فلسفة الموت عند طرفة بن العبد

الثلاثاء 2013/11/26
الشاعر استمد من الموت فلسفة للحياة

الموت يُمثِّل قيمةً أساسية في الحياة. ولا نُبالِغ إذا قُلنا إن الموت هو الحياة الحقيقية. ولا يوجد إنسان لا يؤمن بالموت، أو لا يُفكِّر فيه. والإنسانُ قد تنهار عقيدته فَيَجْحد وجودَ الله تعالى، ولكنْ لا يمكنه أن يَجحد وجودَ الموت. إذن، فالموتُ هو حَجر الزاوية في البناء البشري.

الشعراءُ – باعتبارهم أكثر المخلوقات حساسيةً والتقاطاً لعناصر الطبيعة – لا يَقدرون على الإفلات من "إغراء الموت" حتى لو أرادوا ذلك. وهذا يُفسِّر ذِكرَ الموت في أشعارهم، وجعل الفلسفات والمناهج الفكرية تَدور حَوْله. فالموتُ مجالٌ خصب للتأمل في النهاية، والأحزان، والفِراق، إلخ…

زيف الخلود


الشاعرُ طرفة بن العبد -وهو أحد شعراء المعلَّقات- اعتنى بموضوع الموت، واستمدَّ منه فلسفةً للحياة، ومنهجاً فكرياً للإنسانية. وقد عبَّر عن فكرة الفناء، وعدم الخلود في الدنيا، وعدم المبالاة بالموت، وضرورة أن يَعيش المرءُ حياته بالطُّول والعَرْض، وأن يَستمتع قَدْر المستطاع لأنه لن يَعيش إلا مرة واحدة فقط. ولا يَخفى أن آراء الشاعر مستمدة من خبراته الحياتية، ومكنوناته النَّفسية.

والدنيا دارٌ زائلة لا يمكن أن تَمنح الخلودَ للعناصر. ففاقدُ الشيء لا يُعطيه. وبما أن الدنيا ذاتها غير خالدة، إذن فلا خلود فيها. إنها فانيةٌ هِيَ ومحتوياتها. والناسُ يَرون الموت والأموات كلَّ يومٍ رأي العَيْن، فلا مجال للتكذيب أو الشك. وكلُّ إنسان مهما طال عُمرُه، لا بد أن يُحمَل يوماً ما إلى المقبرة. وهذا الأمرُ من كثرة ما اعتاد عليه الناسُ، صار أمراً عادياً لا يُحرِّك المشاعرَ، ولا يُثير مكنوناتِ الصدور. فالاعتياديةُ تَجعل الإنسانَ أعمى، وعاجزاً عن رؤية الأشياء بعين البصيرة، وغارقاً في نظام حياتي روتيني مغلَق.

ونحن نجد الشاعر طَرفة بن العبد يشير إلى قضية "اللاخلود" فيقول في أحد أبياته: "ألا أيُّهذا اللائمي أَشهد الوَغَــى/ وأن أنهلَ اللذاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي"، وهو بيت يسأل فيه الشاعر الإنسان الذي يُلومه على حضور الحرب، وحضورِ الملذات، فهل يمكن له أن يخلِّده إن كفّ عنها.

إن الشاعرَ يُؤْمن بعدم الخلود في الدنيا. وسواء شاركَ الإنسانُ في الحرب أم نام في بَيْته، ففي كلا الحاليْن لن يَنعم بالخلود. لذلك فهو يُريد أن يَعيش حياته على هواه بلا ضوابط، ويَستمتع بكل لحظة، ويَفعل ما يَحلو له. ففي كل الحالات، هُو غير خالد، والموتُ قادمٌ لا محالة، والمسألةُ مسألةُ وقتٍ لا أكثر ولا أقل. وهذه القناعةُ لم تُكسِب الشاعرَ إحساساً بالمسؤولية، بل على العكس، أغرقته في اللامبالاة واللاجَدْوى، وأكسبته شعوراً بالعَدَم والضياع. وبما أن الموتَ قادمٌ، والخلود متعذِّر، فلماذا لا يستمتع بحياته ويشارك في الحرب ويَصنع مجدَه الشخصي ومجدَ قبيلته ويَنهل من اللذات قبل أن يداهمه الموت؟

