فنانون خارج البرواز يُشعلون "صيف العاصمة" بالألوان

المعرض لا يحمل ثيمة محددة ولا يتقيد بموضوع موجِّه لكن عنوانه كان دالاّ في الأساس على توقيت انعقاده في فصل الصيف المعروف بهدوء الحركة الفنية.
الأحد 2019/08/04
هندسة الأنوثة والطبيعة لدى جيهان سليمان

القاهرة – جمع معرض “صيف العاصمة” الفني الجماعي الذي اختتم في القاهرة في 23 يوليو، ثمانية عشر مصورا ونحاتا، وأضاء المشهد التشكيلي المصري المعاصر في أحدث تياراته وتجلياته وأبرز أجياله الراهنة.

تعدّ المغامرة هي روح الفن، والتمرّد والتثوير وتجاوز المألوف والمستقر هي لوازم التعبير الحر عن الذات بخصوصيّة في الرؤية وأبجديات مغايرة، بما يكفل إضافة أسماء ذات تجارب راسخة وفاعلة إلى حركة الفن المتجدّدة.

من هذه المفاهيم، انطلق “صيف العاصمة” التشكيلي، في غاليري العاصمة بحي الزمالك في وسط القاهرة، وواصل فيه نخبة من الفنانين النابهين عطاءهم المتطوّر في مجالات عدة بألوانهم الحية ومجسّماتهم النابضة.

لم يحمل المعرض ثيمة محددة، ولم يتقيد بموضوع موجِّه، لكن عنوانه كان دالاّ في الأساس على توقيت انعقاده في فصل الصيف المعروف بهدوء الحركة الفنية، ولا يخلو من إشارة ضمنية إلى ما يحويه المعرض من وهج وإنسانيات دافئة.

التقى الفنانون الثمانية عشر، ومنهم طارق الكومي وشعبان الحسيني وعمر طوسون ومصطفى بط وجيهان سليمان ودعاء شعبان وجيهان فايز وجوزيف الدويري وغيرهم، على إشعال صيف القاهرة بحرارة الفن وطاقته السحرية، واتخذوا من ازدهار الطبيعة وتَفَتُّحها ونمائها، على وجه الخصوص، ومن تحرير الوجوه والأجساد الآدمية، طقسًا استثنائيًّا للتفجير الإبداعي المجنّح المحلّق.

انسيابية الألوان وروح الكولاج لدى هشام عبدالله
انسيابية الألوان وروح الكولاج لدى هشام عبدالله

من أبرز السمات التي هيمنت على المعرض تمحور الكثير من الأعمال حول المرأة أو الأنثى بشكل عام، كقلب للعالم وكمركزية تستقطب الرؤى المجردة والصور المرئية في آن، والـ”هي” هنا لها وجهان في الوقت ذاته؛ الأول: حقيقي إنساني بشري، والثاني مجازي طبيعي كوني، باعتبارها منبع الخصوبة والإشراق.

في لوحات الفنان مصطفى يحيى (زيت على توال)، تستمد المرأة ملامحها، خصوصا الوجه، من الموروث الفرعوني للمرأة القوية، المسيطرة، وربما الحاكمة، ويكتسب ظهورها العديد من المعاني الإضافية بوصفها أيضا ملكة للمرح والبراءة والطفولية، وسيدة للألعاب والأراجيح. وهي دائما، حتى في حالة ضخامة حجمها وخروجها عن مقاييس الجمال النمطية، مركز ثقل للبهاء والوضاءة، والانسجام مع الطبيعة في شفافيتها وازدهارها وخصوبتها وعطورها وألوانها الزاهية.

وفي المجسّمات النحتية للفنان طارق الكومي، تلتقي أصابع التجريد والتدفقات التخييلية، لاسيما في التشكيلات النسوية، بهدف تحريك الخامات الصمّاء في مسرح الفراغ اللامحدود، والتعاطي مع الجسد ككتلة باذخة شاهقة، وأنسجة حيّة تتقمصها روح، ليتحرّر من سكونه ويتخلّص من تماسكه الظاهري.

