فلسطين تدخل معرض الكتاب بالدار البيضاء من باب المغاربة ووجدانهم

الجمعة 2015/02/20
لقاءات وفعاليات فلسطينية استثنائية في معرض الكتاب بالدار البيضاء

الدار البيضاء (المغرب)- تتواصل فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء المغربية، في دورته الحادية والعشرين، إلى غاية نهاية الأسبوع الجاري، لتتواصل معه التظاهرات والندوات والعروض والفعاليات التي تحتفي بضيف الشرف لهذه الدورة، أي دولة فلسطين. وكان وزير الثقافة الفلسطيني ونائب رئيس الوزراء زياد أبوعمرو قد رحب بوقوف المغرب إلى جانب الشعب الفلسطيني وقفة عميقة، تتجسد ثقافيا وحضاريا، وقد حلت فلسطين ضيفة شرف على الدورة الحالية من معرض الكتاب المغربي.

أعرب وزير الثقافة الفلسطيني، في لقاء خاص، بعد استقباله من قبل رئيس الحكومة المغربية عبدالإله بن كيران، عن سعادته بالتطمينات والاستعدادات التي يبديها المغرب من أجل الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، متوقفا عند قوة ودفق العلاقات الأخوية بين البلدين، وتشبث المغرب بتقديم كافة أشكال الدعم للشعب الفلسطيني، من أجل مواجهة الاحتلال، بعدما استعرض مستجدات الوضع في الأراضي الفلسطينية والمبادرات الجارية لتقوية الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية وتجاوز الخلافات في البيت الفلسطيني.

وتوّج هذا اللقاء، ببلاغ مشترك أكد على “العلاقات الأخوية التي تجمع بين الشعبين المغربي والفلسطيني، وتشبث المغرب، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، بنصرة القضية الفلسطينية العادلة ومواصلة تقديم كافة أشكال الدعم للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال”.

المغرب متشبث بتقديم كافة أشكال الدعم للشعب الفلسطيني، من أجل مواجهة الاحتلال


روابط تاريخية


وتؤكد الاستضافة المغربية لفلسطين في هذه الدورة أن فلسطين حاضرة في وجدان المغاربة، ويرى رئيس اتحاد الناشرين الفلسطينيين، محمد عبدالله البيناوي، أن المغرب حاضر بدوره في وجدان الفلسطينيين، ولا أدل على ذلك من وجود باب المغاربة في القدس، والتي ظلت الباب المفضلة والرئيسية بالنسبة إلى الفلسطيين، من أجل دخول القدس الشريف، بدل باب القدس نفسها، أو باب الخليل، وغيرها من الأبواب المقدسية.

من هنا، وحسب استعارة المتحدث، في لقاء خاص مع “العرب”، يكون المغرب والمغاربة، تاريخا وحاضرا، اليوم، ومستقبلا، بابا حضاريا وإنسانيا ونضاليا يراهن عليه الفلسطينيون من أجل قضيتهم الفلسطينية العادلة، ودولتهم المستحقة، وعاصمتها القدس الشريف، والطريق إليها من الباب المغربي، أو “باب المغاربة”، معلنا أن ثمة “عاطفة فلسطينية جياشة تجاه المغرب والمغاربة دائما”.

وجدّد وزير الثقافة المغربي محمد أمين الصبيحي، وهو يتردد باستمرار على أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب، والرواق الفلسطيني تحديدا، أن حلول فلسطين ضيف شرف على المعرض إنما يأتي “ترسيخا للروابط التاريخية والثقافية والسياسية المتميزة التي تجمع هذا البلد الشقيق والمكافح بالمغرب”.

بينما يؤكد وزير الثقافة الفلسطيني السابق الروائي يحيى يخلف، في لقاء مع “العرب” بأن المشاركة الفلسطينية في دورة هذه السنة إنما “تعبر عن مدى التلاقي والتضامن والتلاقح بين المثقفين الفلسطينيين والمثقفين في المغرب الشقيق”.

يحيى يخلف، الذي حضر بصفة رئيس الوفد الفلسطيني في هذه السنة، توقف عند ما أسماه “السياق الخاص الذي ينعقد فيه معرض البيضاء، الذي يبقى واحدا من أبرز مواعيد الثقافة والفكر العربيين، ويلتئم في هذه الدورة، بالتزامن مع ما تواجهه الثقافة العربية والإنسانية جمعاء من تحديات، وما تواجهه من انتشار مختلف أشكال وأهوال فكر الإرهاب والتطرف والتكفير والعنف الذي يهدد الدولة الوطنية ويبث الرعب والكراهية في صفوف الإنسانية كلها”.

