فنانون سعوديون شباب ينتقلون بتجاربهم إلى الشوارع

ظلّ فن الغرافيتي في البلدان العربية يتلمس طريقه لإثبات وجوده، وهو الفن الذي وصفه الكثيرون بأنه نوع من أنواع التعبير وصرخة من أفواه المكلومين، وتبقى الجداريات مساحة كبرى لجملة من الفنانين الذين لم يجدوا مكانا تحت الشمس، فاتخذوا من الجدران فضاءات لإخراج مواهبهم في واقع عربي مشحون بالتجاذبات الأيديولوجية ورهين جملة من الأهواء المتصارعة، وفي الخليج لا يزال هذا الفن جديدا ولم يأخذ مكانة رئيسية بعد في العادات والتقاليد المحلية، إلا أن بوادر فرض وجوده بدأت تأخذ حيّزا من اهتمام الشارع والجمهور.
الجمعة 2016/08/26
جدارية تعبر عن روح الأصالة وثراء التراث السعودي

عسير (السعودية) - لم يكتف فنانو عسير التشكيليون بمراسمهم المتواضعة ولوحاتهم الصغيرة للتعبير عن مكنوناتهم الفنية، بل وجدوا الجداريات المنتشرة على الطرقات والميادين العامة مكانا رحبا لنشر ثقافات مجتمعهم، والتعبير عن أصالة الماضي العريق الذي تتميز به هذه المنطقة على مر العصور.

ويلاحظ زائر مدينة أبها وهو يتجول في طرقاتها الرحبة ألوان الطيف المنتشرة يمينا ويسارا، والتي تعبر عن بصمات الفنانين وإبداعاتهم في توفير بيئة جمالية خارجية يمكن أن تعبّر عن روح المكان.

مدارس فنية

يشير الفنان التشكيلي عبدالله الشلتي إلى أن عددا من فناني المنطقة المحترفين شاركوا في رسم جداريات أبها وأبرزهم الفنان سعود القحطاني وعلي مرزوق وعبدالله البارقي وعبدالعزيز العواجي، إضافة إلى المشاركين في رسم جداريات قرية المفتاحة التشكيلية ومنهم عبدالله شاهر وعبده عريشي ومحمد شراحيلي وإبراهيم الألمعي، إلى جانب كوكبة من الفنانين والفنانات الذين ملأوا المكان فنا وجمالا، مضيفا أن هؤلاء الفنانين اختاروا الخروج بمراسمهم ليشاهدها العامة، وينشروا الفن في كل مكان على الجداريات في الشوارع بحس فني عال ومدارس فنية متعددة، منها الانطباعية والتأثيرية والرمزية والسيريالية والتجريدية التي تعبر عن إحساس الفنان.

ويؤكد الشلتي على أن المطلب هو استغلال المساحات على الطرقات وفي الأنفاق وتحويل جدرانها من قطعة صامتة إلى إيحاءات وأعمال فنية حملت على عاتقها التسويق للمكان والتعبير عن طبيعته وتراث المنطقة وحضارتها العريقة، المتمثلة في القلاع والحصون وجمال الطبيعة، إضافة إلى الفن المتعارف عليه في المنطقة وهو “القط العسيري” و”القصبة”، مبينا أن مساحات اللوحات تتجاوز في بعض الأماكن 500 متر مربع.

الجداريات عبارة عن تراثيات ولوحات تعبر عن الطبيعة تم خلالها مزج العديد من المدارس التشكيلية والرمزية والواقعية

ويقول التشكيلي عبدالله الشلتي “هي مسطحات لونية لا تقل جمالا عن أي معلم جمالي في العالم، بل إنها تتفوق على هذه المعالم في مستوى خصوصيتها، ومنطقة عسير معروفة بجمال طبيعتها وتكوينها الفني، وهذا ما يجعل أبناءها قادرين على نقل هذا الجمال من الواقع إلى الطبيعة لما حباها الله به من طبيعة خلابة تنافس أهم المدن السياحية في العالم، وتحاول أن تعبر عن المدن التراثية القديمة وتعيدها إلى بصر الأجيال”.

تعبير عن الأفكار

ويقول الفنان عوض آل زارب “إن عسير تكتنز بالمبدعين من أبنائها الذين حوّلوا الشوارع إلى جداريات ولوحات فنية لتخرج الأفكار الفنية من ضيق المراسم إلى رحابة الشوارع والجداريات وهي عبارة عن تراثيات ولوحات تعبر عن الطبيعة تم خلالها مزج العديد من المدارس التشكيلية والرمزية والواقعية لإيجاد هذا الشكل الجمالي الذي خطته أيدي الفنانين”، مضيفا أن عدد الجداريات في مدينة أبها يتجاوز 20 جدارية في مواقع مختلفة من المدينة، لتعبر عن حضارة وتراث هذه المدينة التاريخية، لافتا إلى أن مدن العالم تعتمد هذه الطريقة في الحديث عن تراثها وعراقته بالفن الذي يعكس ثقافة المجتمع ويعبر عن ثقافة السكان الفنية وروح الفن الأصيل الذي يتجسد في هذه اللوحات.

سطحات لونية لا تقل جمالا عن أي معلم جمالي في العالم، بل إنها تتفوق على هذه المعالم في مستوى خصوصيتها

ويشير إلى أن ملتقى التراث العمراني، الذي نظمه فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة عسير، قدّم ثلاثة مواقع للفنانين رسموا خلالها جدارياتهم وتقع هذه المواقع الثلاثة على طريق المطار، وبجوار سوق الثلاثاء الشعبي، وبالقرب من جامع الملك فيصل، كما أن هناك العديد من المساحات التي يمكن استغلالها من قبل أمانة عسير وفرع الهيئة العامة للسياحة والمبدعين من الفنانين الذين يجب أن يكونوا شركاء في هذه الأعمال الفنية وفي التخطيط العمراني للمدن في منطقة عسير لما سيكون له من أثر كبير في صناعة السياحة وتأهيل مدينة أبها لتكون رمزا يشار له في العام 2017 عند تتويجها بلقب عاصمة السياحة العربية.

ومن جهته كشف مدير عام الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في منطقة عسير المهندس محمد العمرة عن شراكة بين الفرع وجمعية الثقافة والفنون ومركز الملك فهد الثقافي بأبها والجمعيات والمؤسسات الثقافية والفنية في المنطقة، لافتا إلى أن الهيئة تؤمن بقيمة الفن التشكيلي والدور الهام للجداريات في إظهار تاريخ المنطقة وطبيعتها، حيث تعمل هيئة السياحة مع الأمانة على توفير مختلف السبل لتسليم المواقع البارزة للفنانين المحترفين من أبناء المنطقة لينقلوا إبداعاتهم إلى الميادين والمواقع السياحية، مؤكدا سعي الهيئة من خلال لجانها وقنواتها المختلفة للحفاظ على تراث المنطقة وتطويره وتحويله إلى منتج يخدم السياحة في المنطقة ويضفي عليها روح الجمالية.

14