يبدو جسد الأنثى، الذي يصوّره الكومي ناهضا كاملا متوثبا، نافذة لتصدير الطاقة الداخلية للإنسان، من خلال اختزال التفاصيل الثانوية ونتوءات السطح الخارجي التي قد تشتّت الرائي وتضعف تركيز اللحظة المكثفة، ويأتي الرأس والمركز عادة أهم من الأطراف، سعيا وراء اقتناص الجوهر واكتشاف أسرار التكوين، ومفاتيحه الخفية.

عنوان التغيير

دعاء شعبان (إلى اليمين) وفي الخلفية لوحتها في "غاليري العاصمة"
دعاء شعبان (إلى اليمين) وفي الخلفية لوحتها في "غاليري العاصمة"

تتماهى المرأة وجها وقالبا مع كينونة الوجود وصيرورته في تجربة الفنانة دعاء شعبان، وهي كيان دينامي في عمل الفنانة الذي أنجزته بألوان الأكريليك على التوال، وتتولّد قيم النصاعة والرخاء والإيجابية المصاحبة للأنثى مع تدرّجات الألوان في حيّز الأخضر والبنّيّ ليتجسّد بطلاقة التحوّل العفيّ الفتيّ من اليباس والذبول والجفاف إلى الليونة والغضاضة والاخضرار، فالمرأة ينبوع الخير الفياض، وعنوان التغيير والإرادة والنجاح.

وتستوي المرأة والطبيعة في تجربة الفنانة جيهان سليمان عبر معادلات رياضية وإحداثيات هندسية وأشكال منمذجة، فتكمّل مفردات الطبيعة الجسد الأنثوي، وتكمّل الملامح الأنثوية ثمرات الأشجار وأوراقها المتفتحة.

وتتخذ العناصر جميعا سمات الأناقة والوقار، في منظومة تحتفل بالتوازن والقياسات الدقيقة، على الرغم من تحرير الجسد الأنثوي من تفاصيله، إلى حد إمكانية طمس الرأس واستحضاره فقط كوعاء.

في منحوتات عمر طوسون ولوحات مصطفى بط وأحمد جعفري وياسر جاد وهشام عبدالله وشعبان الحسيني، تتجلى تمظهرات الأمومة من خلال ثيمة الـ”هي” التي تستوعب دلالات حوّاء الأنثى الأولى، والطبيعة الأم، بما في تلك الدلالات من رموز الاحتواء والاحتضان والرعاية والحنان والدفء والقدرة على المحافظة على دورة الحياة وسلاسل الكائنات.

موسيقى الوجود

هي تتحدث عن نفسها.. للفنان ياسر جاد
هي تتحدث عن نفسها.. للفنان ياسر جاد

بالتوازي مع تفجرات الأنوثة وتثوير الوجوه وتحرير الأجساد، تأتي انسيابية الوجود وموسيقاه المتدفقة وإيقاعاته الظاهرة كسمات أساسية لدى بعض الفنانين في معرض “صيف العاصمة”، ومنهم ياسين حراز وجيهان فايز ومصطفى العزبي وجوزيف الدويري، وقد تحيل هذه المرئيات إلى مثاليات ويوتوبيا يحلّق فيها الخيال وتتداعى الأحلام، وقد تعكس عوالم حقيقية تحتفظ فيها الموجودات بسلامها وصفائها وبهجتها.

بين الزهور البيضاء المنتشية، وحقول المحاصيل المهيأة للحصاد، والقوارب الهادئة المتراصّة على صفحة الماء، وبيوت السكينة المتصالحة مع النوارس والأشجار والسحب وأشعة الشمس الصافية، وغيرها من معالم البيئات النقية، تنقل فنانو الطبيعة برشاقة وأريحية قاصدين ما هو فطري وتلقائي وإنساني في العناصر المحيطة بالبشرية، كما لو أنهم يتطلعون إلى أنفسهم في مرايا الروح التي لا تكذب ولا تتهشّم أبدا.

الـ"هي" مرادفا للاحتضان والاحتواء لدى شعبان الحسيني
الـ"هي" مرادفا للاحتضان والاحتواء لدى شعبان الحسيني

 

13