فلسفة "التيكي تاكا" تحيي أحلام السيتزين

أظهر نادي مانشستر سيتي الإنكليزي، بقيادة المدرب الإسباني بيب غوارديولا، وجها جديدا ومستويات رائعة منذ بداية الموسم الحالي ذكّرت المتابعين بفريق برشلونة منذ عام 2008 وحتى 2012. ويتصدر الفريق الأزرق السماوي ترتيب الدوري الإنكليزي، هذا الموسم، وسط أداء مبهر يجمع بين جمالية اللعب والنجاعة لا سيما على المستوى الهجومي. ولا شك في أن هذا كله يعود إلى أن فلسفة غوارديولا بدأت تعطي أكلها.
الأحد 2017/10/22
ترسانة جديدة تستوعب فكر الاستحواذ

تونس - يواصل المدرب الطموح بيب غوارديولا نحت إنجازاته مع فريق آخر من أعتى الأندية الأوروبية وهو فريق مانشستر سيتي الإنكليزي حيث أظهر نسخة مبهرة وكأنها استنساخ لفريق برشلونة الإسباني الذي تولى قيادته بين عامي 2008 و2012.

وحقق غوارديولا خلال هذه الفترة 14 لقبا معتمدا على الاستحواذ والتمريرات القصيرة التي عرفت بأسلوب “التيك تاكا”. غير أن مسيرة المدرب تعثرت نوعا ما مع بايرن ميونيخ الألماني، فرغم السيطرة المحلية إلا أنه فشل على مدار ثلاثة سنوات في قيادة الفريق للفوز بدوري الأبطال ليبحث عن تحدّ جديد وهذه المرة في إنكلترا.

وانتقل غوارديولا لتدريب مانشستر سيتي وسط طموحات مالكيه لتكرار تجربة البارسا لكن المدرب الذي أصر على تطبيق فلسفته فشل فشلا ذريعا في أول موسم وخرج خالي الوفاض. وبعد موسم مع الفريق الأزرق عرف بيب متطلباته جيدا فتعاقد مع لاعبين يطبقون فلسفته وهو ما ظهر جليا في أول ثماني جولات في الدوري الإنكليزي ليتحول الفريق إلى نسخة من برشلونة بأدائه المبهر وأهدافه الوفيرة، وإضافة إلى الأداء الهجومي المبهر عمل غوارديولا على تقوية دفاعاته فلعب بثلاثة لاعبين في الخلف فضلا عن التعاقد مع مدافعين هما الأغلى في العالم مثلا بنجامين ميندي وكارل ووكر ليكون سيتي النسخة الأحدث من برشلونة غوارديولا.

مفهوم الاستحواذ

يرتبط مفهوم الاستحواذ على الكرة في عالم المستديرة بشكل كبير بالإسباني بيب غوارديولا مدرب فريق مانشستر سيتي حاليا وبايرن ميونيخ الألماني وبرشلونة الإسباني سابقا. فالمدرب الذي أظهر للعالم ما يعرف بـ”التيكي تاكا” خلال قيادته لفريق برشلونة سطر اسمه على رأس رواد مدرسة الاستحواذ على الكرة صانعا من جيل برشلونة في ذلك الوقت الفريق الأقوى في تاريخ كرة القدم بشهادة الكثيرين.

وبطبيعة الحال، ظل فكر “الاستحواذ” مرتبطا بغوارديولا، في رحلته إلى النادي الإنكليزي، الذي يقضي معه حاليا موسمه الثاني. وبعد مرور جولات كثيرة في كل من الدوريات الألماني، الإيطالي والإسباني، وفي الدوري الإنكليزي وفي الدوري الفرنسي كان السيتي هو النادي الذي يملك نسبة الاستحواذ الأعلى بين جميع الفرق في الدوريات الخمسة الكبرى. نسبة استحواذ السيتيزين مع بيب غوارديولا لم تقتصر على كونها الأعلى في البريميرليغ بل كانت الأعلى كما سبق وذكرنا في الدوريات الخمس الكبرى.