ويضيف صاحب “نشيد الحياة” و”تفاح المجانين”، وروايات أخرى “نراهن اليوم على الثقافة”. هذا على أساس أن الثقافة عند يخلف هي “وعاء الهوية، كما تعبر عنها مختلف الآداب والفنون الإنسانية، وهي تقدم تجليات لمختلف السمات الروحية والحضارية لشعوبنا”، كما أنها (الثقافة)، هي “القادرة على ضخ الحركة والقوة في الحياة، من أجل مواجهة ثقافة الظلام والإرهاب”.


الكتاب الفلسطيني

إقبال كبير من قبل جمهور الثقافة على المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء


يحتل رواق ضيف الشرف “فلسطين” مكانة خاصة في القلب النابض لفضاء المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء. ومن هذا الرواق يأتيك صوت محمود درويش شجيا طريا، وكأنما عاد إلى الحياة وقدس الحياة من باب المغاربة تارة أخرى. وإلى جانب أعمال درويش، تصطف أمامك أعمال مختلف الشعراء والروائيين الفلسطينيين، وكتب التاريخ والحضارة والبهاء الفلسطيني الإنساني.

وفي الرواق الفلسطيني يطالع ضيوف المعرض معلقات وعناوين الثقافة الفلسطينية الحية، ومعالمها الحضارية والعمرانية والفنية الزاخرة. بينما يتردد الوفد الفلسطيني، ومن ضمنه عدد من المبدعين الفلسطينيين الذين يوقعون أعمالهم، ومنهم يحيى يخلف وسامي الكيلاني ومريد البرغوثي وإلياس وديعه صنبر ومحمود شقير وآخرون.

بل وقبل انطلاق البرنامج الثقافي للدورة، كان الموعد مع ندوة مجلس أمناء جائزة البوكر العالمية للرواية العربية. أما رئيس اللجنة، فتبين أن الأمر يتعلق بشاعر هو مريد البرغوثي، والذي تلا قائمة المرشحين الستة، فلم يكن أولهم، حسب الترتيب الألفبائي، سوى الروائي عاطف أبوسيف، بروايته الأخيرة “حياة معلقة”.

ثم كانت الندوة الافتتاحية عن “القدس: سؤال الثقافة والوجود”، بمشاركة يحيى يخلف وإلياس صنبر، حيث علق يخلف المسؤولية على عاتق الجيل الفلسطيني الجديد من المثقفين، ذلك الذي يحمل وساما مشرفا ومكلّفا، معا، ومؤلما أيضا، وهو يتحدث عن ميلاد جيل جديد من المثقفين في فلسطين، من شأنه أن يكمل المسيرة الثقافية، وهو يغامر في فلسطين، إذ يقتفي دروب الحداثة والمغامرة والتجريب، متفاعلا مع محيطه العربي والإنساني، يقينا منه أن الأدب الرفيع هو الذي من شأنه أن يخدم القضية الفلسطينية، لا أن يقتات منها، ويوظفها توظيفا ذاتيا.

إلياس صنبر، وهو المؤرخ والمراقب الدائم للبعثة الفلسطينية لدى منظمة اليونيسكو، فقد أكد مفارقة مستحيلة، كون المشهد الثقافي الفلسطين، بشكل عام، وفي القدس المحتلة، بشكل خاص واستثنائي، يشهد على حيوية مذهلة مقارنة بالأوضاع المعيشية تحت سطوة وفظاعة الاحتلال الإسرائيلي.

واستحضر صنبر تعاظم عدد الفنانين والفنانات في مجال الآداب والفنون والسينما، في القدس، وفي ميدان الموسيقى، مع التألق الجديد لآلة العود، كما خبر ذلك من خلال تجربته مع جمعية “آلات السلام”، والتي أسهمت في إحداث خمسة معاهد موسيقية في كل من القدس وبيت لحم ورام الله وجنين وغزة، ولها مواعيد في مختلف عواصم الغناء والنشيد العالمي.

وقد خلص إلياس صنبر، من النماذج والحالات والانتصارات الثقافية والفنية التي شهد عليها في القدس وفلسطين، على أن الاحتفاء بالحياة يظل أقوى من الموت، بفضل الثقافة والفنون.

أما الندوة الثانية، فكانت عن “العمارة الفلسطينية وحماية التراث العمراني، بمشاركة كل من خلدون بشارة، من فلسطين، وفيليب رفيليو من فرنسا، وإترا أوشياليني من إيطاليا، والذين أجمعوا على دور العمران في الحفاظ على الهوية الفلسطينية الأصيلة، وصون الخصوصية التي تتمتع بها مدينة القدس، بشكل خاص، مقابل التهديدات التي تتعرض لها بسبب السياسات الصهيونية الاستيطانية التوسعية، وهو الأمر الذي بات يسائل الضمير العالمي، كما شددت على ذلك الباحثة والخبيرة العمرانية الإيطالية أوشياليني، في نهاية اللقاء، موجهة نداء إلى كل المتدخلين والمعنيين يستعجل إنقاذ القدس عاصمة لدولة فلسطين، وحاضنة للإبداع العمراني الإنساني المتجذر.

