فنانة غافلت الزمن وبقيت واقفة كسنديانة دمشقية

النجمة السورية منى واصف تعتبر أن فيلم "الرسالة" سيعيش مئة سنة أخرى بعد ترميمه وإعادة عرضه سينمائيا.
الأربعاء 2018/09/12
"الهيبة".. أحدث أعمال واصف الدرامية

النجمة السورية منى واصف، غافلت الزمان وبقيت واقفة كسنديانة دمشقية، ففي مسيرتها المئات من الأعمال التلفزيونية والعشرات من الأفلام السينمائية، إلاّ أن دورها (هند بنت عتبة) في فيلم “الرسالة” للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد، شكّل انعطافه هامة في مسيرتها كممثلة، واليوم وبعد أربعين عاما على إنتاجه، يتم ترميمه وإعادة عرضه سينمائيا، “العرب” التقت منى واصف بمناسبة إعادة عرض الفيلم، للحديث عن دورها فيه بشكل خاص، وعن أعمالها بشكل عام.

دمشق – في المنزل الأنيق الذي تعيش فيه الممثلة السورية منى واصف بدمشق، هناك لمسة فنية ما، مليء هو بالجوائز التي حفلت بها، وبصورها الفوتوغرافية عن أعمالها التي أحبتها وافتخرت بأنها كانت جزءاً منها، تتوسطها صور خاصة بفيلم “الرسالة” تجمعها مع المخرج الراحل مصطفى العقاد، الذي تلقبه بالشهيد.

تقول منى واصف عن إعادة ترميم وعرض فيلم “الرسالة”، “صراحة وخلال الأربعين عاما الماضية، لم أبتعد البتة عن الفيلم، لأنه كان يُعرض بشكل دوري على القنوات التلفزيونية العربية، وخاصة في يوم وقفة عرفة، ولكني سعدت جدا مؤخرا حين تم عرضه على قنوات الـ”أم.بي.سي” المملوكة من قبل السعودية، بنسختيه العربية والأجنبية بشكل متزامن، تلك العروض بمجملها، أرى أنها أعطت العقاد حقه كسينمائي”.

وتتابع “أما عن إعادة عرضه بشكل سينمائي في كل من لبنان وسوريا، فقد أشعرني بإحساس منقطع النظير، فرغم أنني كنت أشاهد نفسي في الفيلم عبر بثه على شاشة التلفزيون، لكن في الحقيقة للسينما سحرها الخاص، خاصة وأنا أشاهد نفسي بكامل عنفواني، كفارسة على الجواد، تلقي الشعر، أو ضمن مشهدي (غزوة أُحد وكبد حمزة)، وكأنني لأول مرة أحصد نجاحي عن هذا الفيلم، الذي طالما اعتبرت دوري فيه نعمة من رب العالمين لأكمل حياتي الفنية، كما سعدت وأنا أسمع الجمهور معلقا داخل القاعة كم كانت منى واصف جميلة وصغيرة، شعرت حينها أن الزمن ما زال يقدّم لي الأشياء الجميلة، وأعتقد أن هذا الفيلم بعد ترميمه سيعيش مئة سنة أخرى، كما الأفلام الهوليوودية الكبيرة، على غرار فيلم ‘ذهب مع الريح’ الذي لم يمت حتى الآن”.

سيدة نفسي

منى واصف لا تعتبر نفسها نجمة، بل اختارت أن تبقى ممثلة، مبررة ذلك بأن النجمة، وكما هو متعارف عليه، تنطفئ بعد أن تكبر
منى واصف لا تعتبر نفسها نجمة، بل اختارت أن تبقى ممثلة، مبررة ذلك بأن النجمة، وكما هو متعارف عليه، تنطفئ بعد أن تكبر

رغم أن منى واصف لها باعٌ طويل في الدراما السورية أو حتى العربية، سواء من خلال التعاون مع مصر سابقا أو لبنان حاليا، إلاّ أن ما حقّقته من شهرة في السنوات الأخيرة يفوق ما حققّته في شبابها بمراحل، وعن سبب ذلك، تقول “إنها التكنولوجيا وكثافة القنوات الفضائية، التي ساعدت على انتشار الدراما بشكل واسع جدا، حتى في بلاد المغترب، ففي أحيان كثيرة يخبرني ابني عمار عمّا يكتب عني في الخارج، وأشعر بالفخر”.

