فنانون أتراك وعرب يوجهون تحية إلى روح "معلّمهم" السوري مروان قصاب باشي

"ورق" معرض فني جماعي يحتفي بخامة مقدسة.
الأربعاء 2021/02/24
الوجه الإنساني المعذّب (لوحة للفنان السوري الراحل مروان قصاب باشي)

أعلنت "دار كلمات" في إسطنبول لصاحبها عدنان الأحمد الخبير في الفن العربي المعاصر، مع بداية فبراير الحالي، أنها ستقيم معرضا فنيا ضخما تحت عنوان “ورق”، يضم أكثر من 60 فنانا قدّموا أعمالهم المصنوعة إما من الورق أو المرسومة على الورق. أمّا مناسبة هذا الحدث الفني الكبير فتأتي احتفاء وتقديرا للفنان التشكيلي السوري العالمي مروان قصاب باشي.

“ورق” معرض فني جماعي ضخم سينتظم قريبا في “دار كلمات” بإسطنبول وسيضم ما يزيد عن 60 فنانا اشتركوا جميعا في كون رسوماتهم وأعمالهم مصنوعة على الورق أو منحوتات تم تأليفها بشكل رئيسي من الورق.

بالرغم من تعدّد أحجام المواد الإضافية المستعملة إلا أنها شكلت جميعا تحية إلى الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي في ذكرى مولده الذي يوافق الحادي والثلاثين من يناير الماضي.

احتفاء عالمي

عدنان الأحمد: نولي اهتماما خاصا بمادة الورق الأصيلة والنبيلة في دار كلمات
عدنان الأحمد: نولي اهتماما خاصا بمادة الورق الأصيلة والنبيلة في دار كلمات

يأتي هذا المعرض بعد مرور حوالي خمس سنوات على وفاة باشي بمدينة برلين الألمانية التي عاش فيها أكثر من خمسين سنة بعد أن غادر دمشق، مدينته الحبيبة من دون رجعة.

ويقول صاحب صالة “دار كلمات” عدنان الأحمد، إن هذا المعرض ليس معرضا استعاديا يحتفي بذكرى ولادة الفنان السوري عبر عرض مجموعة كبيرة من أعماله المُنتقاة من عدة مراحل في حياته الفنية، كما جرت العادة مع كل تكريم فني، بل هو معرض يُحتفل به بطريقة مُختلفة، وذلك عبر عرض مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية لفنانين مُكرّسين وشباب على السواء استُخدموا فيها الورق كمادة أساسية.

وليس ذلك فحسب، حيث يضيف الأحمد في شرح لحيثيات هذا المعرض، بأنه صُمّم ليكون مبنيا على “مشاركة عربية وتركية وعالمية في دار كلمات وعلى مساحة ثلاثة طوابق التي تتألف منها الصالة، وذلك لنصنع أثرا جماليّا يشدّ جمهورا متنوّعا بعيدا عن فساد الأزمنة الذي يجرف كل شيء، وبعيدا عن الهموم التي تنهش في جسد العالم كله.. نحن كنا ومازلنا نؤمن بقدرة الثقافة والفن على تغيير الصورة النمطية السائدة في عالم الفن، ونصرّ دوما على صناعة جسر ثقافي بين تركيا وأوروبا والعالم العربي”.

ومن الفنانين الأتراك المشاركين في المعرض نذكر علي أرغين ومصطفى دليوغلو وصليح النجار وإسماعيل الخياط وناديا فليح ومحمد ناصيري ونوال الصدر وسيبيل أوكوموس، ومن الفنانين العرب يحضر للمعرض الفنان السوري طلال المعلا والفنان العراقي حامد سعيد والفنانة السورية ليلى نصير والفنان الفلسطيني محمد الحواجري الذي لا تزال الصالة في انتظار وصول أعماله من فلسطين المُحتلة.

بورتريه متشابك الحركة لكنه أحادي اللون (لوحة للفنانة السورية ليلى نصير)
بورتريه متشابك الحركة لكنه أحادي اللون (لوحة للفنانة السورية ليلى نصير)

أما السبب وراء جعل الورق هو المادة الرئيسية التي تنسج الرابط ما بين الأعمال المختلفة، فيجيب صاحب ومدير الدار “نولي في كلمات اهتماما خاصا بمادة الورق. والورق من وجهة نظرنا مادة مهمّة ونبيلة، إذ يمنحنا إحساسا جميلا وأصيلا. فالكثير من التخطيطات الأولية للفنانين وأجملها وأصدقها كانت على الورق. وليس الفنان والمعلم مروان قصاب باشي بعيدا عمّا نؤمن به، فهو لطالما كان ينصح بالاهتمام بالورق الذي كان يرى فيه قدسية ما”.

ويضيف “كان يقول إن كل شيء مهمّ ومقدس هو مكتوب على الورق. الكتب المقدسة لجميع الديانات مكتوبة على الورق ورسائل الحب بين العشاق مكتوبة على الورق، والشعر والعلوم التاريخ وغيرها الكثير كانت محفوظة على الورق”.