الثقافة هي القادرة على ضخ الحركة والقوة في الحياة، من أجل مواجهة أصحاب الظلام والإرهاب

وفي الندوة الثالثة، قدم فيها الروائيون الفلسطينيون ربعي المدهون وسلمان الناطور وأنور حامد شهادة عن “الذات الفلسطينية بين المنفى والوطن”، كما هو عنوان الندوة. أما ربعي المدهون، وهو المقيم في لندن، منذ مدة، فقد استعرض تجربته مع المنافي، منذ عام النكبة، متوقفا عند المآسي التي عاشها ما بين منفى ومنفى، على أن “الطريق إلى المنفى أصعب من المنفى والعيش فيه”، يؤكد صاحب “حكايات طعم الفراق”، وهو يرى أن نص المنفى هو نص مطبوع بالاشتياق ومتوقد بالاحتراق، وأن “الكتابة من المنفى تجعل رؤيتك للأوضاع الداخلية في فلسطين رؤية بانورامية”، وهي رؤية سيرى فيها فلسطين كما يقول بصورة بانورامية.


حياة المنفى


أنور حامد استوقف جمهور الندوة في شهادته الصادمة، عندما أشهر أربعة جوازات سفر في وجه الحاضرين، هو الذي يكتب بثلاث لغات، ويعيش موزعا بين المنافي، ولا يكاد يستجمع ذاته أو ذاكرته إلا من خلال الكتابة.

وهو في مساره الكتابي والروائي، كما في روايته الأولى “حجارة الألم”، التي صدرت بالمجرية أول الأمر، هو إنما يحاول أن يتصفح الحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، في كتاب مثالي مأمول، لم ينكتب بعد، بدل تصفح جواز سفر تلو الآخر، ضمن ما يسميه الكاتب “متلازمة جواز السفر”.

أما الروائي والمسرحي سلمان الناطور، فتحدث عن منفى الداخل، على أساس أنه يعيش منفى داخليا، ويتحول إلى لاجئ عندما يكتب، ما دامت الدولة ليست دولته، فكأنه لاجئ إلى الرواية، مثلما فعل في أعمال إبداعية كثيرة، مثل “فلسطيني على الطريق”، و”سفر على سفر”، و”هي أنا والخريف”.

أما الندوة الأخيرة، وقد انتصفت احتفالية القدس وفلسطين في معرض الكتاب، فكانت عن “أدب المعتقلات”، تجاذب خلالها أطراف الحديث كل من سامي الكيلاني وأسامة العيسة، الذي أكد أنه راهن في كتابته عن التجربة على تكسير الصورة النمطية لأدب الاعتقال، لأنه لم يباشر الكتابة عن تلك التجربة إلا بعد عشرين عاما على خروجه من السجون التي ذاقها ما بين سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

دورة تعبر عن مدى التلاقي والتضامن بين المثقفين

يقول العيسة “لم أراهن على تقديم الإنسان الفلسطيني مثل بطل خارق، أو مثل كائن مثير مبهر، بل أردت تقديمه بمختلف جوانبه الإنسانية، بمكامن قوته وضعفه، من غير أن يكون مثيرا للشفقة أو العطف، بل متطلبا واجب التضامن الإنساني والاعتراف بعدالة قضيته وحق تجربته في الحياة”. أما الكتابة عن تجربة الأسر، فهي “محاولة لهدم أسوار السجن وجدران الزنزانة من خلال فعل الكتابة، من أجل التطلع إلى العالم الخارجي، والتطلع به نحو المستقبل الأرحب والأفضل”.

أما الشاعر والقاص سامي الكيلاني، فلا يتردد في اعتبار أدب المعتقلات الفلسطيني بمثابة “شهادة على المرحلة، وعلى الذاكرة والتاريخ”، مثلما هي الكتابة من وراء الأسوار، عنده “وثيقة شاهدة على قسوة السجان وجبروته”، وهي تنتمي إلى جوهر الأدب الفلسطيني المقاوم، عبر الكتابة والذات معا. على أنه يرى في تجربته وتجربة أمثاله من الذين طوفوا على المعتقلات الإسرائيلية ممارسة نضالية.

فكما ناضلوا بمواقفهم وبمعارضتهم ومقاومتهم، حتى تعرضوا للأسر والتعذيب، فقد ناضلوا بالكتابة أيضا، وبالسرد والشعر، على أساس أن “الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة الثقافية، والحفاظ على الهوية التاريخية والحضارية للشعب الفلسطيني”، يختم الكيلاني.

14