فناء منارات الإنسانية

مكتبات ومتاحف وقصور ومساجد ودور عبادة تعرضت على مر العصور للدمار جراء الحرائق والسيول، لا يوجد ما يثبتها من صور، كل ما هو مثبت محكيات عن جدل النار والماء.
الأحد 2019/04/21
النار تلتهم ذخائر الإنسانية وتحولها إلى ذكرى

حين اشتعلت النيران في كاتدرائية نوتردام بباريس تابع المشهد الملايين من المتفرجين عبر ربوع العالم، لم يصدقوا أن تلتهم السنة اللهب معلمة بدت، إلى آخر لحظة، عصية على خطوب الدهر، بعد حروب دينية وقومية وعالمية، وفتن وثورات، ظلت فيها الكاتدرائية ناهضة، مقاومة للشر الإنساني، وللصروف العابثة. تجلى السؤال المنبهق في أذهان الجميع على النحو التالي: لمَ حدثت الكارثة؟ وكيف؟ في بلد اصطنع لنفسه كل آليات الوقاية، والتأمين، والحماية المسبقة، لمكتباته ومتاحفه وصروحه المعمارية. اشتعلت النيران وكأنما في أي إسطبل بقرية من بلدان الجنوب الفقيرة، استدعى حينها الجميع حريق المتحف الوطني بريو دي جانيرو بالبرازيل الذي أتى على أزيد من عشرين مليون قطعة من التحف واللّقى الأثرية التي تخلد حضارة هذا البلد، لم يتبق منها شيء إلا بضع نيازك لأنها جبلت من نار ورماد. في غضون ذلك تابع المشاهدون خراطيم المياه تسعى جاهدة لمحاصرة النيران، وكأنما المياه ستبقي على شيء غير الحجر. فالماء والنار معا لهما الأثر ذاته على اللوحات والمخطوطات، كلاهما مدمر ومهلك وماح.

قبل قرون طويلة تناوبت النيران والمياه في مشاهد إعدام المخطوطات والتحف والصروح منذ حريق مكتبة الإسكندرية على عهد يوليوس قيصر، حين امتدت نيران السفن المحترقة بميناء الإسكندرية لتلتهم المكتبة، ولم تكن المياه بعيدة، لكنها كانت ممتنعة، ودون جدوى، بعدها نشأت أساطير ومرويات متعددة عن ولادات متجددة للمكتبة، واحتراقات متلاحقة، لا يوجد ما يثبتها من صور، كل ما هو مثبت محكيات عن جدل النار والماء. وبعدها بقرون أغرق هولاكو مكتبات بغداد في دجلة، لم يرد أن يهيل على قيض بغداد قَرًّا عاتيا لجهنم دنيوية، لن تستنفذ مكتبات بغداد قبل أن تأتي على المدينة برمتها، فكان الماء بديلا شافيا، بات لون دجلة أكثر سوادا بفعل الحبر، كما يذكر مؤرخو اجتياح المغول. ثم تواترت الكوارث والفيضانات والحرائق والحروب ونوازع الشر والكراهية التي أتت على متاحف ومكتبات وكاتدرائيات ودور أوبرا وقصور كبرى، من روما إلى حلب، ومن سراييفو إلى بغداد، ومن روما إلى القسطنطينية، ومن برلين إلى القاهرة، ومن قرطبة إلى شنقيط... ما تبقى من كل ذلك هو فقط نصوص التقطت الكارثة وصورت المحتمل أو ما يمكن أن يقع.

هكذا انصرفت أذهان عدد كبير من متابعي حريق نوتردام دوباري إلى رواية فيكتور هوغو ومحرقته المتخيلة، كان النص ذريعة لتخطي الواقعة، وإعادة رسم أثرها، عبر الاستشراف التخييلي، فللرواية القدرة على أن توحي بأن الثابت والحقيقي المسترسل في الوجود، شيء آخر غير ما تمثله الوقائع المتعينة، وأن العمران والمدن وما يستوطنها من صروح أليفة، هو ما يوجد هناك في الكتب، عبر مجازات وتمثيلات ورموز، تونع من باطن الحجر والطين والزجاج والخشب والمعدن، وأن الحسي منذور للفناء، لا مجن له من الماء والنار، وما تتخذانه من أقنعة متقلبة بتقلب أهواء الزيغ البشري، ونوازعه للبدء في كل مرة من قاعدة الخراب المستشري.

