"فلك الغواية" رواية تبحث عن آفاق أرحب للإشكاليات الوجودية

الجمعة 2014/08/15
الصافي: كلما كتبت اكتشفت أبعادا جديدة لسحر الحرف، ولأعماق ذاتي أيضا

صدرت عن دار “فضاءات للنشر والتوزيع”، بالعاصمة الأردنية عمّان، رواية بعنوان “فلك الغواية” للروائية والشاعرة السودانية آن الصافي، يتمحور موضوعها حول مسيرة حياة البطلة من لحظة الولادة حتى الاكتمال والنضج الروحي والنفسي والعاطفي والعقلي، من خلال تداخل العوالم العقلية والواقعية والسحرية، في عملية تجاذب وتنافر تتسبب في حيرة البطلة ودفعها إلى حافة الانهيار، بعد قصة حب يعجز فيها الطرف الآخر عن مواكبة تطورها الروحي والعقلي المتقدم.

تقوم الرواية على ثلاثة محاور سردية اجتماعية وروحانية وعلمية في وقائع تسمح للحبكة بالتطور الموضوعي للكشف عن الإشكاليات النفسية للبطلة ومعاناتها الذاتية في سعيها إلى تحقيق السمو والارتقاء على الصعيد الروحي والعقلي.

وتقترب الرواية إلى كونها تأملا معرفيا في جوانب التجربة الإنسانية وطبيعة مواقفها الوجودية عبر حركة الشخصية المتخيلة داخل إطار العمل الروائي، ومساءلة المواقف الإنسانية والاجتماعية للأفراد في العالم الخارجي، والبحث عن ممكنات أخرى للإشكاليات الوجودية والاجتماعية التي تواجه الذات الواقعية.


ما وراء الأخلاقيات


في قراءته للرواية يقول معن الطائي: «يتم في “فلك الغواية” تجاوز الخطاب الأخلاقي المؤسس اجتماعيا والقائم على التصنيفات القسرية لمفاهيم الخير والشر، والذات بوصفها هوية ثابتة، من أجل الاقتراب أكثر من حرارة التجربة الإنسانية وانفتاحها على “مديات” رحبة ومعقدة ومتداخلة تجعلها تموضع نفسها في ما وراء الأخلاقيات والتحديدات المسبقة لمفهوم الهوية، فبطلة الرواية هي ذات إنسانية قلقة يتوزع وعيها على ثلاثة عوالم مختلفة ومتقاطعة، لكنها ترفض أن تكون ذاتا مستلبة ومغيبة في أي من تلك العوالم، وتسعى دائما لامتلاك زمام المبادرة والفعل، من خلال إيمانها بأنها قادرة على صناعة نفسها بخصوصية وتفرد بدلا من إضاعة الوقت في البحث عنها".

التكثيف والتركيز جعلا لغة السرد أقرب إلى اللغة الشعرية بدلالاتها الرمزية واستعاراتها وجمالياتها الخاصة


حالة إنسانية


وقالت الكاتبة آن الصافي إن الكتابة الروائية بالنسبة إليها مشروع عمر، فكلما كتبت اكتشفت أبعادا جديدة لسحر الحرف، ولأعماق ذاتها أيضا، مشيرة إلى أن علاقتها بالكتابة بدأت منذ طفولتها، بفضل والدها الذي كان يشجعها على القصّ، وإطلاق خيالها لنسج حكاياتها الصغيرة، كما كان رحيله سببا في اتجاهها إلى الكتابة كوسيلة تواجه بها حقيقة فقدانه بطريقة إيجابية، عندئذ بدأت في كتابة الرواية سنة 2010.