وبكلامه المذكور آنفا، لم يكفّ الأحمد عن تلقيب الفنان مروان قصاب باشي بـ”المعلّم”. وربما يعود سبب ذلك بشكل مُباشر ليس فقط إلى تقديره لفنه بل أيضا لأنه كان فعلا “معلم” لناحية انفتاحه على كل تجارب الفنانين الشباب سواء عبر تشجيعهم ونصحهم، أو عبر إعداد نصوص كتابية لترافق كمقدمات معارض بعضهم الفردية.

وهذا، دون أن نذكر عدد السنوات التي كان فيها أستاذا مرموقا يدير ورشا فنية في العالم العربي كما في الأردن ويدرّس الفن في أرقى جامعات مدينة برلين.

صانع أجيال

60 فنانا اشتركوا جميعا في جعل رسوماتهم ومنحوتاتهم مشغولة على الورق أو من الورق
60 فنانا اشتركوا جميعا في جعل رسوماتهم ومنحوتاتهم مشغولة على الورق أو من الورق 

لعل شهادة الفنان الفلسطيني محمد الحواجري هي الأقدر في هذه المناسبة على البوح بما كان يمثّله باشي لدى أبناء جيله والأجيال اللاحقة عليه، وعنه يقول “معلم ترك أثرا عميقا في جيل كامل من الفنانين العرب الذين وصل العديد منهم إلى العالمية”.

ويضيف الحواجري في نص كتبه خصيصا بمناسبة المعرض، “الفضل يعود دائما إلى أصحاب الفضل أمثال الصديق المعلم والأب مروان قصاب باشي، والذي جمعني به الفن عام 1999 في مؤسسة خالد شومان التي جمعت عددا من الفنانين الشباب من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق ومصر في العاصمة الأردنية عمّان، فكانت هذه فرصة لي ولأصدقائي الفنانين القادمين من غزة المحاصرة الذين وجدوا كل الترحيب والحب من الفنان الذي كان يتعامل معنا بنوع من الخصوصية الناتجة من قوميته العربية وإيمانه بعدالة القضية الفلسطينية”.

محمد الحواجري: باشي معلم ترك أثرا عميقا في جيل كامل من الفنانين العرب
محمد الحواجري: باشي معلم ترك أثرا عميقا في جيل كامل من الفنانين العرب

ويتابع “لا أنسى الجلسات التي كانت تحت شجرة الكينيا الكبيرة القريبة من مختبر الغرافيك، والتي كانت تجمعنا معه وكأنه مشهد من المشاهد التاريخية عندما يكون ذلك الجميل بشعره الأبيض والذي يلتفّ حوله أبناءه، فيقدّم لهم النصح وكان حريصا على أن يظهر كل منا شخصيته وأسلوبه الخاص”.

هكذا كان الفنان “المُعلم” حتى آخر يوم في حياته في حين أنه ليس بأحد غافل عن أن عددا من الفنانين المُكرّسين العرب فعلوا عكس ذلك تماما، أي مارسوا تحطيمهم للمواهب الجديدة إما غيرة منها أو “تنكيدا” عليها على سبيل الاستخفاف والمزاح الثقيل.

ومروان قصاب باشي، المحتفى به في المعرض التركي العربي الجماعي ولد في دمشق في 31 يناير 1934 وتوفي في برلين في 24 أكتوبر 2016، رسام ونحات سوري، يعدّ أحد أبرز الفنانين التشكيليين العرب في العصر الحديث، ومن بين الفنانين الأكثر حضورا في المعارض الدولية. تميّزت رسوماته بحصرها صورة الوجه الإنساني المعذّب للتعبير عن الحالات الوجودية العميقة التي تعكس رؤيته الحسية للعالم، وهو ما اتخذه طابعا أساسيا لسائر أعماله. امتدت رحلته مع الإبداع التشكيلي عقودا من الزمن، وتوجّت باعتراف عالمي واسع، واقتنيت أعماله من قبل أهم المتاحف في العالم.

كان عضوا في المجمع الفني البرليني الألماني، وهو أستاذ دائم ومتفرّغ للرسم في المعهد العالي للفنون الجميلة في العاصمة الألمانية منذ عام 1977 وحتى وفاته.

بقي “مروان” وهو اسمه الفني المختصر، يرسم حتى آخر أيام حياته، وودّع الحياة بعيدا عن دمشق التي كان قد غادرها قبل ستة عقود من رحيله.

الفنان السوري الراحل مروان قصاب باشي خلال أحد معارضه الفنية عام 2012
الفنان السوري الراحل مروان قصاب باشي خلال أحد معارضه الفنية عام 2012
من تحضيرات المعرض
من تحضيرات المعرض
ناطحات سحاب مفرغة (لوحة للفنان التركي علي أرغين)
ناطحات سحاب مفرغة (لوحة للفنان التركي علي أرغين)

 

16