فنانة لبنانية تضيء بزيت اللوحة أشجار الزيتون

التشكيلية اللبنانية تغريد درغوث تشيّد نصين متراصفين استحضارا لروح الشجرة المقدسة.
الجمعة 2018/10/12
تأويل مفتوح على كل الاحتمالات

المعرض الذي تقدمه صالة “صالح بركات” في بيروت للفنانة التشكيلية اللبنانية تغريد درغوث تحت عنوان “تشابه مع الحياة الإنسانية”، قد يكون من المعارض النادرة جدا التي تمنح المُشاهد الفرصة لأوسع تأويل دون أن تتيح له الوصول في تأويله إلى نقيض ما أرادته الفنانة، معرض في نفس السياق يعرض على المُشاهد إمكانية قراءته عبر خطين متراصفين قراءة تخلخل من أحادية اتجاه السياق الزمني، فما هو قبل قد يكون بعد، وما هو الآن يُمكن أن يكون غدا.

بيروت – تضع الجولة الأولى في المعرض المقام حاليا بصالة “صالح بركات” البيروتية المُشاهد في جوّ درامي بنت الفنانة اللبنانية تغريد درغوث فصولا له في أكثر من معرض سابق، ثم ما تلبث الأعمال أن تظهر متصلة ببعضها البعض مُتيحة للمشاهد قراءة بصرية مُستفيضة تُمكّنه من أن يبني من خلالها نصه الخاص ومنطق إدراكه للمحركات التي كوّنت أفكار الفنانة حتى مرحلة التنفيذ الفني.

لا تنفع قراءة أعمال تغريد درغوث منفصلة عن بعضها البعض لاستشفاف المعاني المُساقة بأسلوب التعبيرية الجديدة، إذ تشكل هذه المجموعات من اللوحات التي عنونتها بـ”تشابه مع الحياة الإنسانية” (عنوان المعرض)، محطات يُمكن للمُشاهد أن يعود إليها ويخربط سياق حضورها في مسار زمني موشوم بالغموض، وتبقى هذه القابلية للعودة والتقدم في أرجاء المعرض قائمة بين مجموعة اللوحات حتى يستقيم النص في عقل المُشاهد.

بلغ عدد الأعمال المعروضة 100 لوحة تراوحت ما بين العشرين سنتيمترا إلى الثلاثة أمتار، وهي موضوعة ضمن 5 أو 6 مجموعات، من بينها مجموعة الجرافات والحفارات، ومجموعة مفرمات اللحوم، ومجموعة الجماجم البشرية ومجموعة أشجار الزيتون ومجموعة جذوع أشجار الزيتون المقطوعة.

وقد يرى الزائر للوهلة الأولى تلك المجموعات من اللوحات على أنها تتحدث عن التدمير والموت وتسير جميعها في مسار أحادي الاتجاه، ولكن بعد فترة يبرز مسار جديد، مسار “عُمقي”، إذا صح التعبير، حيث تتصدر أشجار الزيتون النابضة بالحياة المحور ولتلتف من حولها المجموعة التي تجسد الأشجار المقطوعة، ويدور حول الأخيرة بقية المجموعات التي تضم أدوات وآلات العنف المُحاصرة بقطع اللحوم المُتدلية من أعلى اللوحات أو المتوسطة فيها.

بعد مرور اللحظات إضافية، قد يجد المشاهد ذاته مدفوعا وبشدة لتشكيل معنى متشعب الآفاق، هو على الأقل، لن يتنافر مع فكر تغريد درغوث لكل من عرفها عن كثب، ولعل ما يُطرح أو يُحكى في السنوات الأخيرة بشكل بارز عن مشروع السلام والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي يجد مساحة فنية واسعة له تحت ظلال أوراق الزيتون الفضية، تلك التي ظهرت وتلك التي سقطت من أغصان اللوحات دون أن تغيب هالاتها.

لن تُرى في المعرض أي لوحة عن أشجار الزيتون على أنها لوحة مشهدية/ طبيعية، لأن تغريد درغوث حوّلت أشجارها إلى أيقونات عندما أتاحت لها أن تحتل مساحة اللوحات الكائنة فيها، هي ليست بأشجار زيتون عادية بقدر ما هي أشجار “الصمود” التي لا زالت مُنتصبة، وتلك التي قام الإسرائليون بقطعها أو سرقتها باقتلاعها وزرعها في مستوطناتهم، تماما كما سرقوا حجارة المنازل القديمة ومعاصر الزيتون الأثرية الحجرية.

