئة من أراضي النقب مكرسة لمشاريع صهيونية استيطانية

• 40 ألف شخص مهددون بالتهجير

• 30 بالمئة النسبة التي يشكلها العرب في مدينة النقب

• 1 بالمئة من أراضي النقب سيتم وضع السكان فيها بعد تنفيذ المخطط

ولقد اتبعت السلطات الإسرائيلية سياسات استهدفت قطع اتصال الأقلية العربية مع محيطها العربي، كما عملت جاهدة على طمس الهوية العربية، فحاولت جعل الدروز والشركس قوميات منفصلة، وفرضت عليهم الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1958، كما حاولت استصدار قانون يفرض على العرب أن يقسموا على الولاء للكيان الصهيوني، إضافة إلى مشروع قانون آخر يفرض عليهم الخدمة مع جيش الاحتلال، وعلى العكس من ذلك شكلت هذه الممارسات الاستفزازية لمشاعر الفلسطينيين حافزا لهم للتشبث أكثر بموطنهم.

في عام 1967، ومواصلة لسياستها التوسعية قامت السلطات الإسرائيلية بمصادرة آلاف الدّونمات من الأراضي ذات الملكيّة الخاصّة في مناطق ذات أغلبيّة سكانيّة فلسطينيّة، وخاصّة في منطقة الجليل، بهدف تهويدها، وعلى إثر هذا المخطّط قرّرت الجماهير العربيّة بالدّاخل الفلسطينيّ إعلان الإضراب الشّامل، متحدّية، ولأوّل مرّة بعد احتلال فلسطين عام 1948، السّلطات الإسرائيليّة، وكان الرّدّ الإسرائيليّ العسكريّ شديدا، إذ دخلت قوّات معزّزة من الجيش الإسرائيلي مدعومة بالدّبّابات إلى القرى الفلسطينيّة موقعة شهداء وجرحى بين صفوف المدنيّين العزل.

تعمدت إسرائيل تدمير البيوت التي هجرت مؤقتا أثناء حرب 1948، في القرى أساسا، لمنع عودة الفلسطينيين المهجرين في الداخل، كما هو الأمر بالنسبة إلى الفلسطينيين المهجرين داخليا في إسرائيل، بعد أن تعرضوا لسلب أراضيهم و ممتلكاتهم في أعقاب حرب 1967 مباشرة، بمصادرة حوالي 400 كيلومتر مربع من الأرض من الفلسطينيين المهجرين في الداخل واللاجئين.


مخطط برافر


استمرت إسرائيل في محاولاتها لتهويد الأراضي الفلسطينية إلى أن أعلنت عن قرب تنفيذ مخطط برافر الذي يستهدف هذه المرة تهويد منطقة النقب بعد إجلاء سكانها عنها بحجة عدم وجود تصاريح للبنايات العربية فيها.

ويشكل مخطط برافر، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 24 من شهر يونيو الماضي، بناء على توصية من وزير التخطيط الإسرائيلي السابق إيهود برافر عام 2011 لمصادرة مزيد من الأراضي الفلسطينية في النقب، أخطر المخططات على القضية الفلسطينية.

مدينة النقب: صراع من أجل البقاء

هي منطقة صحراوية تقع في الجنوب، وهي أوسع منطقة في أرض فلسطين التاريخية، وتمتد من مدينة بئر السبع وقرية الفالوجة، حتى مدينة إيلات على الجانب الغربي من خليج العقبة.

و تبلغ مساحتها ما يقارب 13 مليون دونم.

يقطن في النقب "البدو العرب"، الذين أجبر مئة ألف منهم على الرحيل، بعد الإعلان عن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وتحول أغلبهم إلى لاجئين في الأردن وشبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، ومناطق الضفة الغربية خصوصاً منطقة الخليل.

فيما حطت أعداد منهم في التجمعات البدوية على امتداد الصحاري الشرقية للضفة الغربية حيث ما زالت العشائر البدوية من بئر السبع جنوب فلسطين تعيش هناك.

وتواجه المدينة حاليا خطر تهويدها بعد الإعلان عن مخطط برافر من جانب الحكومة الإسرائيلية وسط معارضة شديدة من الفلسطينيين داخل الأراضي العربية المحتلة عام 1948.

ويوصي المشروع بنقل سكان 22 من أصل 39 قرية عربية غير معترف بها في النقب داخل مناطق التخطيط اليهودي، والمقدر عددهم بنحو 40 ألف شخص يشكلون قرابة 40 بالمئة من العرب البدو، ويضع القانون اللمسات الأخيرة لمصادرة ما تبقى من الأراضي العربية في النقب، كما يضفي شرعية القانون الإسرائيلي على تهجير العرب دون إذن قضائي ويحرمهم من حق الطعن فيه.

ويقضي مشروع هذا القانون بمصادرة نحو 700 ألف دونم، بما يعني أن يتم حصر العرب الذين يشكلون 30% من سكان النقب في 1 بالمئة فقط من أراضي هذه المنطقة، ويهدف المشروع إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم في النقب التي تشكل نحو ثلثي مساحة فلسطين التاريخية.

