فنانة لبنانية تضيء لوحاتها بوجوه الأطفال المشردين

قدمت صالة "أجيال" اللبنانية معرضا للفنانة اللبنانية هلا عزالدين بعنوان "فضاءات مواربة" ضم عددا من اللوحات بأحجام كبيرة ومشغولة بالأكريليك على القماش، بعضها طغت عليه ألوان "شتوية" داكنة، وبعضها الآخر، وهي ربما الأكثر تعبيرية، حضر فيها اللون الأسود مع خلفيات بيضاء خطفت بها الفنانة المُشاهد إلى الموقع الأصلي للعمل الفني، حيث وقف أمامها الشخوص لكي ترسمهم أو تلتقط صورهم بهدف استخدامهم لتطوير لوحات مُعبّرة قُدمت نخبة منها في الصالة.
الجمعة 2017/11/10
تجريح تجريدي

بيروت - لم يعد من الضروري أبدا أن تُصنف اللوحات الفنية وفق انتمائها أو تأثرها بمرحلة أو مدرسة فنية محددة، فما عاد ذلك من ركائز النقد الفني، فمنذ أواخر القرن العشرين بدأ ما جرى على تسميته بالمدارس الفنية تتخالط لتشكل نمطا جديدا من الفن يصعب تصنيفه إلاّ تحت ضغط سعي أكاديمي مُباشر لوضعه ضمن خانة من الخانات الفنية، مما يُضعف من معناه وإطلالته على المُشاهد.

ينسحب هذا الأمر على مُشاهدة وتأمل لوحات لفنان أو فنانة لم تبلغ السابعة والعشرين من عمرها، وتعرض لأول مرة، إذ قد يكون من المسيء لانطلاقتها الفنية أن تُدمغ بكلمات قالها فنانون مكرسون عنها، ليقدموها كطالبة نجيبة تخرّجت من تحت قناطرهم، وكأن نصها الفني بحاجة لدعم أو تزكية، أو تصويب ما، وهو ما حصل مع الفنانة اللبنانية هلا عزالدين التي قدمت لها صالة "أجيال" البيروتية معرضا فرديا بعنوان "فضاءات مواربة".

نص هلا عزالدين لا يحتاج إلى أي تقديم، ولا هو يبدو طريّ الغصن أو سريع الكسر، لا تتعدى الأعمال المعروضة التي تشي بنضارة تجربتها الفنية أكثر من لوحتين أو ثلاث على أبعد تقدير، أما باقي الأعمال فتنضح بعمق النظرة إلى أرواح الأولاد الذين رسمتهم، كما تشي بقدرة الفنانة التعبيرية والتقنية على جعل ما يحيط بهم يتأثر ويتشكل بهم وليس بالعكس.

نضج عاطفي واضح تبلور في تشظيات لوحات مُتماسكة أبطالها أولاد استطاعوا أن يظهروا التوازن ما بين تشكلهم الآني في اللحظة التي رسمتهم فيها الفنانة، وبين ما يحيلون إليه من أفكار تخطت سنين عمرهم وظروف حضورهم القاهرة في اللوحات.

وتقدم صالة عريقة كصالة “أجيال” الفنانة بنص مقتضب وذكي، لأنه اختار ألاّ يركز على يناعة تجربة هلا عزالدين بقدر تركيزه على حضورها كفنانة ذات نص فني متبلور في اللحظة التي تمّ فيها تبنّي عرض أعمالها.

عرّفت الصالة الفنانة بهذه الكلمات "ترسم هلا عزالدين الأولاد الذين علّمتهم في بلدتها عرسال اللبنانية، معظم هؤلاء وصلوا إلى عرسال إبّان انفجار الحرب السورية، بدلا من أن تجعل منهم في رسوماتها دراسات فنية، قدمتهم كشخوص متفاعلين مع محيط حاضر بقوة ويخترق في أحيان عديدة كيانهم الحسيّ ليظلوا هم الأساسيون وفي قلب العمل الفني الواحد".

ويضيف التقديم أن الفنانة من مواليد 1989، ومن خريجي الجامعة اللبنانية للفنون، حصلت على بكالوريوس سنة 2009 و”ماجيستر” سنة 2014، ولاحقا حصلت على جائزتين في التعبير الفني.