حريق مكتبة الإسكندرية
حريق مكتبة الإسكندرية

في العشرات من الصور يتوقف روائيون عرب وإسبان وآخرون من جنسيات مختلفة، عند تفاصيل محرقة مكتبات المورسكيين في غرناطة ما بعد سقوطها في يد مملكة قشتالة، من قبل الكاردينال خمينث دي سيسنيروس أحد رموز محاكم التفتيش، بعد أن تم تجميعها في سوق الحرير القديمة تحت باب الرملة، حيث أعدمت النار ما يفوق ثمانين ألف مخطوط من كتب الحضارة العربية بالأندلس، ويصف الروائي والمفكر البريطاني (الباكستاني) طارق علي، في روايته "ظلال شجرة الرمان" المحرقة المتخيلة بقدر غير قليل من الرغبة في قراءتها بعين الخراب المعاصر، المتشظي عبر ربوع العالم الإسلامي، يقول السارد في فقرة مضيئة من الرواية: "بعض المتفرجين كانوا في حالة من الأسف والحزن، وآخرون في حالة هياج شديد، عيونهم متقدة، ووجوههم يكسوها الغضب والتحدي؛ وآخرون ساكنون، تتمايل أبدانهم بلطف من هذا الجانب إلى ذاك، تكسو وجوهه تعبيرات خاوية جامدة. ظل أحدهم، وهو رجل مسن، يردد العبارة الوحيدة التي كان يمكنه التفوه بها في مواجهة الفاجعة: لقد غرقنا في بحر من العجز" (ص14).

كلمة "العجز" تحديدا هي ما يتخايل إلى الذهن والوجدان في كل اللقطات المشابهة المسترسلة في السيحان من "كابول" إلى "معلولا"، عجز جهنمي لا يجد له سبيلا لبُرء. ذلك ما تنطق به شخصيات نجيب محفوظ بصدد محرقة "دار الأوبرا" القاهرية، حيث يتحول فناء المعلمة النورانية إلى كناية عن انكسار إرادة، وإجهاض حلم جماعي التقطته عشرات النصوص الروائية والسيرية والتاريخية ما بعد نجيب محفوظ، حيث أضحى انمحاء دار الأوبرا الخديوية الأصلية علامة على نهاية القاهرة الكلاسيكية وما اتصل بها من قيم وطرز وأحاسيس وصور متغلغلة في خلايا الأذهان.

 هل باتت الذخائر عبئا على الإنسانية؟ قد يؤكد صدق هذا الافتراض اطراد الفقدان الإرادي أو القدري لمعالم الحضارة، كما قد يؤكده، إلى حد كبير، ذلك اللهاث اللاعج إلى تحويلها تدريجيا إلى كيانات صورية وعوالم افتراضية، من المكتبات إلى المتاحف إلى الكاتدرائيات والقصور والمساجد ودور عبادة اليهود والبوذيين، يبدو أن الهوس بالنار والماء، دفع البشرية بالتدريج إلى الاستغناء عن الشيء في حسيته، ومن ثم أضحى تداول صور اللوحات والمنحوتات والزخارف بدل أصولها الثمينة، وصور المواقع بدل المواقع الأثرية، وصور المخطوطات بدل رزم الأوراق القادمة من قعر الزمن، وصور الكتب بدل الكتب،... قبل أسابيع قليلة سألني الصديق عبدالسلام بن عبدالعالي عن نسخة من كتاب "النقد المزدوج" للمفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي في طبعة دار العودة ببيروت، فقلت له إنني متأكد أنني أمتلك النسخة لكن لم أعثر عليها في مكتبتي، فكان رده "يبدو أن المكتبة اليوم لم يعد لها معنى".

10