فلسطين: الدفاع عن الحق في الوجود

السبت 2017/07/29

جاء ترحيب الإدارة الأميركية بإزالة إسرائيل لأجهزة المراقبة الإلكترونية من محيط المسجد الأقصى بعد نحو عشرة أيام من الاحتجاجات الفلسطينية المتواصلة ليظهر إدراكها بصورة متأخرة درجة تعقيد القضية الفلسطينية بصورة عامة وقضية القدس بشكل خاص.

فأثناء حملته الانتخابية، لم يبد أن الرئيس الجديد دونالد ترامب يتحسس تماما ذلك التعقيد. كان ترامب حينها مرشحا رئاسيا بحظوظ شبه معدومة للفوز بالانتخابات عندما أشهر كل أنواع الأسلحة لتحسين فرص الفوز، ومنها وعده الشهير بنقل السفارة الأميركية في تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة. ولكن بضعة أشهر في البيت الأبيض وزيارة للشرق الأوسط كانتا كفيلتين بإعلانه ضرورة مراجعة وعده الانتخابي.

يرجع التعقيد الخاص بمدينة القدس إلى قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1947 والذي وضع المدنية تحت وصاية دولية بسبب احتوائها على أماكن مقدسة للفلسطينيين وللإسرائيليين. ولكن حرب العام 1948، والتي انتهت إلى نكبة فلسطينية وعربية مروعة، أدت إلى خسارة القدس الغربية حيث سيطرت عليها إسرائيل فيما بقي القسم الشرقي تحت السيطرة الأردنية.

استمر ذلك حتى حرب 1967 والتي خسر فيها العرب مساحات شاسعة من الأراضي كان من بينها القدس الشرقية. من ثم سارعت إسرائيل إلى ضم القدس الشرقية وإعلان القدس الموحدة عاصمة لها. لم يحظ ذلك باعتراف دولي واعتبر انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وهو ما منع أي دولة من نقل سفارتها إلى القدس.

ورغم صمتها عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى التغيير الديمغرافي وإلى طرد الفلسطينيين من مدينة القدس، امتنعت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن الاعتراف بشرعية الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية التزاما بالقانون الدولي.

كما قررت الولايات المتحدة العام الماضي الامتناع عن التصويت لدى تبني مجلس الأمن قرارا رقم 2334، والذي يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وعدم شرعية إنشاء المستوطنات في الأرض المحتلة منذ العام 1967.

حينها، أدان دونالد ترامب التحفظ الأميركي في دعم إسرائيل، إذ كان قد انتخب رئيسا ولكنه لم يتسلم منصبه بعد. اليوم صار الرئيس الجديد أكثر اطلاعا على طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي، وعلى طبيعة السياسة الأميركية الخاصة بهذا الصراع والتي تلتزم بالقانون الدولي بحدود عامة، فيما تحمي السياسات الإسرائيلية في مجلس الأمن.

وفي ما يخص سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية، لا تتبنى الولايات المتحدة الروايـة الإسرائيليـة المتطـرفة والتي تصر على الحق الديني التاريخي لليهود في كل مدينة القدس. يروج لتلك الرواية الوجه المتطرف لإسرائيل، ولا يشمل ذلك المتدينين فحسب، بل كل تيارات اليمين السياسي، إذ يدعون بصلافة أن مستقبل القدس يجب أن يطابق ماضيها اليهودي. ويعتبرون أن السيطرة الأردنية على القسم الشرقي من المدينة قبل النكسة كانت احتلالا، وأنهـم حرروا القدس من ذلك الاحتلال وقاموا بتوحيدها.

الوجه الآخر لإسرائيل موجه لمحاكاة المجتمع الدولي ويدعي أن السيطرة على القدس الشرقية هي ضرورة أمنية. ينطبق هذا على الضفة الغربية بصورة عامة حيث تدعي إسرائيل أن الانسحاب منها وتركها تحت سيطرة الفلسطينيين يشكل تهديدا وجوديا لها. جرى استعمال هذه الذريعة بصورة مكثفة بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في العام 2005 والذي أتاح إطلاق سلسلة “حروب” مع حركة حماس كان يتخللها إطلاق الحركة لصواريخ من القطاع المحاصر.

هكذا راحت إسرائيل تدعي في المحافل الدولية بأنها تعلمت الدرس من قطاع غزة، وأنها لن تسمح بتكراره في الضفة الغربية حيث أن الصواريخ التي يمكن أن تطلق منها سوف تسقط في وسط تل أبيب وفي مطار بن غوريون.

اليوم تستخدم إسرائيل حجة الأمن في المسجد الأقصى لتعزيز سيطرتها على المدينة، ولتعزيز نظام الفصل العنصري الذي أقامته في الضفة الغربية، والهادف إلى تهجير السكان وتحقيق نقاء ديمغرافي عرقي في المدينة. يدرك الفلسطينيون ذلك جيدا وهو ما دفعهم إلى المقاومة وإلى الدفاع لا عن المسجد الأقصى فقط بل عن وجودهم أيضا.

لم يكن هنالك ما يدعو إلى التفاؤل بإجبار إسرائيل على إزالة الإجراءات الأمنية الجديدة حول المسجد الأقصى عندما خرج الفلسطينيون للاحتجاج. إذ كانت الاحتجاجات شديدة العفوية في وجه قوة عاتية شديدة التنظيم. كما جاءت تلك المقاومة في ظل أوضاع عربية مواتية جدا لا للصمود، بل للهزيمة.

رغم الضعف والتفتت الفلسطيني والعربي، ورغم حالة الإحباط واللامبالاة التي دخل فيها الشارع العربي بعد ثورات لم تحقق الحد الأدنى من آماله، نجحت مقاومة الفلسطينيين وأزالت السلطات الإسرائيلية بوابات الفحص المعدني. إنه درس جديد من شعب تمرس الدفاع عن حقه، لا في دولة فلسطينية، بل في الوجود.

كاتب فلسطيني سوري

8