فنانة مصرية تختصر جوهر الحياة في نبتة الصبّار

لوحات رشا سليمان تلتقط ألوانها من أرض قاحلة يملؤها البؤس.
السبت 2021/07/31
لوحات تنبض بخيال مُربك

المُتمعّن في المنجز الفني الأخير للفنانة المصرية متعددة الوسائط رشا سليمان، والذي ما انفكت تنشره على صفحتها الفيسبوكية، لا يعثر فقط في لوحاتها وأعمالها النحتية على عشقها للأشجار والنباتات المختلفة بشكل عام وتحديدا نبات الصبّار، ولكن يقرأ كيف باتت الأرض المُسماة بالقاحلة تمتلك حيوات تخفيها تحت قشور الجفاف الواهية، فهي لا تتوقّف عن التجدّد واكتساب معان لا تنضب.

قدّمت الفنانة المصرية متعددة الوسائط رشا سليمان في معرضها الأخير "الحياة بذاتها" الذي أقامته بقاعة الباب بساحة متحف الفن المصري الحديث في الأوبرا مجموعة كبيرة من أعمال فنية مختلفة الأحجام برز فيها نبات الصبّار كبطل لا منازع له.

والمعرض ليس الأول الذي تحتفي فيه سليمان بالصبّار، وقد ذكرت الفنانة أنها منذ طفولتها "والشجرة هي قدوتي، والصبّار واحد من مواضيع البحث والتأمل والدراسة الأساسية والثابتة في موضوعاتي الفنية على مرّ السنوات، حيث كان موضوع ثلاثة معارض من قبل 'حوار الصبّار' 1998، 'باليرينة الصبّار' 1999، و'أبجدية الأشجار' 2001، وكانت جميعها بحثا وتعبيرا باستخدام خامة واحدة".

غير أن ما ميّز معرضها الأخير وجعل نشرها لصور منه على صفحتها الفيسبوكية طازجا وملهما إلى اليوم، هو أنها في أعمالها تلك بلغت مستوى عاليا من النضج الفني في تناول نباتات الأرض القاحلة من الخارج إلى الداخل ومن الداخل إلى الخارج في فهم عميق لما يمكن أن تُجسّد من أفكار وأحوال، ولاسيما الصبّار.

الصبّار اكتسب ملامح عديدة في أعمالها وخرج عن حدود كونه نبتة صحراوية ليصبح مكانا يُسكن أو يُختبأ فيه، أو يُستراح في أحشائه الرطبة ذات الماء الثمين المُترقرق ببطء بعيدا عن عالم طاحن في السرعة وشرّه في ابتلاع الطالح والصالح.

وليصبح أيضا، أي نبات الصبّار، إنسانا على اختلاف مراحله العمرية ودودا تارة، ومفجوعا تارة أخرى بتغلغل إسمنت المدن إلى حقول وجوده التي تضيق سنة بعد أخرى. وليكون كذلك نباتا صحراويا يتّسم بملامح نباتات صحراوية أخرى فيمتلك بذلك إحالات وحيوات مختلفة تحت مُسمى عام وشامل وهو "نبات الصبّار".

نبتة ملهمة

نبتة ملهمة

شمولية هذا الكائن الشائك والمُزهر في آن واحد والذي احتضن روح سليمان غير المزعوجة بأشواكه، سمحت له بأن يكون له حيوات تسرد فصولا عديدة من كتاب الحياة منها؛ قدرته على التكيّف، واتحاده مع خلفية اللوحات حتى باتت تلك الخلفيات وكأنها جزء مُكبّر من النبات، ونموّه دون جلبة، وضموره كما تُضمر بشرة أحد أحبائنا في إشارة إلى مرور الزمن.

ولا يخفى على أحد أن رسم الفنان لذات العنصر عدة مرات دون أن يقع في الإسفاف أو التكرار، هو من أهم ركائز الفن المميز، وهو دليل على تعلق الفنان بهذه أو تلك الثيمة التي يجد فيها الكثير ممّا يريد التعبير عنه، والأهم، الكثير ممّا يتعرّف عليه. فالفن وعلى الأغلب كما في حالة سليمان هو بحث في "مآقي" الصبّار الشائكة واستنطاقها في كل شيء. كل هذا نجده في لوحات الفنانة، وحبذا لو نستطيع هنا تفنيد كل لوحة بلوحتها، وإدراك الفنانة أن عملها يتخطى كونه تصويرا للنباتات بأشكالها المختلفة كنوع من التوثيق المُنقّح بنفحات شخصية.