وأضافت الصافي خلال أمسية لمناقشة روايتها “فلك الغواية”، التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي بمقره في المسرح الوطني، أن انشغالها بموضوع تنوع الهوية، وكيفية التعايش بين بشر من ثقافات وهويات مختلفة، كما في أبوظبي التي تمثل نموذجا حضاريا مثاليا لتلاقي الثقافات، لافتة إلى أن “فلك الغواية” رواية تناولت حالة إنسانية معاصرة، تتعاطى مع الحياة بمنظور وقناعات شخصية تتعلق بالفكر والفلسفة والروح والعلم الحديث، كل ذلك يقود الشخصية الرئيسية إلى تجاوز إشكالياتها في الحياة بطاقة إيجابية، وليس للوقوف والتلاشي في صعاب الحياة، بل لفتح مدارك وعوالم جديدة.

وأشار معن الطائي، إلى أن التكثيف والتركيز جعل لغة السرد أقرب إلى اللغة الشعرية بدلالاتها الرمزية واستعاراتها وجمالياتها الخاصة. كما ضمّنت الكاتبة المتن السردي مقاطع شعرية صريحة، طغى عليها النفس الصوفي والرمزي، وقد تمّ توظيفها فنيا للكشف عن العوالم الداخلية الخاصة بالبطلة وخيالاتها المتفردة، وساعد ذلك الرواية على التخلص من الاستطرادات والتركيز على الحدث المركزي وعلى البطلة.

رواية تجوب عوالم التجربة الإنسانية

كما اعتبر الناقد معن الطائي، خلال الأمسية التي قدمها رئيس الهيئة الإدارية للاتحاد فرع أبوظبي محمد المزروعي، أن الروائية آن الصافي نجحت من خلال عملها الأول في تقديم خطاب سردي تميز بالنضج والفنية العالية، فتقترب الرواية من كونها تأملا معرفيا في جوانب التجربة الإنسانية، وطبيعة مواقفها الوجودية من خلال حركة الشخصية المتخيلة داخل إطار العمل الروائي، مشيرا إلى أن تجاوز الرواية الخطاب الأخلاقي المؤسس اجتماعيا والقائم على التصنيفات القسرية لمفاهيم الخير والشر، من أجل الاقتراب أكثر من حرارة التجربة الإنسانية وانفتاحها على آفاق رحبة ومعقدة ومتداخلة.


نهاية ضبابية


وأوضح الطائي أن البعد الاجتماعي يحضر عبر حركة الشخصية الرئيسية داخل الفضاء السردي المتخيل، وعبر قصة الحب التي تربطها بشخصية غامضة وغير واضحة المعالم، غير أنها سرعان ما تكتشف هشاشة وضعف الشخصية المقابلة، وعدم قدرتها على تحقيق التواصل الروحي والعاطفي الإيجابي معها، فتصل، في مشهد سردي يتميز بالتكثيف والرمزية، إلى مفترق طرق حادّ إلا أنها ترفض الاستسلام.

وأشار الطائي إلى أن الخطاب السردي في الرواية، جاء أقرب إلى جماليات رواية الحداثة الجديدة، التي تتجاوز التقنيات السردية والتضمينات الفكرية لرواية ما بعد الحداثة، فيظهر الاهتمام بالشكل والنظام والترتيب، بدلا من اللانظام والفوضى والتشويش على عمليات التلقي والاستقبال التي غالبا ما كان يتمّ توظيفها في أدب ما بعد الحداثة.

وظهر الاهتمام بالترابط المنطقي للأحداث في القصة وبناء الحبكة، وبدت شخصيات بوصفها ذواتا تجريبية رمزية وليست مجرد كائنات ورقية، ومن خلال تلك الشخصيات خلقت الروائية نوعا من التعاطف والتواصل بين القارئ والشخصية المتخيلة، وما تتعرض له من أزمات أو تتخذه من مواقف.

تميز السرد أيضا في الرواية بالاقتصاد والتركيز، كما ظلت النهاية ضبابية ومفتوحة على احتمالات عدة تترك للقارئ تجميع خيوطها ورسم الصورة النهائية للحدث الروائي.

14