فناء الدنمارك والعالم على مسرح باربيكان اللندني

الأحد 2015/11/01
هاملت: هذا العمل سيبقى خالدا عبر عصور، يتيح لكل ثقافة ان تكتشف هاملت الذي يعبر عنها

ربما لم أكن الوحيدة التي تولاها الفضول لاكتشاف كيف سيتعامل النجم السينمائي البريطاني بينيديكت كامبرباتش، المعروف بنرجسيته وتأففه الشديد، مع تهافت “هاملت” وقلة حيلته والحرب تدق أجراسها في مسقط رأسه. على مسرح باربيكان اللندني نتفرج على كامبرباتش والممثلة الإنكليزية أنستيجيا هيل وهما يقومان ببطولة مسرحية شكسبير الشهيرة “هاملت”، والمسرحية من إخراج البريطانية لينزي تيرنر، الفائزة بجائزة لورانس أوليفيه، وإنتاج شركة سونيا فريدمان.

تدب حوافر الخيول على أرض الدنمارك، وتحت أنين الصراعات العائلية تتفتت الجبهة الداخلية. كان أميرها هاملت مشلول النفس والقلب، هائما في تردد التائه، مرغَما عقب مقتل أبيه على أن يوقع على الجاني مثل ما جنى. ولعجزه عن القصاص يطيح به الحنق فيغيب عقله رويدا رويدا في متاهة الضياع.

القصة لا تخفى ولا ريب على قارئ. ما الذي أضافته إذن المخرجة إلى هذا العرض تحديدا؟ فهاملت بريطانيا قد يختلف عن هاملت الدنمارك أو هاملت الهند، وهاملت في عهد إليزابيث الأولى غريبٌ عن هاملت إليزابيث الثانية. ولعالميته إنسانية الطابع، يرنو كل مسرحي، سواء كان كاتبا أو مخرجا أو ممثلا، إلى هاملت رنوة متفردة كل التفرد. وجديرٌ بأيّ امرئ أن يشكّل هاملته الخاص العصي على التعريف. يستقيه من بين ألف وخمسمئة سطر كتبها شكسبير عن الشاب الملحمي أو على لسانه.

هل تفسد السينما المسرح؟

إنها ليست قاعدة بأيّ حال، ولا ينبغي لها أن تسود لتصير حقيقة، ولكن قراءة الواقع تفرض علينا الاعتراف بأن نجوم الصف السينمائي الأول يفسدون ببساطة المسرح. يقال إن تذاكر هذه المسرحية كانت الأسرع نفادا في تاريخ المسرح البريطاني. ولا عجب، فالبطل ترشح لجائزة أوسكار أفضل ممثل في العام الماضي عن دوره في فيلم “لعبة المحاكاة.” والأرجح أن الهوس بالنجم لم يبلغ أشدّه حين قام ببطولة مسرحية “فرانكنشتاين” عام 2011، والتي حاز عن دوره فيها جائزة أوليفيه المرموقة.

وكما هو متوقع، ورغم دعاية هستيرية نظمتها شركة الإنتاج، لم يحسن كامبرباتش تعرية ذاته، وجاء أداؤه في بعض المواقف متحجرا ينزع إلى الكبت، خاليا من الكثير من التلقائية. فضلا عن أنه يجسد هاملت وهو في التاسعة والثلاثين من العمر! على حين كان هاملت الأول، الإنكليزي ريتشارد بيربيدج والمختار من قبل شكسبير شخصيا، في ريعان الشباب.

رغم دعاية هستيرية نظمتها شركة الإنتاج، لم يحسن كامبرباتش تعرية ذاته، وجاء أداؤه في بعض المواقف متحجرا ينزع إلى الكبت، خاليا من الكثير من التلقائية

مانحون قساة

يستهل النجم الأول على الدوام العرض بدلا من شبح الأب الشهير المتجلي في نوبة الحراسة. وإلى جانب كامبرباتش، تتضاءل أدوار الآخرين، ولا سيما الحبيبة أوفيليا التي لا تتألق إلا في مشهد عتابها لهاملت، “العطايا النفيسة تصير زهيدة لمّا يصبح المانحون قساة”.

يلاقينا هاملت في البدء مستمعا إلى أغنية “صبي الطبيعة” من ألبوم “عالَم نات كينج كول”، منطلقة من فونوغراف، “كان هناك صبي، صبي مسحور غاية في الغرابة. يقولون إنه هام بعيدا جدا، بعيدا جدا، فوق الأراضي والبحار. يعتريه الخجل ويساور عينيه الحزن، ولكن حكمته لا مزيد عليها”.

وهنا يبدو العرض كما لو كان مسرحية موسيقية من مسرحيات غرب لندن. إنها إيماءة مغتصَبة من السياق، تحاول بها المخرجة أن تسبغ قسرا لمسة معاصرة على المسرحية. الحق أن العرض يحوي قصا ولصقا من حقب مختلفة. حينما يصل إلى لايرتيز الخبر بأن هاملت قتل أباه، يعقد العزم مدفوعا بمرارة الانتقام، “سأذبحه ولو كان يصلي في كنيسة”. يتقاتل الاثنان بسيوف عتيقة قتالا سينمائيا خاطفا لا تشوبه شائبة غير أننا نبصر أوفيليا في مشهد تال تستخدم كاميرا حديثة. والممثلون في مشاهد أخرى يرتدون أزياء عسكرية خليقة بالحرب العالمية الثانية، ولكنهم في الوقت ذاته يلقون شعرا شكسبيريا بليغا كما ينبغي للأولين.

