فنانون شباب يرسمون حدود الهوية في البحرين

في عالم ما بعد الحداثة، تمتزج التيارات والأفكار الثقافية مشكّلة صورا قلقة تستغل حالات الأمان الداخلية النادرة لقلق وارتباكات الهوية، وضمن هذا التصوّر الوجودي للحظة الكونية من قبل الفنانين والمثقفين، أقام غاليري “الرواق” بالعاصمة البحرينية المنامة، وبالتعاون مع “آرت البحرين” في شهر مارس الجاري معرض “حدود الهوية” لمجموعة من الفنانين العرب الناشئين، مطلقا العنان لمخيلتهم للعمل على مشروع الهوية، بأي صورة من صور الفن التي يريدونها.
الخميس 2016/03/31
أعمال قلقة حيال الهوية ومعانيها

المنامة- المتابعون لمعرض “حدود الهوية” لمجموعة من الفنانين العرب الناشئين الذي يعرض حاليا بغاليري “الرواق” بالمنامة، وجدوا أن الكثير من الأعمال المشاركة كانت تسير في طريق، بينما أتى عنوان المشروع في طريق آخر، وكأن منظمي المعرض أجبروا تأويلات الأعمال المشاركة على أن تذهب قسرا تحت مظلة “حدود الهوية”، بمعنى أن الأعمال في الأصل لم تصنع من أجل هذا المشروع، وبعضها فعلا سبق وأن شارك في معارض شخصية وجماعية للفنانين.

أراد الفنانون أحمد عز، وعيسى سوان، وحسين السماعيل، وجاسم الضامن، وجنين شرابي، ومشعل العبيدالله، ونوف السماري، وسمر م، وسارة قائد، وسيما عبدالله وسكنة حسن أن يقدموا أسئلتهم الوجودية الخاصة بقلقهم حيال الهوية ودلالاتها الإنسانية في عصرنا الحالي، عبر عدة تجارب فنية تنوّعت بين التجريدية والانطباعية والتركيبية والمفاهيمة والواقعية الرمزية.

الفنان البريطاني البحريني عيسى سوان قدّم عملا ساخرا دمج فيه أزياء ذات هويات متداخلة ليرسم من خلالها مشهدا متناقضا يجمعه عامل مشترك، وهو التصور الخاطئ عن الثقافة العربية الإسلامية التي يكرسها الإعلام الغربي في الأفلام والميديا كل يوم على صورة كائن صحراوي متوحش.

وفي محاولة من عيسى للسخرية من هذا الواقع قام بتعليق ثوب عربي “دشداشة” ووضع بقربها شماغا وعقالا وقبعة على كرة زجاجية، وفي الجهة الثانية وضع طربوشا بقرون.

علقت الفنانة السعودية سيما عبدالله مجموعة لوحاتها السداسية على مشبك حبل الغسيل، مستحضرة في تفاصيل العمل بعض العبارات ذات الدلالة الرمزية لأصل الكون بحسب التصور اليوناني القديم “الماء، الهواء، النار” لتخلق حالة من الصراع في أصل الهوية وعلاقته بالخلق والكون، فاتحة بذلك أفكارها على الصراع الجديد القديم بين العلم والدين في مجتمع معاصر يسعى لتقديم التوازن في هويته.

ورسم الفنان أحمد عز جدارية ضخمة على أحد جدران الغاليري الداخلية لشخصيات تحاول محاصرة الإيبولا. وهو في هذا العمل يعبّر عن غضبه وقلقه حيال الإنسان المتورّط في الأمراض المستمرة دون تدخل منه، ويشكل عمله قيمة الحياة البشرية لدى السياسيين حينما يدمرون العالم بالحروب دون أي اعتبار للإنسان.

جاسم الضامن يعتبر أنه بإزالة حرف واحد تتحول حرب إلى حب، ويمثل هذا التناقض العداء الكلي بين الكلمتين

حاول الفنان السعودي جاسم الضامن من خلال ثلاث لوحات تجريدية رصد المسافة العمياء المجهولة جدا بين عالم الحرب وعالم الحب عبر تصورها فنيا. لهذا يرسم الضامن في أعماله هويتنا ناحية الحب الذي هو الهوية الحقيقية للإنسان، ويقول “بإزالة حرف واحد تتحول حرب إلى حب، ويمثل هذا التناقض العداء الكلي بين الكلمتين”.

تسكن الكثيرين قناعة مفادها بأن الدول العربية لم تحصل على الاهتمام العالمي بفنونها وثقافتها، من هذه القناعة تحاول الفنانة البحرينية سمر م ملء هذا الفراغ باقتراحها رسم لوحة الموناليزا بالملابس التقليدية البحرينية القديمة، كما تخيلتها سمر لو كانت بحرينية، ويسمح لنا هذا التقليد أن نتعدّى الحدود المادية والجغرافية للوصول لخيال غير محدود للتاريخ وإعادة تشكّل هوياته غير المحدودة.

يحلل عمل الفنانة السعودية نوف السامري المجتمع وميله إلى رسم التناقضات ورؤيته للعالم بالأبيض والأسود، حيث يظن الكثير من الناس أن الانحياز والتصرف وفق الأغلبية العامة هي حرية شخصية، متناسين بأن ذلك سوف يقمع فئة كبيرة من المجتمع ترغب في التنوع، من خلال هذه الفكرة نرى في العمل الألوان المختلفة والمتناقضة في حالة انسجام كبير.

وترصد تجربة الفنانة الفلسطينية اليونانية جنين ترابي الجدران وعلاقتها بهويتنا الإنسانية، مستحضرة الحيطان بوصفها المادي والذهني التي تكبر تدريجيا من حولنا عندما يكبر الخوف من المجهول. وغالبا ما ترتبط هذه الحيطان بالدلالة السياسية، فنتذكر حائط برلين، وحائط الكيان الصهيوني في ضفة فلسطين المحتلة، وتتجاور مع هذه الدلالة للمفردة تلك الدلالات المرتبطة بالأسوار التي تحيط بمنازلنا وأبنيتنا ومدارسنا ومستشفياتنا وجامعاتنا، محاولة تحديد ما هو لنا وما هو لغيرنا، الأمر الذي يرسم حدود هويتنا، فكلما قويت هذه الحيطان، كلما ضعفت روابطنا الإنسانية فنجد أنفسنا معزولين.

16