الصبّار اكتسب ملامح جديدة في أعمال سليمان بخروجه عن كونه نبتة صحراوية ليصبح مكانا يُسكن أو يُختبأ فيه
الصبّار اكتسب ملامح جديدة في أعمال سليمان بخروجه عن كونه نبتة صحراوية ليصبح مكانا يُسكن أو يُختبأ فيه

وتقول سليمان "من الطبيعي، بل والصحي، أن تتعدّد تأويلات اللوحة بسبب تعدّد الخلفيات، واختلاف الثقافات، فضلا عن خصوصية التجارب، إضافة إلى خبرات المتلقي (...) بوصف الإنسان حالة فردية".

وفي سياق آخر، الغريب في لوحاتها أنها حينما تصوّر الأرض الجرداء القاحلة لا تقنعنا بذلك. فدائما هناك هذا النبض الباطني في جوف المشهد الذي يستعدّ لأن يكذّبنا ويُكذّب الفنانة.

رشا سليمان لم ترتوِ بعد من مقاربة نبات الصبّار وباقي النباتات التي حفلت بها طفولتها تشكيليا في اللوحات، لتعتمد وسائل تعبير أخرى.

وفي ذلك تقول "بدأت التعبير بالنحت الخزفي بأنواع طين وتقنيات تلوين وحرق مختلفة، لكن لم يكف هذا لتفريغ كل المخزون، فبدأت بالنحت على الخشب واستخدام بعض الخامات مثل النحاس والزجاج على الخزف والنحت محاولة الوصول للتعبير الأقرب لهذا النبات الجميل الملهم".

وترى سليمان أن دورها كفنانة هو تقديم بحث عن موضوع يشغلها في مجموعة لوحات بلغة الفن التشكيلي التي تشمل اللون والخط والمساحات والشكل والملمس والتكوين والكتل والفراغ وغيرها من أبجديات لغة الفن.

وهي في ذلك تؤكّد أن "هذه اللغة سهلة ومفهومة للكل، في حين تكمن المشكلة في أن المجتمعات العربية أهملت مؤخرا كل ما يتعلق بلغة الحواس في التربية كالبيت والمدرسة والنادي والمراكز الثقافية، وهو ما عطّل لغة الحواس عند الغالبية، وجعلها غير مستخدمة، وغير المستخدم يصدأ بطبيعة الحال".

ورشا سليمان فنانة تشكيلية مصرية من مواليد القاهرة سنة 1970، خريجة معهد الفنون الجميلة بالقاهرة قسم التصوير عام 1994، وعضو نقابة الفنانين التشكيليين منذ سنة 1997.

تعدّد وسائل التعبير

وساءل متعددة للتعبير

أقامت رشا سليمان أكثر من خمسة عشر معرضا فرديا، والكثير من المعارض الجماعية منذ 1991 في مصر والخارج، ونالت العديد من الجوائز المحلية والعالمية منها الجائزة الثانية "تصوير" هليوراما للشباب 1997، كما تحصلت على الميدالية الفضية من مهرجان قافلة الإبداع 2000، ولها مقتنيات خاصة في مصر، المغرب، سويسرا، فرنسا وألمانيا.

وللفنانة مشاركات في العديد من المعارض الجماعية داخل مصر وخارجها منها معرض "دير المحرق" في المركز الثقافي اليوناني 2007، ومعرض في مركز سعد زغلول الثقافي - متحف بيت الأمة مارس 2010.

أما معارضها الفردية، فهي: مجمع معارض ومتاحف شونة الفن بالإسكندرية بقاعة صحن الدار "لغة الأبدان" 1997، معرض "حوار الصبّار" بأتيليه القاهرة 1998، معرض "حوار الصمت" بأتيليه القاهرة 1999، معرض "لغة الأبدان 2" بأتيليه القاهرة 2000، معرض "أبجدية الأشجار" بقاعة كلية الفنون الجميلة 2001، معرض "اللغات والحوارات في لوحاتي" بقاعة الهناجر بالأوبرا 2001، معرض "في ذات المكان" في مجمع معارض ومتاحف الشونة بالإسكندرية 2002، معرض بقاعة راغب عياد بمركز الجزيرة للفنون يوليو 2006، معرض "دروبي" بقاعة قرطبة بالمهندسين مايو 2015 وغيرها.

15