فلسفات خلاصية ومنقذون وهميون

السبت 2016/04/30

تأسست المرويات الدينية والأقاويل الشعبية المتصلة بالمخلص، أو بالمنقذ المنتظر، على إفراط في إعمال التخييل وابتكار الوهم اللذين هما ديدن الأساطير والخرافات، مثلما هما ديدن الحكايات الشعبية والتصورات المتوارثة أو المبتكرة، القائمة أصلا على تأويلات موجّهة، وفق مقاصد وغايات متغايرة، لأساطير وخرافات وعقائد ودِيانات مصطنعة تقوم على تصور للغيب ينتج تصورا لمنقذ منتَظَر يقطن هذا الغيب، الآن وفي كل آن، ليأتي منه ذات زمان غير معلوم ليقيم العدل في الدنيا بالانتقام من الظالمين، وإنقاذ المقهورين، وإخضاع الحياة إلى نظام قيم متعال تكف فيه النقائض عن الاصطراع المهلك لتنخرط في تعايش مثمر وتعاون خلاق يجليان أنبل القيم الإنسانية وأسماها!

فهل لإنسان عاقل أن يقبل بمثل هذا التصور أو يأخذ نفسه به؟ ألا تتأسس فكرة المنقذ المنتظر، برمتها وبجميع تجلياتها، على هذا التصور الغيبي الأخرق القائم، بدءا ومنتهى، على تغييب مطلق لوقائع وجودية راسخة وخلاصات معرفية مؤصلة ليس آخرها عجز الإنسان، مهما بلغ شأن قدراته الذهنية ووسائله العلمية والعملية أو تكثّف سعيه اللاهب لاقتناص اليقين، عن إدراك “عالم الغيب”، أو التقاط إشارة من “عالم الموت” الذي يحمل، تصوريا وعن غير يقين، على أنه نقيض “عالم الحياة”؟

وإذ لم يسبق لأحد من البشر أو غير البشر أن أتى من “عالم الغيب”، كما لم يسبق أن ذهب إلى “عالم الموتِ” إنسان ثم عاد ليخبر أهل “عالم الشهادة” عنه، فإن تصور قدوم المنقذ من أي من هذين العالمين، وأيا كانت ماهية هذا المنقذ وهويته وغاية قدومه، إنما يقذف بمعتنقيه والمروجين له والآخذين به بخبل يشارف حدود الجنون، بعيدا عن إدراك “عالم الشهادة” الذي هو وحده المتاح أمام أبصار الناس وبصائرهم ليقلبوها في رحابه الواسعة، فيدركوه، عمقا وامتدادا، مستخلصين قوانينه الحاكمة كي يحسنوا التعامل معها بما يحقق خير البشرية بأسرها!

كان الإفراط في الإيهام الموغل في البلاهة السوداء، ولم يزل، ديدن الديانات المصطنعة والأيديولوجيات التخييلية الموظفتين، عن عمد وسبق إصرار، من قبل صناعهما ومروجيهما من المستبدين، أفرادا وكيانات، لتحقيق غاية الاستحواذ الأناني والهيمنة الشاملة واحتكار الموارد، ولتأبيد الظلم تحت وطأة انتظار منقذ غيبي منتظر لا يأتي، وهو أبدا لن يأتي.

وهل ثمة من غاية يمكن توخيها لإفراط بعض الناس في تصنيع الوهم وبيع فكرة انتظار مخلّص غيبي لآخريهم من الناس، إلا متابعة إشباع جشع بشري مقيت لا يشبع، ولا يلتفت مقترفوه، ولو للحظة، لإشباع ما هو أدنى من الحد الأدنى من حاجة أنصارهما وأحطاب محارقهما من بسطاء النَّاس الذين أعجزهم الفقر والجهل عن إعمال عقولهم؟!

إزاء ذلك، لم يكن للمقهورين من أصحاب العقول المنيرة من الناس، إلا أن يحثوا الفلسفة على تخليص نفسها من هذا الديدن الإفراطي الذي يتوهم إدراك الغيب، غير أن الفلسفات الطوباوية والخلاصية التبشيرية لم تتمكن من فعل ذلك لعجزها عن قطع صلتها الراسخة بهذا العالم الغيبي الماورائي، فتابعت انتهاجه منذ بداياتها الأولى حتى عصرنا هذا، إذ ظلت لصيقة به وإن على نحو ضمني خَفي لم يكن لخفائه المراوغ أنْ يكبحَ قدرة العقل البشري المتفحص على دفعه إلى إبداء تجليه.

ارتبطت الفلسفات الطوباوية والخلاصية التبشيرية المعاصرة، وإن على نحو ضِمني، بالديانات الأسطورية والأيديولوجيات التخييلية، فأمعنت في إلقاء أردية فلسفية ماورائية راسخة في الوهم، أو أقنعة أحلام طوباوية تفارق الواقع لتوغل في فضاءات التخييل، على تأويلات أسطورية لقصص الخلاص والمخلصين الغيبيين، ولكنها ظلت، في كل حال، محكومة بغايات دنيوية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية يراد تحقيقها من قبل بعض الناس على حساب كل الناس، وبأسهل السبل وأسرعها!

كاتب من فلسطين

16