ولكن كيف تستطيع الفنانة منى واصف أن تستحضر مشاعرها وأحاسيسها في أي دور تلعبه، ومهما اختلفت لهجته، خليجيا كان أو مكتوبا بلهجة سورية محلية، أو حتى لو كان ناطقا باللغة العربية الفصحى، كما في الأعمال التاريخية، فتقول “ساعدني على ذلك بداية امتلاكي لأذن موسيقية، فحين كنت في فرقة ‘أمية’ في الدبكة، أخذت دروس في الكورال، ومن ثمّ عملي كممثلة في المسرح القومي لسنوات وبشكل يومي، حيث لعبت العديد من الشخصيات مع مخرجين مسرحيين مختلفين، أكسبني الخبرة الكبيرة والتقنية العالية التي استغلها اليوم في عملي كممثلة تلفزيونية، ثم إن الشغف الكبير الذي أكنّه للتمثيل كمهنة، ساعدني أيضا، فأنا لم أغيّر مهنتي يوما، لأصبح مثلا كاتبة أو مخرجة أو حتى منتجة، واكتفيت بهذا التخصّص الذي شغفت فيه”.

وتضيف “في الحقيقة أنا أمثّل وأنا أتناول طعامي، وأنا أسير في الشارع، حتى أنني لا أستطيع قيادة السيارة، لأنني غالبا ما أكلّّم نفسي، أحب أن أرصد بشكل يومي تصرّفات الشارع، فأنا لا أعيش في برج عاجي، هذا الرصد غالبا ما يشكّل في داخلي مخزونا، استفيد منه أثناء أدائي لدور ما، وهو تماما ما يتحدث عنه ستانسلافسكي في كتابه “إعداد الممثل”، وفي النهاية لا أستكين لأي نجاح حقّقته، ولم أعتبر نفسي في يوم من الأيام نجمة، بل اخترت أن أبقى ممثلة، لأن النجمة وكما هو متعارف عليه عالميا تنطفئ بعد أن تكبر”.

وواصف لم تخف من تقدّم العمر، ولا حتى من خطوط الزمن على وجهها، بقيت كما هي دون أي رتوشات، فثقافتها المسرحية حمتها من ذلك الخوف الذي يؤرق معظم فناني اليوم، لم تنحن قامتها مع تقدّم السن، وهي إلى جانب كونها ممثلة من طراز رفيع فهي سيدة أعمال نفسها، إذ تقول “حين توفي زوجي المخرج محمد شاهين في العام 2004، خفت كثيرا، وشعرت أنني أصبحت وحيدة، ولكنني تأكدت لاحقا أنه لم يتغيّر شيء في حياتي، فزوجي كان مشغولا بمسؤولياته كمدير عام ومخرج، وابني لطالما كان مسافرا، شعرت أنني شركة بحد ذاتها، ممثلة تدير شؤونها الفنية وتختار نصوصها، وتوقّع عقودها وتسافر بمفردها، أنا اليوم مجموعة سيدات في سيدة واحدة”.

أنسنة النص

في عملها الأخير، “الهيبة” بجزأيه الأول والثاني، والذي سيتبعه في رمضان 2019 الجزء الثالث، لعبت منى واصف، دور أم جيل السيدة القوية القاسية، التي تتحمل مسؤولية عائلتها بعد وفاة ربّ الأسرة، توقفنا معها عند أكثر المشاهد تأثيرا وحضورا، وهي اللحظة التي كانت تناجي فيها زوجها في لحظات نزاعه الأخير، وعن كيفية التحضير لهكذا مشهد مؤثر، يختزل جزءا كبيرا من علاقة ذلك الأب اللبناني بتلك السيدة السورية، التي تركت الدنيا لتجلس بجانب زوجها وعشيرته، فتقول “قمت بعمل بروفة وحيدة للكاميرا كانت بنصف إحساس، بينما صوّر المشهد كاملا ولمرة واحدة فقط، في الحقيقة، عادة، وقبل أن أقف أمام الكاميرا في هكذا مشاهد صعبة، أكون قد قرأتها مئات المرات، بل وأكتبها، كما يفعل طلاب المدرسة حين يحفظون دروسهم، وأحيانا كثيرة أستحضر المشهد في نومي، وحتى في الشارع أو في السيارة، كما أحاول أنسنة الجمل لتشبهني، ولتخرج مني بسلاسة، لدرجة أن البعض يعتقد أنني أرتجل، وهذا طبعا مستحيل، فكيف لي أن أرتجل وأنا سأسلم زميلي دوره؟”.

وتعترف منى واصف أن عملها كممثلة مسرح ساعدها كثيرا، وتضيف “نحن في المسرح نتدرب لـ3 أو 4 أشهر متواصلة، لكي نقدّم عرضا مسرحيا، كل ذلك التحضير يجعلني أذهب للدور بشكل متكامل، وبالتالي وحين أصل للكاميرا أكون على أتمّ الاستعداد لأداء المشهد، من حيث الحوار والإحساس”.

16