فنانة لبنانية تجعل من الفراغ سيدا على اللوحة

التشكيلية اللبنانية هبة كلش تقدم معرضا بعنوان “ليموناضة كل شيء كان لا نهائيا” المستمد من الفكر الكافكوي، وقد تضمن مجموعة من اللوحات الكبيرة الحجم والمشغولة كلها بمادة الأكريليك على الورق والقماش، لتنتج آثارا فنية مفككة.
الجمعة 2018/06/22
حبات مطر لن يكتب لها أن تجف

بيروت – تستعمل هبة كلش تقنية التفكيك في معرضها البيروتي الأخير المعنون بـ”ليموناضة كل شيء كان لا نهائيا”، وهي تقنية ساقت الفنانة اللبنانية إلى معاني نصوص انتقتها وإلى تجلياتها بصريا على السواء، وهي السمة الأبرز في أعمالها التي تشي بحتمية التخلي، تخلي الفنانة، عن تقديم أدنى تفسير أو معنى ثابت في عالم كل ما هو عابر بألوانه الذائبة والمُجعدة تحت قيظ شمس تتلف أكثر مما تضيء.

وللوهلة الأولى تذكر أعمال الفنانة زائر معرضها بقاعة “أجيال” البيروتية بأجواء الفن الياباني، حيث تتبرعم بتيلات أزهار الكرز بشفافيتها وبساطتها، وحيث يعمّ هدوء قدري، ويستقر الفراغ سيّدا في أكثر اللوحات شحنا بالتفاصيل، ثمّ لا يلبث الزائر إلاّ أن ينتبه إلى نمو أغصان دقيقة لأشجار مجهولة المغرس تظهر متقصّفة الفروع في بعض اللوحات، بينما تمتدّ بعيدا حتى تمّحي هيئاتها عند نهاية مطافها المُتعرج في لوحات أخرى.

كما يكتشف زائر المعرض أغصانا متهدجة تشتد وتخفت حدة لونها، وتلتف على ذاتها صعودا وهبوطا وانبساطا، كما قد تفعل كلمات مكتوبة بقصبة بالغة الدقة وهي تتهادى على علو بسيط فوق أسطر مُعلقة في فراغ أبيض، وكأنه في انتظار ولادة معنى ما، يودّ لو يلتحف بتبدل تشكلاتها.

ثم تبدأ أمام الناظر إلى اللوحات الأشكال المرسومة في أخذ هيئات لخطوط مكتوبة ومُشبعة، وكأنها بمعان سرية تكاد الفنانة ذاتها لا تفقه بالتمام معناها، فهبة كلش تعيش في نصها الفني كمن يسير مُتحسسا طريقه ومرتميا دون تردد، حينما تجيء المناسبة في موضع ما باللوحة، لينهمك في تطوير واستنبات هيئات “غير مؤكدة” تعيد إدخاله في متاهات يأمل أن يخرج منها بمعنى ثابت وإن سطع وحيدا في أرجاء اللوحات.

تنعقد في معظم لوحات الفنانة تشابكات والتفافات تتداخل فيها الألوان كالشرائط الدقيقة لتشبه ملاجئ كونية تستدير بدخانها الكثيف، أو تشبه منافي مرحلية نبعت كالصلصال من أرض زراعية قبل أن يتم حرثها.

مناف تؤمن للفنانة ما يكفي من الدفء كي تستقر فيها، أو يستقر فيها خطها/ رسمها ويستكين إلى حين قبل أن ينفذ من جديد بتحولاته إلى فضاء لوحاتها.

وما الغرابة في الارتماء بشقاق المعاني وألوانها وصورها المُحتملة عندما تنطلق الفنانة من مبدأ أن كل شيء كائن في نهائيته؟ لا تتوانى كلش عن القول بأنها بالرغم من الدراسات المعمقة والمطولة عن ماهية وكيفية تحويل نصوص روحانية، انهمكت طويلا في قراءتها وتحليلها بغية ترجمتها إلى أشكال مرئية، لم تنجح بعد في تشكيل البصريات التي لا تجسد فقط النصوص، بل تضيء على جوانبها الغامضة.

لوحات الفنانة أشبه ببرك ماء بالغة الشفافية ترى من خلفها تفاصيل لحياة مجهرية مشفرة وفائقة الاختلاط والتكاثر
لوحات الفنانة أشبه ببرك ماء بالغة الشفافية ترى من خلفها تفاصيل لحياة مجهرية مشفرة وفائقة الاختلاط والتكاثر

عنوان المعرض “ليموناضة كل شي كان لا نهائيا”، هو من أحد الجمل التي كتبها الروائي فرانز كافكا في نهاية أحد مؤلفاته، وهي جملة تليق بمعرض يستعرض شتات الأفكار والكلمات التي لا تلتئم مع معانيها إلاّ بشكل ومضات لونية/ خطّية تتمدد لتتشرذم حينا وتتقوقع على ذاتها حينا آخر، فتشبه بذلك أعشاش عصافير مهاجرة لا تعرف تماما إلى أين الرحيل.

وفي الكُتيب المرافق للمعرض يعثر القارئ على القول التالي للفيلسوفة كلاريس ليسبيكتور يكاد يختصر سمة أساسية تميز جميع لوحات الفنانة، وهي اصطباغها باللون الوردي وروحيته على الرغم من وجود ألوان غيره في لوحاتها.

وتقول الفيلسوفة “عندما نكون عاشقين، نحن في العذاب وتحت تأثير غواية اللغة، والشك بصدق من نحب.. ويغذي الشك بمصداقية اللغة التي نستخدمها في التعبير عن حبنا، وعن ذاتنا وعن كينونتنا، يغذي الأمل والشوق والانجذاب إلى متاهات الدال والمدلول اللانهائية”.

ينتشر جوّ من الشاعرية الوردية في مدى لوحات هبة كلش التي تتميز في معظمها بشفافية تذكر الناظر إليها بأن كل حضور هو زائل وكل معنى له هو في طفولة تحولات دائمة، لذلك لن يخلو قطعا من حلاوة وصفاء، وكأن الفنانة بلوحاتها تقول “كونوا عابرين عميقين، ولكن ملوحين بوردية أحلام سيّان إن كان من الممكن أو من المستحيل تحقّقها”.

وتنحو معظم أعمال الفنانة نحو صوفية خاصة جدا لا يغلبها التقشف، بل العكس.. أعمال تغص بتجمعات لبراعم الأزهار والورود وغبار الطلع ونثار من خيالات لأعشاب حادة الأطراف وما يشبه تبلورات حبات مطر لن يكتب لها أن تجفّ، لأجل ذلك ربما تبدو مجمل لوحات الفنانة أشبه ببرك ماء بالغة الشفافية ترى من خلفها تفاصيل لحياة مجهرية مُشفرة وفائقة الاختلاط والتكاثر، حيث تنبت على سطحها كما تنبت أزهار اللوتس، مجموعة أزهار بلون وردي.

وبإمكان زائر المعرض أن يتفرج على هذه اللوحات/ البرك بالقدر الذي يشاؤه، يمكنه التمعن بدقة التفاصيل الأقرب إلى أبجدية سرية مُشبعة بتساؤلات وجودية عمّقت من الغموض حدّ الإبهام بدلا من أن تخفف من وطأته، ولكن ليس بإمكانه الاقتراب منها للتحقق من مصداقيتها لأنها ستندثر سريعا كسراب.

17