هلاك الدنمارك

يصل هوريشيو ليحيي هاملت فترتطم عيناه به يشم بأنف مشتاق رائحة تتطاير من ثياب أبيه. يتنازع الأميرَ الألمُ على زواج أمه من كلوديوس، عمه وقاتل أبيه. ولكن هذا الأمير المتلفع بالخسارة لا يتفجع على ضياع براءة الطفولة مثلما ودّ له شكسبير، بل يجول ويصول على خشبة المسرح في نوبة من التباهي الزائف، شاهرا سيفه في ثوب المقاتل ومتظاهرا بالجنون.

هاملت الهائم بقلب عليل وجنون مزيف

وكما يقول النص الأصلي: ينخرط هاملت في سلسلة من المناجاة الملتاعة. وعندما يباشرها، يدنو منا ويخاطبنا العين في العين بكلمات نافذة فيما يقبع الآخرون في شبه عتمة وينقلبون أشباحا تتحرك بالتصوير البطيء. يظهر شبح الأب أخيرا، شخصية كارتونية بدهان أبيض يشوّه وجهه، فيتبدى أشبه بممثل شرير في مسرحية إيمائية.

وبدلا من التركيز على مناجاة “أكون أو لا أكون” الشهيرة، وهي الدرك الأسفل من تراجيديا الوجود، تنحو المخرجة تيرنر منحى سياسيا، يصطبغ بشيء من الكوميديا المقحَمة هنا وهناك، تاركة نفسية هاملت المتهدمة وولولته على ذاته مسؤولة عن عروض أخرى. تُشدد على مأزق دولة لا معين لها وأميرها -قائد الصفوف الأولى كما هو مفترض- يحاور نفسه الجريحة، “تتجلى العناية الإلهية في سقوط عصفور”.

تتناقض حالة التعالي الأولى مع حالة جنونية ثانية عندما يباغتنا الأمير في سترة بلون أحمر صارخا، وهو يتقهقر خائفا داخل دمية على شكل قلعة. اللافت أنه تزيّا بزي جندي، هل توحي المخرجة بأن جنود الدنمارك على وشك خسارة القتال الدامي جراء جبنهم وانفصالهم عن الواقع؟ وحين يقرر الأمير أخيرا الخروج من مكمنه الطفولي، يضرب بيد آلية طبول الحرب في مشهد هزلي، وعلى الأثر يزحف العساكر كالجحافل صوب أرض المعركة في مسيرة كوميدية وكأنهم بيادق.

الخراب رغم الفداء

لا يلبث الأمير أن يستعيد روح المقاومة والفداء “لا يسعك يا سيدي أن تسلب مني أيّ شيء لن أتخلى عنه طواعية: عدا حياتي، عدا حياتي، عدا حياتي”. ولكن الحرب نفسها تفضح هاملت وجنونه المزيف. من كان ليلتفت إلى أمير مشوش العقل والأمة في خطر؟

"فليكن" هكذا يقول هاملت مرارا بسهولة لا تخلو من لامبالاة إنها تذكرة صغيرة من تاريخ الأدب بأن الالتفات عن كرسي الحكم وشواغله قد يودي بأمة ويطيح بجيل كامل بريء

إن العالم بأسره على شفا هوة الخراب، والدنماركيون يتأهبون لخوض الحرب ضد النرويج، متأرجحين بين بصيص الأمل ووطأة الهزيمة المرتقبة. وخلال دقائق معدودات، تفاجئنا على المسرح ساحةُ حرب كاملة حامية الوطيس، لا تنقصها الخرائط أو آلات كاتبة تطقطق بلا هوادة.

وهنا يبرع مصمم المسرح إس ديفلين في خلق استعارة بصرية لدمار الدنمارك. يبهرنا في البداية بخشبة مسرح فسيحة، وصالة مهيبة كصالات الرقص الفيكتورية بالبلاط الملكي، وسلالم سامقة تفضي إلى غرف مسكونة، وباب نتبادل من خلاله النظرات، مع رأس وعل محنّط، وأبواب طويلة تكاد تمرّر زرافة، وشرفة لولبية تؤدّي إلى ممرات صامتة وأسرار تأبى الستر، وثريا هائلة تهدد الواقف أسفلها بالفناء، وجدران بلون فيروزي تزدان بالسيوف، تطل منها صور الأجداد آية على زمن مهيب غابر، وتتراقص عليها أشباح قوطية ترعب الناظرين.

ولكنه بعد كل هذه الأبهة يحيطنا في ذروة الدراما بوابل من الخَبَث وتلال من الدبش في تجلٍ باهر لمؤثرات العرض البصرية والصوتية. وحين يحضر كلوديوس ليفصح عن نيته قتل هاملت، تتفجر كل الأبواب والنوافذ في مشهد تشبّهه الناقدة الإنكليزية هيلين لويس بأفلام المخرج الأميركي كوينتن تارانتينو!

إنه الدمار المنذر بنهاية أمة رفلت في الجلال طويلا ثم عانت من تيارات القلق ألوانا. أنجد بلدة إيلسانور تتقوض وتتهاوى أم أن قبور الجبانة المتعفنة بدأت تلتهم القلعة؟ قد تكون استعارة ثانية لما قد تخلفه العروش المزعزَعة من مكائد سياسية عندما يخطط الملوك قتل الأمراء، أو بالأحرى، عندما يخطط الحاكم قتل المعارضة. أو حين لا تعبأ المعارضة بما كان أو سيكون، “فليكن”، هكذا يقول هاملت مرارا بسهولة لا تخلو من لامبالاة. إنها تذكرة صغيرة من تاريخ الأدب بأن الالتفات عن كرسي الحكم وشواغله قد يودي بأمة ويطيح بجيل كامل بريء.

15