فنانة تونسية تغني موسيقى العالم لأجل الإنسانية

عرض "في قلب المتصوف" للفنانة عبير النصراوي يعتبر رحلة في الموسيقى الصوفية في العالم الإسلامي، وقد تطلب بحثا كبيرا وانفتاحا على طرق الإنشاد الصوفي المختلفة.
الأربعاء 2018/04/04
مشروع فني متصالح مع الجذور

تونس- تقيم الفنانة التونسية عبير النصراوي منذ سنوات طويلة في عاصمة الأنوار باريس بعد أن أنهت دراساتها العليا في الموسيقى في جامعة الصوربون، حيث عرفت في الأوساط الفنية من خلال النمط الطربي الذي تقدّمه الموسوم باختياراتها الدقيقة لكلمات وألحان أغانيها، وضمن هذا التوجه قدمت النصراوي أخيرا عرض “قلب المتصوف” في العاصمة الفرنسية باريس، وهو عبارة عن رحلة في الموسيقى الصوفية في العالم الإسلامي باختلاف تلويناتها، وفي نفس الوقت عرض يحاول أن يراوح ويزاوج بين عدة أنماط موسيقية متوسطية وعالمية.

وقدمت الفنانة التونسية العديد من الحفلات في أشهر المسارح والمهرجانات العربية، وخاضت تجارب موسيقية ثرية اختصرتها في ثلاثة ألبومات هي “هائمة” و”طربيات” و”قلب المتصوف” الذي استمدت منه عنوان عرضها الباريسي الأخير والذي لقي نجاحا وتفاعلا كبيرا من الجمهور الأوروبي، وكان مناسبة لهذا اللقاء مع “العرب”.

 

تعيش الفنانة التونسية عبير النصراوي الفن بعشق ومحبة، وتعتبر الموسيقى فلسفة حياة وتفكيرا في الكون وتأملا في الوجود وتعمقا في النفس البشرية، قبل أن تكون مجرد طقوس وأصوات وغناء، لذلك فلا غرابة أن يأتي عرضها “في قلب المتصوف” الذي قدّمته مؤخرا في باريس حاملا لكل هذه القيم النبيلة من حب وتسامح ونداء للخير والجمال والفن الأصيل

وعن بدايتها الموسيقية، تقول عبير النصراوي “حكايتي مع الموسيقى والغناء بدأت منذ الصغر، حيث ولدت في عائلة فنية مولعة بالغناء والإبداع عموما، وفي سهراتنا العائلية كنا نردّد الأغاني الطربية، ولذلك كله كان تأثري واضحا بهذه الأنماط الموسيقية الطربية الأصيلة، وكانت بداياتي طربية”.

ومع إقامتها في باريس تطوّرت ذائقتها الموسيقية وتغيرت نظرتها الفنية، حيث ازدادت تشبعا بموسيقات جديدة اكتشفتها لأول مرة، خاصة بعد تعمقها في الموسيقى من خلال المرحلة الثالثة التي درستها في الصوربون، فاختارت النصراوي اختصاص موسيقى الشعوب، وتقول “كانت حقا تجربة فريدة عرفت فيها قيمة الموسيقى الشعبية للشعوب، والتي تعتبر ترجمانا صادقا عن الوجدان الجمعي وتحمل داخلها ثراء كبيرا لا حدود له”.

عن عرضها الباريسي الأخير المعنون بـ”في قلب المتصوف”، تقول عبير النصراوي “تفاجأت حقيقة بردود فعل الجمهور التي وصلت حد البكاء والدموع والخشوع تفاعلا مع العرض وكلمات الأغاني التي تحمل بعدا صوفيا روحيا رمزيا، رغم أن الكثير من الجمهور الأوروبي الحاضر لا يفهم اللغة العربية، ولكن المناخ الصوفي الشرقي والأحاسيس الصادقة، جعلت هذا الجمهور يتفاعل تفاعلا كبيرا بالتصفيق والإنصات الجيد، وهذا أسعدني كثيرا وأنساني التعب والجهد الكبير الذي بذلته وأنا أحضر لهذا العمل الذي تواصل تحضيره لمدة ستة أشهر”.

وعرض “في قلب المتصوف” عبارة عن رحلة في الموسيقى الصوفية في العالم الإسلامي، وقد تطلب من الفنانة التونسية بحثا كبيرا وانفتاحا على طرق الإنشاد الصوفي المختلفة في اليمن والجزائر وتونس والسعودية ومصر وسوريا وتركيا، فضلا عن الألحان والإنتاج الخاص للفرقة ورفيقها في هذا المشروع الفنان التونسي مفضل عظوم المقيم في بروكسل.