ها هي الآن بعد سنتين من تخرجها تقدّم معرضا يليق بمن مارس الفن لأكثر من 15 سنة، وعايش أولادا أتوا من “شتات” سوريا وكأنهم جاؤوا من مختلف نواحي العالم العربي المعاصر.

الفنانة وبعد سنتين من تخرجها تقدم معرضا يليق بمن مارس الفن لأكثر من 15 سنة، وعايش أولادا أتوا من \'شتات\' سوريا

قبل الدخول إلى صالة العرض، استوقفني صبيّ صغير وقف أمام واجهة المعرض حيث تعرض إحدى لوحات الفنانة، صبيّ بدا عليه التعب وكسته طبقة من الأوساخ المُتراكمة، كان من هؤلاء الذين تعجّ بهم اليوم شوارع بيروت الحاضنة لشتاتهم ولشتاتها على السواء.

بعضهم يسيرون كالأطياف غير مكترثين بما يحيط بهم، وبعضهم الآخر قد تمرس على الكذب واعتماد الحيلة لاكتساب أي شيء يُمكن اكتسابه من المارة، وقف الصبي يتأمل طويلا العمل المعروض في لحظات ترف ما بين مزدوجين خارجهما السعي في الشوارع عن لقمة العيش أو التفاتة تودد.

اقتربت من الصبي الذي ارتدّ، وكأنه خاف من أن أنهره لسبب من الأسباب، فسارعت إلى سؤاله “تعجبك الرسمة؟”، أجاب بحذر “نعم”، عدت وسألته “ما الذي يعجبك فيها؟”، أجاب بلهجة سورية واضحة “إنها تشبهني”.

فعلا تشبهه.. وتشبه كل الأولاد الذين ضاق ذرع المارة بهم، وبما يمثلونه من ضياع عام لجيل عربي لجأ إلى الشوارع، ليس فقط في بيروت، بل في باقي المدن والقرى العربية.

أطلقت الفنانة عناوين بسيطة على اللوحات لترصد بها نجوما تضيء بحزن سماء زرقاء عميقة مُكحلة بالأسود واللون البنفسجي، هي نجوم تحمل لا شيء سوى أسمائها: هلا، منير، شهد، أحمد، نادرة وياسمين..

وتعود لتتكرّر هذه الأسماء/النجوم في لوحات أخرى، على الرغم من أن خلفيات اللوحات تريد أن تظهر خيالات لهياكل عمرانية مقصود بها بلدة عرسال، التي احتضنت همومهم وهي غارقة بهمومها الخاصة، إلاّ أن معظمها تبدو وكأنها تمثيل لمساحات مُجردة من الصفات طغت عليها ألوان داكنة، مساحات لا يملكها أحد ولا هي تنتمي إلى جغرافيا محددة، ومن هنا جمالية هذه الخلفيات وانفتاحها على إحالات بحجم الوطن العربي ككل.

ربما أهم ما يميز لوحات هلا عزالدين أنها مؤلفة من ثلاثة عناصر، العنصر الأول، هو خلفية اللوحة المذكورة آنفا، والعنصر الثاني، هو الشخص المرسوم، أما الثالث فهو هذا التجريح التجريدي الذي مارسته الفنانة بضربات ألوانها بثقة وعاطفة في طول وعرض الأعمال لتشبك التواطؤ ما بين العناصر الثلاثة، جاعلة من العنصر الوسطي، أي الشخص المرسوم العروة الوثقى ومنبرا لإطلاق شتى الإحالات وتداعيات الصور المُعمّمة لتجربة هؤلاء الأولاد، نجوم اللوحات وأبطالها.

تبقى هلا عزالدين حاضرة في وجوه تلك النجوم ومُطلة عليها في آن واحد، ولعل أجمل لوحتين هما للصبي أحمد بيديه المنغلقتين على أصابعه، واللوحة التي تحمل عنوان “ياسمين” لأنها تختصر الممارسات التقنية والعاطفية التي أظهرتها الفنانة فرادى في لوحاتها، وهي أيضا تكثف من “عبق” هلا الخاص، والمنتشر في كل اللوحات.

17