فلوريان زيلر يستكشف خريف العمر في مسرحية موجعة

ما الذي يشغل الإنسان حين يُرَدُّ إلى أرذل العمر؟ الخوف من الموت أم من الوحدة؟ ومن الذي يمكن أن يستند إليه كي يلطف انسياب العمر نحو نهاية محتومة؟ الأبناء أم محبة عشير العمر؟ بعد مسرحيتي “الأم” و”الأب” يتوقف فلوريان زيلر مرة أخرى عند الهموم الآنية التي تشغل الإنسان في مرحلة متقدمة من حياته، يكون فيها نهبا لوساوس من واقع ينفلت من بين يديه “قبل الرحيل”، وهو عنوان مسرحيته الجديدة التي تعرض حاليا على خشبة مسرح الأثر بباريس.
الاثنين 2016/11/07
أجواء غائمة

رغم صغر سنه نسبيا (37 سنة) يعتبر فلوريان زيلر أبرز مؤلفي جيله في المجال المسرحي على رأي مجلة “لكسبريس” الفرنسية، وأمتع مؤلف مسرحي في عصرنا حسب جريدة “الغارديان” البريطانية.

هذا المؤلف الشاب الذي التحق عام 2002 بمعهد العلوم السياسية بباريس أستاذا محاضرا، بدأ حياته الأدبية روائيا متميزا، حيث فازت روايته الأولى “ثلوج اصطناعية” بجائزة مؤسسة هاشيت، وتوجت روايته الثالثة “الانبهار بالأسوأ” بجائزة أنترالييه، ثم استهواه المسرح فجعل يزاوج بين الجنسين، قبل أن يرسخ قدميه في الفن الرابع بأعمال صارت تعرض في المسارح الفرنسية والعالمية، كـ”الآخر” و”الحقيقة” و”الكذب” وتستقطب نجوم التمثيل المسرحي والسينمائي في فرنسا أمثال بيير أرديتي وكاترين هيجيل وليتيسيا كاستا وفابريس لوكيني وخاصة روبير هيرش بطل مسرحيته الجديدة “قبل الرحيل” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح الأثر بباريس، حيث صعد هيرش على الخشبة وهو في سن الواحدة والتسعين.

خوف مزدوج

بعد مسرحيتيه السابقتين؛ “الأم” (2010) التي تتناول فقد أمّ عجوز ولدها، ثم رشدها، و”الأب” (2012) التي تعالج فقدان رجل مسنّ ذاكرته ومحاولته البحث عن هويته، يواصل زيلر الاهتمام بمشاغل من بلغوا من العمر عتيا، ليصور دراما زوجين هما أندري ومادلين، وقد باتا قاب قوسين أو أدنى من النهاية المحتومة بعد عِشرة دامت نصف قرن.

الموت حاضر منذ البداية، ولكننا لا نعرف من مات، الأم أم الأب، وكلما ساورنا ظنّ بأن هذا أو ذاك قضى نحبه، أطل أحدهما على الخشبة، ليحاور ابنتيه آن وإليزا، أو ليتحدث في الفراغ، وكأن كليهما يستعيد ماضيه بعد أن صار في عداد الأموات.

يقول زيلر “أردت ألاّ يكون المتفرج واثقا من الواقع الذي يشاهده، ثمة دفن منذ البداية، ولكن لا نستطيع أن نجزم من الميت، فالأب والأم كلاهما يظهر ثم يختفي، أي أننا نسافر عبر عدة عوالم، وعدة حقائق دون أن نميز جيدا بين الخوف والوهم والتذكر والأسى.. وهو ما أحبه في المسرح، حتى يبحث المتفرج بنفسه عن المعنى المنشود”.

فلوريان زيلر: أردت ألا يكون المتفرج واثقا من الواقع الذي يشاهده حتى يبحث بنفسه عن المعنى المنشود

وفي هذا الجو الغائم، حيث يختلط الحلم بالواقع، والحاضر بالماضي، والحقيقي بالمحتمل، والراهن بالمستقبل، والمحبة بالخوف، الخوف من الترمل أكثر من الخوف من الموت، يجري الحديث حول عذاب الشيخوخة وقوة الحبّ التي تربط كائنين تقاسما الحلو والمرّ طيلة خمسين عاما، وبات كلاهما خائفا على مصيره لو يرحل الآخر قبله، ويجري أيضا حول سلوك البنتين وقد بدأتا تعدّان العدة للميراث، وتحاولان إقناع أبويهما بالإقامة في دار المسنين حتى تتمكنا من بيع البيت، فيتمنى الوالدان لو يرحلان معا رحلة لا يرتجى منها إياب، ليحلا كل المشاكل العالقة.

يتساءل أندري “ماذا يحدث لو أرحل قبلها؟ وماذا يحدث لو ترحل قبلي؟ من يعتني بي؟ هل يمكن أن أحتمل فراقها وأعيش بعدها؟ أما آن الوقت لنرحل معا؟”، كل تلك الأسئلة تشكل متاهة من القلق والحيرة والخوف، يتيه فيها البطلان إلى درجة الشك في وجودهما نفسه، ولا يلوح لهما من منفذ سوى الحب، وقوامه مشاطرة رفيق العمر الشعور بأن الإنسان فان.

نص خاص

هذا النص الموجع عن الوحدة وخريف العمر والموت كتب خصيصا لروبير هيرش، الممثل الذي سبق أن أدى دور البطولة في مسرحية “الأب”، مثلما تقمص أدوار شخصيات خالدة كنيرون وبوزان وترتوف وراسكولنيكوف وريتشارد الثالث، في مسيرة حافلة استهلها عام 1948.

وقد أبدع في المناوبة بين الواقع المتخيل والخيال الواقعي، بين طيف راحل تبكيه زوجتُه وابنتاه، وأرمل فقد زوجته، بين كاتب سابق يدرك أن تخليه عن بيته هو تخل عما يشده، مع زوجته، إلى الحياة، وبين كائن قلق يواجه ماضيا مظلما يرتد إليه بعنف، فيتبدى عميقا في صمته الذي يكتسي فصاحة البيان، ومؤثرا في اندفاعه المفاجئ، ومعبرا في نظراته التي تنفذ إلى ظلمة الوضع الإنساني، حين يرتد إلى درك وضيع.

لسائل أن يسأل: ما الذي يدفع زيلر إلى الاهتمام بمواضيع كبار السن ومشاكل الحياة في فترة انحدارها إلى المغيب، وهو لم يتخط عامه السابع والثلاثين؟ والجواب، كما ورد على لسانه، أنه لا يكتب انطلاقا من ثيمة معينة، وإنما من جزئية أو حادثة عابرة استقرت في ذهنه وولّدت خطابها وسلوك أصحابها.

والمنطلق هنا كان مشهد زوجين مسنين، أبصرهما من شرفة فندق يوم زفافه يعبران الطريق بصعوبة، وهما يتكئان على بعضهما البعض كعكازين، ما يوحي بأنهما قضيا سنين طويلة جنبا إلى جنب، حتى لم يعد أحدهما قادرا على أن يستغني عن الآخر، هو مشهد جميل وحزين جدا في الوقت نفسه، “فكرت في حكايتهما في وجه من الوجوه، فرويتها في قبل الرحيل”، يقول فلوريان زيلر.

16