الأشجار من كلا النوعين التي شكّلتها الفنانة تغريد درغوث، ابنة صيدا وزيتون أشجارها، هي أشجار لا تموت “كثيرا”، لأنها أيقونات لبطولة الحياة والاستمرارية إلى جانب تكريسها للحقيقة العلمية التي تقول إن “قوة نظام جذور شجرة الزيتون هي التي يمكن أن تجدد نفسها على الرغم من الهرس والقطع”.

أشجار تغريد درغوث تتمتع بسلطة عجائبية ما وقدرة كامنة على اجتياز المحن، قدرة متمثّلة بجذوعها المُضاعفة الملتفّة على ذاتها كالزوابع، وإن خلت لوحات الفنانة من البشر فيمكن للمُشاهد استقراء وجوههم محفورة في تلافيف الجذوع ومنحنياتها.

أشجار الفنانة تتمتع بسلطة عجائبية ما وقدرة كامنة على اجتياز المحن
أشجار الفنانة تتمتع بسلطة عجائبية ما وقدرة كامنة على اجتياز المحن

إنها وجوه أصحاب الأشجار وأجدادهم الذين يحملونها في صميم كيانهم وذاكرتهم، ربما لأجل ذلك تبدو هذه الأشجار هادئة مهما حصل لها، هي شبيهة جدا بتلك التي قال عنها الشاعر الفلسطيني محمود درويش “شجرة الزيتون لا تبكي ولا تضحك، هي سيدة السفوح المُحتشمة”.

إن تمعنا في أساطير المنطقة والأشعار وفي الكتب السماوية الثلاثة التي انطلقت من المنطقة، سندرك مدى أهمية هذه الشجرة المُعتلية لعروش الأشجار كلها والمُمتلكة لقوة عجائبية ما.

من هنا تماما تنشأ الأسئلة وتتفاعل في ذهن زائر المعرض: هل تلك الشجرة المقطوعة في هذه أو تلك اللوحة هي تلك التي كانت مورقة وشامخة في اللوحات الأخريات أم العكس؟ وهل جُسدت الشجرة في هذه اللوحة أو تلك بعد أن عادت إليها الحياة من جديد أو قبل؟ وما معنى الديناميكية القائمة بين الأشجار التي تمتد صعودا إلى السماء وقطع اللحم الحيّ المتدلي نزولا إلى الأرض؟

وتظل الأسئلة تتراكم في ذهن المُشاهد أمام لوحات تجسّد أدوات الكراهية والقتل، و”الجماجم” التي ترمز إلى القاتل/ الإنسان والحيّ المُهدد أو المقتول والمتمثل مباشرة بقطع اللحم “البشرية” المتدلية من العكفة المعدنية التي يعلق عليها اللحامون ذبائحهم.

عند النهاية قد يقترب زائر المعرض إلى السؤال المحوري الذي تدور في فلكه كل الأسئلة والتأملات السابقة: بأي منطق استطاع الكيان الإسرائيلي/ العنصري أن يسحل ويحرق ويقطع بهذا الكم من الحقد الشجرة العتيقة أينما وجدت وهي تحتل مركزا جليلا في التلمود، هي وزيتونها وزيتها؟

بأي منطق ملتو يطلق جرافاته ونيرانه حرقا ممنهجا لأشجار الزيتون الرامزة في التلمود إلى السلام الأبدي؟ ولا يحلو له ذلك إلاّ، خاصة، عند فترة القطاف حين تؤدي الأشجار ثمراتها ويتحلق حولها أمهاتها وأبائها؟

أخيرا، ربما يصل زائر المعرض إلى “رؤية” السؤال/ الجواب الأقصى، وهو يرشح دما عند انحداره من أو في فوهات المفرمات التي رسمتها الفنانة تغريد درغوث في مجموعة من 8 لوحات أو أكثر: أيّ هيئة ستكون، ولأيّ سلام عند من لا يستطيع حتى ألاّ ينهال على رموزه الخضراء النابعة من تلموده تقطيعا، حرقا، اقتلاعا، سرقة وتجريفا؟

17