غوارديولا إذا كان يريد أن ينجح في الموسم القادم، فعليه أن يغير فلسفته، أو يغير نوعية اللاعبين الذين يعتمد عليهم، أو يغير النادي الذي يدربه، أما تكرار ما فعله في الموسم الحالي فلن يؤدي سوى إلى تكرار النتائج

وحسب الاعتقاد فإن مانشستر سيتى بات الآن على نفس مستوى برشلونة وريال مدريد، ويستطيع مواصلة مشواره نحو الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا لكرة القدم هذا الموسم. ويقدم مانشستر سيتي عروضا هجومية رائعة سواء في الدوري المحلى أو دوري أبطال أوروبا. وردا على سؤال عما إذا كان غوارديولا يشعر أن مانشستر سيتى على نفس مستوى عملاقي إسبانيا وبوسعه إحراز اللقب القاري نقول نعم يمكنه ذلك. فالسيتي بات فريقا يملك تشكيلة غير عادية، ويملك إمكانيات بدنية وفنية وخططية مذهلة، وإذا حافظ على مستواه فإن بوسعه مواصلة المشوار.

ويتصدر مانشستر سيتي المجموعة السادسة في دوري الأبطال برصيد 9 نقاط من 3 مباريات، كما يتصدر الدوري الإنكليزي. ولم يخسر فريق مانشستر سيتى في آخر 18 مباراة في كل المسابقات، وحقق الفوز خلالها 14 مرة منذ خسارته 1-2 أمام أرسنال في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي.

واستطاع بيب غوارديولا أن يفوز ببطولة دوري أبطال أوروبا مع برشلونة، ثم صار عاجزا عن الوصول إلى النهائي مع بايرن ميونيخ، وأصبح نصف النهائي هو أقصى ما يمكنه بلوغه، ثم ذهب إلى مانشستر سيتي، فودع البطولة من دور الستة عشر! هذا التسلسل المدهش يجعلنا نستنتج أنه عندما ينتقل إلى فريق آخر سيودع البطولة من دور المجموعات!

حقق غوارديولا بطولة الدوري مع ناديي برشلونة وبايرن ميونيخ، لكنه ابتعد عن المنافسة على لقب الدوري الإنكليزي، وتعرض لهزائم لم يتوقعها، وواجه متاعب لم يألفها، وبعدما كان يستحوذ على الكرة من أجل بناء الهجمات بطريقته المعروفة، أصبح يستحوذ على الكرة من أجل بناء الهجمات للمنافسين معتمدا في ذلك على خط دفاعه الذي يرحب بالمهاجمين ويعاملهم بكرم بالغ!

شهدت مسيرة الإسباني تراجعا ملحوظا، فقد عاش فترة ذهبية مع برشلونة، ثم فترة مقبولة نوعا ما مع بايرن ميونيخ، وها هو قد عاش فترة سيئة مع مانشستر سيتي في الموسم الماضي، حيث فشل في التأهل إلى ربع نهائي دوري الأبطال لأول مرة خلال مسيرته التدريبية، ولا يبدو أنه قادر على الفوز بلقب الدوري، ووجد نفسه يخوض صراعا شرسا من أجل إنهاء الموسم ضمن الأربعة الأوائل! ما الذي يحدث؟! هل جاء إلى إنكلترا من أجل المنافسة على جميع الألقاب، أم من أجل منافسة أرسين فينغر وجوزيه مورينيو وأنطونيو كونتي؟

غوارديولا يرسم لوحة مانشستر سيتي الكاتالونية

يتميز مدرب مانشستر سيتي بفلسفته القائمة على الاهتمام بالاستحواذ على الكرة، أحيانا من أجل الوصول إلى مرمى المنافس وأحيانا من أجل استهلاك الوقت عندما يريد الحفاظ على تقدمه في النتيجة، وأحيانا دون هدف! لأن امتلاك الكرة باستمرار صار هدفا يستحق بذل الجهد من أجله، لذلك نجد أن مدافعي الفريق وحارس المرمى لا يجيدون الدفاع عن مرماهم لكنهم يجيدون التمرير!

