فنانة مصرية تستلهم لوحاتها من وحي الأعمال الأدبية

الأسماك في لوحات الفنانة مي حشمت كائنات أليفة تتحرك داخل المساحة المرسومة في حرية ودون اعتبار لمنطق العلاقة الواقعية.
الجمعة 2018/04/13
ثيمة البحر تجمع الأدب بالتشكيل

القاهرة - يشترك كل من الشعر والتشكيل في ترجمة الواقع إلى صور، فبينما ترسم الصورة الشعرية بالكلمات، تترجم الصور الفنية بصريا عن طريق الألوان والخطوط والمساحات.

ومن هناك تلفت الفنانة المصرية مي حشمت إلى هذه العلاقة بين الشعر أو الأدب وبين التشكيل عبر مجموعة من الأعمال التي عرضتها مؤخرا في قاعة “دروب للفنون” في القاهرة تحت عنوان “رائحة البحر”، فحين وقع اختيارها على البحر كثيمة موحدة لتجربتها الجديدة، أرادت الفنانة في البداية وقبل أن تشرع في رسم أعمالها أن تطلع على المنجز الأدبي المتعلق بهذه الثيمة تحديدا، وفي رحلة بحثها تلك وقع تحت يديها الكثير من الأعمال الأدبية المتعلقة بالبحر.

وكانت البداية مع ديوان “أكاذيب سمكة” للشاعرة الجزائرية أحلام مستغانمي، قرأت الفنانة هذا الديوان بتأن، ثم أعادت قراءته أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تكتشف شيئا جديدا، ما وسّع من رؤيتها تجاه هذه الثيمة.

ودفعها هذا الأمر إلى البحث عن مصادر أخرى، فكان لقاؤها هذه المرة مع رواية “العجوز والبحر” للكاتب الأميركي أرنست همنجواي، وأثارت انتباهها تلك العلاقة التي عبّر عنها الكاتب والقائمة بين بطل الرواية والسمكة، وعلاقته أيضا بالبحر.

العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي هي علاقة متشابكة تنطوي في الكثير من الأحيان على نوع من التأثير والتأثر، ويعد التعبير عن الأعمال الأدبية في شكل بصري أمرا ليس بغريب على الساحة الفنية والإبداعية، وأبلغ تجسيد لهذا التقارب يتجسّد في ما نراه من خلال رسوم أغلفة الكتب، إذ يحاول الفنان في تلك الحالة بعد قراءته المتأنية للنص الأدبي أن يعبر بطريقته عن ذلك النص قدر المستطاع، وقد يأتي ذلك التعبير مباشرا أو غير مباشر، لكنه في النهاية يحمل روح النص بشكل أو بآخر

وأثارها هذا البعد الفلسفي لتلك العلاقات التي تتباين وتتأرجح بين الكراهية والحب، بين الوله بالطبيعة والشعور الجارف بالوحدة والاغتراب، هذه القدرة الخيالية في التعبير عن مشاعر الكائنات التي نجح الكاتب في تجسيدها من خلال تلك الرواية شكّلت الجانب الأكبر من الرؤية البصرية للفنانة المصرية حين شرعت في تنفيذ أعمالها التصويرية.

ومن بين أهم الأعمال الأدبية التي تأثرت بها مي حشمت أيضا رواية “سدهارتا” لهيرمان هيسا، جذبتها إلى الرواية، كما تقول “هذه العلاقة التبادلية بين بطل الرواية والبحر، وتلك الحكايات المرتبطة بعمله على إحدى مركبات نقل الركاب، فالبحر كان أشبه بنقطة عبور لمعظم الشخصيات التي مرّت على بطل الرواية، كأنه يمثّل بوّابة الدخول أو الخروج من عالم إلى عالم آخر”.

ويضم معرض الفنانة مي حشمت أكثر من ثلاثين لوحة منفذة بخامات مختلفة، كخامة الألوان الزيتية والأكريليك والأحبار، حيث اعتمدت في بنائها للمساحات على عدد من العناصر المرتبطة بالبحر، كالأسماك والطيور والمراكب وشباك الصيادين، غير أن العنصر الأبرز في اللوحات تمثّل في هذه الوجوه المرسومة بمزيج من العفوية والبراءة، كأنها وجوه تطل من عالم آخر لا نراه إلاّ في أحلامنا.

وترسم حشمت شخوصا بعيون واسعة ووجوه أقرب إلى ملامح الأطفال تنعم بحالة من الانسجام مع الكائنات المحيطة، والأسماك هنا أشبه بكائنات أليفة تتحرك داخل المساحة المرسومة في حرية ودون اعتبار لمنطق العلاقة الواقعية.

وإلى جانب أعمالها الملونة عرضت الفنانة مجموعة أخرى من الأعمال المرسومة بالأبيض والأسود، لكنها عمدت في معالجاتها إلى إقحام اللون الذهبي في تلك المساحات، ليتمثل اللون في اللوحات كأيقونة صغيرة أو عنصر من العناصر الثانوية داخل اللوحة.

ورغم هذا الإقحام المتعمّد للّون داخل المساحة المرسومة بالأبيض والأسود، إلاّ أن المتلقي لا يشعر في الحقيقة بأي تنافر بين تلك العناصر الموزّعة بمهارة، فقد اختارت الفنانة أماكن اللون والإضاءة لتؤدي وظيفتها داخل المساحة المرسومة، كوسيلة لإلقاء الضوء أو لفت الانتباه إلى عنصر ما أو تفصيل من التفاصيل.

وتخرجت الفنانة مي حشمت من كلية التربية الفنية في القاهرة ولديها اهتمام خاص بما يطلق عليه الفن النسوي، وهي ترى أن جانبا من تجربتها الفنية ينتمي إلى تلك النزعة التي تعتمد، كما تقول، “على التعبير عن مشاعر المرأة وأحلامها وهواجسها الداخلية”.

17