فلسطين المنهوبة والأخطاء

السبت 2014/09/06

بدأت النكبة- كما أسماها ضحاياها- وأنا في عنفوان الشباب. تحمّست مع المتحمّسين، وأردت التطوّع كالكثيرين، وساهمت في جمع المساعدات للمتضرّرين، ثم خبت الجذوة وفعل الزمان مفعوله، دون أن تفارق المأساة بالا، أو يسلو القلب أهلا، أو يقلّ الأمر أهمية.

لكنّي منذ بلغت سنّ الرّشد، دأبت على عدم الخوض في شؤون فلسطين. أتابع أحداثها وأخبارها، وآلام الضّحيّة في نضالها، وعربدة السّاسة غرباء كانوا أو أبناءها، فأعجب من سيئ التعليق والتحليلات، وتحويل الأنظار عن حقيقة الأسباب والمسبّبات، فيعُمّ الوهم وتُبدّل الغايات، فأزداد تشبّثا بعدولي عن كلّ تعليق أو نقاش. لم يكن هذا منّي سلوّا أو إهمالا، بل ازددت متابعة واطّلاعا فعظم تعجّبي وإعجابي. إعجاب بصمود الشعب الفلسطيني، وتعجبي من تراكم الأخطاء. لم يكن قراري تعنّتا، بل تحاشيا لكلّ تصادم أو جدل غير مفيد، لأني لاحظت أنّ أفكاري مخالفة في معظمها، لآراء السواد الأعظم ممّن حولي من الرّفاق والخلان.

لاحظت وسمعت وقرأت شعارات وتصريحات، وخطبا خاوية تضرّ ولا تنفع، بل تسير في النهج الذي يريده العدو، الذي له استراتيجية مدروسة للإعلام والحرب والسلام، بينما فقدنا كلّ استراتيجية لكلّ أطوار الكفاح، معتمدين على الارتجال وإنقاذ المواقف بعد الوقوع في الشباك.

أذكر أوّلا خطأ الفلسطينيّين أنفسهم، إذ وثقوا في البداية في “إخوانهم” العرب، فتصرّفوا نيابة عنهم، فكان ما يجمل الآن عدم ذكره. شعر المسلوبة أرضهم بالضّرر، فاسترجعوا زمام أمرهم، فاعتدلت الكفّة حينا، فأحرزت انتصارات. لكنّ العقد من الزّمن أو يزيد، الذي تصرّف فيه النواب بدل أصحاب الأمر، كان كافيا ليحقّق العدوّ بندا من بنود مخططه الإعلامي، فأظهر أنه الحِمْل الضعيف البريء، تحامل عليه أكثر من عشرين ذئبا مفترسا وهو الوديع المسالم. فأصبح الجاني ضحيّة في أعين الآخرين، لأنّ خطأنا الآخر، انعدام دعاية موضوعيّة وغياب إعلام مخطّط، خلق الفراغ فكانت البلبلة والتزييف. فبعد الصّياح بإلقاء العدوّ في البحر، والتبجّح كذبا إسقاط أربعين طائرة عدوّة، وتسمية الهزيمة نكسة، بدأت المطالبة بالأرض مقابل السّلام، وهكذا بدأ التدرّج من تنازل إلى آخر، حتى هذا التاريخ. ثمّ ها هي غزّة تهاجم وتدمّر، فتذكر كما لو كانت غير فلسطينية.

هذه كلّها نتائج غياب الإستراتيجية ووحدة القرار والكلمة، فأصبحت المقاومة إرهابا، وتمكّن العدوّ المعتدي المغتصب، من تحقيق مآرب أخرى من مآربه، مثل استغلال عامل الزّمن لصالحه. لا أريد التوقّف عند الهدنات التي منحها، فاستغلّها لتنظيم صفوفه، فتمركز وتوسّع، فها هو يبسط سلطانه الظلوم، وهيمنته على كامل الوطن الفلسطيني لا نتيجة انتصارات حربيّة، بل ثمرة تخطيط وثوابت لا حياد عنها، احترمها كلّ من حكم بدولة الكيان المعتدي، وما الانتصارات العسكريّة سوى ثمرة الحفاظ والمثابرة على اتباع بنود المخطّط.

هنا يأتي الأهمّ وتبرز القواعد الأربع. إنّ ما يجب معرفته وقد أُهمِل من جانبنا، هو أنّ النظام المقام في الأرض المحتلة، شبيه بالنظام المتبع في الولايات المتحدة، وهو الذي يطلق عليه ويعرَّف بكلمة “سيستام” أي منهج. فالرّؤساء يتداولون، والحكومات تتغيّر لكن لا تأثير من كلّ ذلك على المنهج. فما هي هذه القواعد لدى مغتصب فلسطين؟ ولماذا أهملها أناسنا؟ أيّا كان الأمر، فهي ما لا يجب عدم اعتبارها في كلّ خطوة أو قرار، لأنّها توراة الخصم وإنجيله، ومن لا يعتبرها مخطئ في تقديره.قواعد أربع يعمل العدوّ على تحقيقها، إذ هي الغاية والهدف وهي: العودة إلى الأرض الموعودة من النيل إلى الفرات، إعادة بناء الهيكل، فنزول المسيح الحقيقي فتعمّ الديانة الحقيقيّة.

العودة تحقّقت. من النيل إلى الفرات دليل عليه شريطان أزرقان على طرفي العلم، وما لم يتمّ ذلك، فلا حدود رسمية للدولة. الغريب، أنّ الحدود الرسمية من أوّل شروط الدول. لكن اعترف العالم بالكيان رغم هذا النقص. لكن الغريب، هو أن الذين منّا رفضوا الاعتراف بالكيان المعتدي، لم يشيروا قط إلى هذا النقص ولم يطالبوا باحترامه. أمّا إعادة بناء الهيكل، فأخبار الحفريات المهدّدة سلامة المسجد الأقصى معروفة، وكلّ المحاولات التي جرت وتجري ليست سرّا، ويقيني أن العمل لن يتوقف حتّى يبني العدو هيكله، فتتمّ له القاعدة الثالثة.

بقي تعميم الديانة الحقّة. إنّ العمل من أجل ذلك يجري منذ عقود في كلّ أرجاء العالم. تكفي الإشارة إلى معرفة هوية من وراء عديد الحركات التي شاعت عالميا، والتي ترمي، إلى زعزعة الإيمان لدى الجماهير، فكثر الإلحاد والبلبلة فبهما ينشأ الفراغ الرّوحي السّهل ملؤه عند الحاجة.

ألست محقّا، وأنا أحمل هذه القناعات، في تصميمي على عدم الخوض في هذه الأمور؟ مثلنا يقول: كلامك مع الذي لا يصدّقك خسارة، والخسارة ينبذها كلّ ذي عقل سليم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9