يؤمن مدرب بايرن ميونيخ السابق أن قوة الهجوم تغنيه عن قوة الدفاع، ويرحب باستقبال الأهداف لأنه يعتقد أن فريقه قادر على التسجيل أكثر من المنافس، ويخشى فقدان الكرة، كأن فقدانها كارثة! ويهمل الشق الدفاعي ويبالغ في الاهتمام بالهجوم لدرجة أنه يعتمد في الضغط واستخلاص الكرة على لاعبي المراكز الهجومية أكثر من اعتماده على لاعبي المراكز الدفاعية!

لا توجد طريقة ناجحة وأخرى فاشلة بشكل مطلق في كرة القدم، فالطريقة التي تنجح مع فريق قد تفشل مع فريق آخر، والطريقة التي تنجح أمام منافس قد تفشل أمام منافس آخر، ولا يمكن الاعتماد على خطة واحدة سوى في البلاي ستيشن! لكن الفيلسوف الإسباني يصر على عدم تغيير فلسفته مع كل الفرق التي يدربها وأمام جميع المنافسين!

إذا أراد غوارديولا أن ينجح في الموسم القادم، فعليه أن يغير فلسفته أو يغير نوعية اللاعبين الذين يعتمد عليهم أو يغير النادي الذي يدربه أو يغير المنافسين! أما تكرار ما فعله في الموسم الحالي، فلن يؤدي سوى إلى تكرار النتائج، وقد تنتهي رحلته مع النادي الإنكليزي سريعا، ولا يجد فينغر من ينافسه! لكن وإلى حد الآن يؤكد المدرب الإسباني على بداية مثالية مع السيتي وحقق نتائج باهرة تجمع بين الأداء والنتيجة حيث بات الفريق الإنكليزي يضاهي مستوى عمالقة الكرة الأوروبية وقدم أوراق اعتماده على أنه ستكون له كلمته في الدوري المحلي ودوري أبطال أوروبا وسيكون منافسا حقيقيا على الألقاب.

النقطة الصفر

غوارديولا بدأ مع مانشستر سيتي من النقطة الصفر، وهو ما يعني أن الأمر سيكون أصعب وسيستغرق وقتا أكبر. وكان السيتي قد دعم صفوفه بصفقات قوية خلال الصيف، لكن الشيء الأهم هو أن يستوعب اللاعبون الموجودون في النادي حاليا فلسفة غوارديولا.

بعد توليه مسؤولية تدريب مانشستر سيتي عمد غوارديولا خلال الأشهر الأولى إلى تنويع خطط لعبه، كما كان الحال عليه خلال فترة إشرافه على فريق بايرن ميونيخ، فبحسب كل مباراة كان غوارديولا يعتمد على نهج تكتيكي معين، فتارة يلعب بطريقة (1ـ3ـ2ـ4) وتارة أخرى كان ينتهج أسلوب (3ـ3ـ4) أو (1ـ2ـ4ـ3). لكن منذ هزيمته أمام تشيلسي (3-1) في ديسمبر، قرر غوارديولا الاعتماد على نهج (1ـ3ـ2ـ4).

هذا القرار جعل المحللين الرياضيين يتساءلون إن كانت قوة التنافس في الدوري الإنكليزي دفعت بغوارديولا للتخلي عن قناعاته، خاصة وأنه معروف بتغيير خططه التكتيكية، وكأن غوارديولا كان في حاجة إلى بعض الوقت للتأقلم مع خصوصية الدوري الإنكليزي، كما أنه كان في حاجة أيضا إلى تعزيز صفوفه بلاعبين كبار قادرين على استيعاب فلسفته الكروية وتطبيقها على أرض الملعب. ومن المتوقع أن يفند المدرب الإسباني نظرية منتقديه الذين يرون أنه لا يستطيع النجاح إلا مع الفرق الكبرى الجاهزة، والتي تتوفر على خزان كبير من النجوم، خاصة وأنه تحصل على الوقت الكافي لتطوير أداء لاعبيه بشكل يسمح برؤية بصمته مع تلك الفرق.