انتهجت السطات الإسرائيلية في النقب، ومنذ عام 1948 كل الوسائل وطرق التهجير القسري لتحصر من بقي في أرضه من سكان النقب بعد النكبة، في أصغر مساحة من الأرض تمهيداً للاستيلاء على معظم أراضيه. وعليه فقد دفعت إسرائيل بمن تبقى بعد النكبة من فلسطينيين إلى مناطق ذات مساحات صغيرة جدا، لا تتجاوز 1 بالمئة من مساحة النقب كاملة، وذلك لتفريغ أراضيهم منهم أو "تنظيفها" كما تسمي ذلك إسرائيل.

سُميت هذه المناطق "السياج" وفُرض على كل من كان فيها الحكم العسكري من عام 1952 وحتى عام 1968، وهو العام الذي بدأت فيه السلطات الإسرائيلية ما يسمى بـ "بلديات التركيز"، وهي تجمعات حضرية مفتعلة، هدفت إسرائيل من تأسيسها إلى حشر وحصر من تبقى من سكان النقب الفلسطينيين، بعد تهجير ما يزيد عن 90 بالمئة من أصل 80 ألف عربي فلسطيني في عام النكبة، لتحويلهم من فئة منتجة في قطاع الزراعة وتربية الماشية إلى عمال يوميين يخدمون قطاع الصناعة والخدمات في إسرائيل.

نكبة الفلسطينيين الجديدة أضافت بعدا جديدا على المخطط الإسرائيلي الذي يرمي إلى تهويد الأراضي الفلسطينية تحت ذريعة إعادة تنظيم وضع القرى وإقامة تجمعات سكنية جديدة، ما يعني تقليص مساحة الأرض التي يقيم عليها الفلسطينيون من 2 في المئة من مساحة النقب إلى 1 في المئة فقط، ليصبح 99 في المئة من أراضي النقب مكرّسة لمشاريع اسرائيلية استيطانية، وقواعد عسكرية، وغيرها من المنشآت الحيوية بالنسبة إلى كيان الاحتلال.


أهداف إسرائيلية


في دراسة أجراها الباحث الفلسطيني إياس الخطيب، التي سلطت الضوء على الأهداف الحقيقية التي تسعى حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تحقيها من وراء تهجير سكان النقب، والتي كشفت نيتهم الواضحة في الاستيلاء على أكبر قدر من الأراضي التي لا زالت تحتفظ بالوجود العربي. حيث تهدف إسرائيل من خلال هذا المخطط إلى تهويد وعسكرة الجنوب ومنع أي تواصل جغرافي ما بين النقب وغزة وسيناء، عبر تجميع البدو البالغ عددهم أكثر من 200 ألف نسمة على الأقل، في منطقة "السياج" التي هي أشبه بمعسكرات تجميع ومخيمات لاجئين.


الأهداف الخفية لهذا المخطط هي:


يوصي المشروع بنقل سكان 22 من أصل 39 قرية عربية غير معترف بها في النقب

* عزل النقب عن محيطها العربي (غزة – سيناء)

* تعزيز وجود المستوطنات في النقب خاصة في المناطق التي تعتبر خصبة من الناحية الاقتصادية (معادن ورمال وصخور نارية).

* بناء مراكز عسكرية واستخباراتية بالقرب من المحيط العربي خاصة مصر والأردن وخليج العقبة.

* العمل على تسهيل مخطط بناء قناة البحرين الأحمر والميت، وفتح مجال لخط السكة الحديد الذي سيربط القناة مع البحر المتوسط للاستغناء عن قناة السويس.

ويرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية تراوغ وتسعى إلى الاستمرار بشكل تدريجي، في سياسة التهجير والتشريد، وهي تخشى من مغبة اندلاع مواجهات مسلحة مع السكان البدو بالنقب إذا ما أقدمت على إخلائهم بالقوة، خاصة بعد اندلاع المظاهرات الغاضبة في يافا والقدس الشرقية والعديد من المدن الفلسطينية رفضا للواقع الاستعماري الجديد، وقد أعربت الحكومة الإسرائيلية ومسؤولون إسرائيليون عن خشيتهم من أن تتحول تلك المظاهرات إلى أعمال عدائية يومية ضد الإسرائيليين، ما يؤدي إلى إشعال "انتفاضة ثالثة" في كافة المدن الفلسطينية.

وتسود مخاوف من إمكانية تطبيق مخطط برافر على القرى في الضفة الغربية مستقبلا، خاصة وأن المخطط يتسع أكثر ويتمادى في عملية تهجير جديدة للسكان في بلدات النقب، ليمتد إلى أماكن أخرى من الأراضي المحتلة عام 1948.

إضافة إلى إمكانية انتقال المخطط إلى تطبيقه في الضفة الغربية وسط دعوات واسعة من المتطرفين في الكنيست الإسرائيلي إلى ضرورة اتباع نفس المخطط في مدن الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات الكبرى الموجودة هناك.

6