إنها رُوحٌ جاهلية وثنية تَعتبر الموتَ نقطة النهاية، ولا شيء بعدها. وبالتالي، لا بد من استغلال الحياة الدنيا في الاستمتاع، وتحقيق رغائب النَّفس كاملةً غير منقوصة. ومن الواضح أن سلوكَ الشاعرِ العابثَ قد سَبَّبَ له المتاعبَ، وجلبَ له الانتقاداتِ والعتابَ. وبالطبع، فإن الشخص الذي يَرى التصرفاتِ الطائشة للشاعر لا بد أن يَلومه. وهذا اللومُ يَنبع من تطبيقات العقل الجمعي، ويَنطلق من فلسفة اجتماعية سائدة تتطلب التوازنَ في أداء الأعمال، وتحمُّلَ المسؤولية، واحترامَ قيمة الحياة، وعدم تضييعها في اللذات الوقتية، والسلوكاتِ غير المحسوبة.

هادم اللذات

ومن الواضح أن الشاعر طرفة بن العبد يؤسس فلسفته الخاصة بالموت وملابساته، وما يُرافقه من أحداث فكرية أو مادية واقعية. وها هُوَ يقول: "فإنْ كُنتَ لا تسطيعُ دَفْعَ مَنِيَّتي/ فَدَعْني أُبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي".

إن الشاعر يَبني فلسفته الذاتية حول فكرة "استحالة دفع الموت"، لكنه يُحيط هذه الفكرة الصحيحة بسلوكات خاطئة وتطبيقاتٍ سلبية. فالشاعرُ يرى ضرورةَ الغرق في الملذات والشهوات بلا حساب، لأن الموت قادمٌ بشكل مؤكَّد لا شك فيه. فبدلاً من أن يصبح الموت باعثاً على الزهد والاستقامة، يصبح باعثاً على اللامبالاة والعبث والتبذير. وهذه هي فلسفة طرفة بن العبد التي بثَّها في أشعاره. يقول طَرفة: "فإن كنتَ لا تستطيع أن تدفع مَوْتي/ فدعني أُبادر الموتَ بإنفاق أملاكي".

إنه في سِباق مع الموت، ويُريد أن يُسابق الموتَ قبل أن يُباغته. وهكذا تتجلى روحُ المبادَرة، مُبادَرة الموت واقتحام عالَمه، وذلك بإضاعة الممتلكات، وتبذير الأموال، والاستمتاع بالملذات إلى الدرجة القُصوى. فالموتُ سيتلفُ أملاكَ الشاعر، ولن يُبقيَ له شيئاً. لذلك يَحاول الشاعرُ أن يَسبق الموتَ، ويأخذ على عاتقه إتلاف أمواله بنَفْسه، وعدم منح الموت هذه الفرصة.

والمنهجيةُ الفلسفيةُ المسيطرة على الشاعر في هذا السياق هي أن الموت لا بدّ منه، فلا معنى للبخل، وتركِ الملذات، وإدارةِ الظَّهر للشهوات.

فعلى المرء أن يَستمتع بالحياة ولذاتها بكل الوسائل المتاحة، فالغايةُ تبرِّر الوسيلةَ، والإنسانُ لن يَعيش مرةً أُخرى، فعليه اغتنام هذه الفرصة قبل فواتها. فالمتعةُ إذا ذَهبت لن تَعود. وهكذا يُصبح الموتُ حافزاً على الغرق في الشهوات بلا ضوابط، وليس حافزاً على العمل المثمر، وسلوكِ الطريق القويم.

ومن الملاحَظ أن فلسفةَ طَرفة بن العبد تنطوي على ردة فعل عكسية. فالمفروضُ أن يَقطعَ الموتُ لذاتِ النفوس ورغباتها، ويدفعَ إلى الصلاح والخير، باعتباره هادمَ اللذات، ومفرِّق الجماعات، وميتِّم البنين والبنات.

أمَّا في حالة طَرفة، فقد تحوَّلت صدمةُ الموت إلى مزيد من الشهوانية والعبث واللاجَدْوى. ففي بعض الأحيان، يؤدي النُّورُ الباهر إلى العَمى لا قوة الإبصار. كما أن كَثرة الشَّد تُرخي. وهذا ما نراه جلياً في فلسفة طَرفة المتعلقة بالموت، وتطبيقاتها الشعرية.

14