من ناحية أخرى يجب التأكيد على أنه ورغم البداية الجيدة لمانشستر سيتي هذا الموسم فإنه لا يوجد أيّ شيء رسمي تحقق حتى الآن، لذا يجب على رجال غوارديولا البقاء مركزين بالشكل اللازم خلال الجولات القادمة حتى يواصلوا على نفس الوتيرة،. حاليا هم في الطريق الصحيح لإحراز اللقب، ولا يجب تضييع الفرصة. ومن الملاحظ أن اللعب تحت إشراف غوارديولا تجربة رائعة للغاية لكل اللاعبين، فهو يتمتع بفكر وفلسفة خاصة، كما أن طريقة تسييره للفريق تجعلهم يشعرون دائما بالارتياح الكبير.

وقد سبق للبعض أن تنبأ بصعوبة مهمة غوارديولا في الدوري الإنكليزي لاختلافه عن الدوريات الأوروبية الأخرى التي درب فيها “الفيلسوف”. وقال مدرب ستوك سيتي مارك هيوز في وقت سابق إن مهمة غوارديولا لن تكون سهلة مع مانشستر سيتي لمعرفة بفريق السيتيزين الذي أشرف عليه بين عامي 2008 و2009. كما أكد الحارس الدانماركي بيتر شمايكل حارس مانشستر سيتي ويونايتد السابق بأن بيب غوارديولا لم ينجح حتى الآن مع مانشستر سيتي.

السيتي لن يجد مدربا أفضل من غوارديولا لتحقيق الحلم المستعصي عليه وهو دوري أبطال أوروبا الذي يمتلك بيب الخبرة الكافية بهذه البطولة رغم عدم فوزه بها مع بايرن

وقال شمايكل “أعتقد أن غوارديولا لم ينجح مع مانشستر سيتي، بكل تأكيد هو يملك فريقا معقدا ولكن هناك لاعبون رائعون”. وأضاف شمايكل “أنت تتوقع من مدرب يمتلك عقلية غوارديولا أن يصحح الأمر، ولكني لا أعتقد أن هذا سيحدث”.

وتتواصل الانتقادات تجاه مدرب السيتي لتشمل تعامله الإنساني مع الآخرين. فعندما يدور الحديث في أروقة النادي حول قدرات المدرب الإسباني بيب غوارديولا فالغالبية تجمع على أنه مدرب قدير. لكن الأمر يختلف عند الحديث عن طريقة تعامله مع الآخرين.

فكثيرا ما وجّهت إليه انتقادات بسبب ذلك، بل إن الكثيرين يرون أنه بحاجة ماسة لاستدراك ذلك النقص. واللافت للنظر أن غوارديولا الذي عرفه الألمان بقسوة تعامله مع الآخرين يبدو الآن بشكل مختلف في إنكلترا. فغوارديولا حاليا بالنسبة إلى الإنكليز مدرب ممتاز وقدوة في التعامل الإنساني.

في النهاية يدرك الجميع أن غوارديولا وبعد البداية الصعبة في منافسات الدوري الإنكليزي بدأ يتحسس طريق النجاح وبدا في بسط فكره التكتيكي داخل الفريق. هذا فضلا عن أن التشكيلة التي يمتلكها السيتي من لاعبين مثل سيرجيو أغويرو وكيفن دي بروين ورحيم سترلينغ ونيكولاس أوتاميندي وديفيد سيلفا وغيرهم، تتيح له تكوين فريق قوي بوضع بعض اللمسات القليلة ليضعه على منصة جميع البطولات.

ويتميز القوام الحالي لمانشستر سيتي بالمرونة ووفرة العديد من اللاعبين بجميع المراكز مما يعطي الأريحية في التأقلم مع أسلوب غوارديولا. على الجانب الآخر السيتي لن يجد مدربا أفضل من غوارديولا لتحقيق الحلم المستعصي عليه وهو دوري أبطال أوروبا الذي يمتلك بيب الخبرة الكافية بهذه البطولة رغم عدم فوزه بها مع بايرن. فتدريب السيتي لن يمثل ضغطا كبيرا على غوارديولا لأن إدارة النادي لا تتدخل كثيرا في عمل مدربيها عكس ما قد يعانيه بيب في الخيار القادم.

صحافي تونسي

22