وفي العرض الموسيقي اشتغال على كلمات للحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وعدة شعراء آخرين، وتضيف النصراوي “كانت للكورال المصاحب لي إضافته، خاصة مع تمازج الجو والغناء الكنائسي والنفس الصوفي، وطبعا كل ذلك كان مقصودا وهو يعبر عن مشروعي الذي يجمع بين ضفتي المتوسط وبين عدة أنماط موسيقية متوسطية وعالمية، خاصة وأن الموسيقى تستطيع أن توحّد ما تنفّره السياسة وتقرّب بين الشعوب، فقلب المتصوّف العاشق يحمل داخله كل التسامح وحب الكون”.

وتعترف النصراوي أن فكرة عرضها الباريسي الأخير ولدت بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في أوروبا، وبعد الخوف والاستفزازات التي صارت تتعرّض لها الجاليات العربية الإسلامية التي تعيش في أوروبا، وتقول “أنا كفنانة أردت هذا العرض كرد فني إبداعي على هذه الهجمات والصورة السيئة التي تخلفها عن الإنسان العربي في الأوساط الأوروبية الغربية”.

هو إذن لقاء الحب والتسامح والتحدي والنداء للخير والجمال والفن الأصيل الذي له تأثيرات إيجابية على المتقبل، إذ لا تنسى الفنانة والأكاديمية التونسية ما قاله لها أحد الحاضرين الفرنسيين الحاضرين في عرضها، “شكرا لأنك صالحتنا مع كلمة الله أكبر”، والتي كانت تُردّدها في الإنشاد والعرض أكثر من مرة.

"في قلب المتصوف" يمازج الجو والغناء الكنائسي بالنفس الصوفي، ليحكي ضفتي المتوسط ويصالح بينهما عبر الغناء

وتضيف “خاصة مع ما باتت تمثله هذه الكلمة من سوء فهم بعد استعمالها من قبل الإرهابيين في التفجيرات، ومثل هذه الكلمات هي أكبر هدية لي وأكبر دليل على النجاح، ولو كان بسيطا، في استقطاب الآخر والإنسان الأوروبي وإفهامه المعنى العميق للحضارة العربية الإسلامية وقيمة إبداعها الشعري وثراء موروثها الثقافي، هذه هي رمزية العرض ورسالته الفنية والإنسانية القريبة والبعيدة”.

حول مغبة تصنيفها كفنانة نخبوية، وهي التي تحرص على البحث والتدقيق والاجتهاد في الألحان والكلمات، تجيب النصراوي “بعيدا عن كلمات من قبيل نخبوية أو شعبوية، أنا أعتبر نفسي فنانة وكفى، فنانة بكل ما تحمله هذه الكلمة من رقي ووعي ورسالة نبيلة، لذلك تراني أذهب إلى عمق الإحساس وأحرص على اختيار ألحان وكلمات أغاني بكل دقة”.

والفن عند الفنانة التونسية المقيمة في فرنسا، هو تفاعل واحترام متبادل ووعي بما تقدّمه، ومن هنا تفرح حينما يحضر في حفلاتها جمهور قليل العدد، ولكنه “جمهور مثقف وواع وينصت جيدا، عوضا أن يأتيني جمهور غفير يحب الرقص والترفيه ولا يحسن الاستماع، الفن هو الرقي والروح والعمق والصدق وهذا ما اخترته عن اقتناع وسأبقى أراهن عليه إلى آخر رمق في حياتي”.

وتسعى عبير النصراوي في مسيرتها الفنية إلى السير بكل تؤدة وبخطوات متوازنة، حيث تحرص على تأسيس مشروع متكامل عبر الاجتهاد والنضج من عمل إلى آخر، معتبرة أن التطوّر يأتي بتراكم التجربة والسعي إلى العمل بطريقة مختلفة وفريدة، فكل عمل يؤسس لما يليه.

ومع ذلك، تؤكد “لكنني لست في طور التجريب حتى وإن خضت تجارب فنية متنوعة مع فنانين عالميين من إسبانيا وفرنسا والأرجنتين، فكل هذا يطعّم تجربتي الموسيقية، ولكنه لا يمحو أثار مشروعي الخاص الذي ينمو ويتطوّر مع الأيام”.

16