فنانون عرب ينشدون الحرية المفقودة في أفينيون

عروض فنية من مصر وفلسطين ولبنان والمغرب في ملتقى دولي بفرنسا تعكس الاهتمام بالتحديات السياسية وضيق الحريات في العالم العربي.
الخميس 2018/07/05
العرض المصري "بدون خسائر" يشرّح طبقات الوعي في المجتمع

الحرية ليست مجرد منبر لإطلاق الفن، لكنها الفن ذاته، جسدا وروحا، قبل أن تكون مناخا محيطًا وقوة داعمة. هكذا، يجد المبدعون العرب ضالتهم في محاولة التحقق الثقافي والفني خارج أوطانهم، في ظل حرية سياسية أوسع في المجتمعات الغربية.

وفي إطار التواصل بين الثقافات والحضارات والشعوب، وبعيدا عن البروتوكولات الرسمية والحكومية، تأتي مشاركة خمس فرق للفنون الأدائية من أربع دول عربية في “الملتقى الدولي للفنون العربية المعاصرة” بمهرجان “أفينيون أوف” على مدار أسبوعين.

يحمل الملتقى في فرنسا (من 8 إلى 24     يوليو) على عاتقه للمرة الثانية على التوالي مهمة إطلاق صوت الشباب العربي، بلا قيود ولا محاذير، فلا مجال للحضور الفني من غير حرية كاملة.

في ظل مناخ التضييق على حرية التعبير والرأي في مصر وأغلبية الدول العربية، فإن إطلاق الأعمال المسرحية والفنية خارج حدود العالم العربي حل مناسب لكثير من المبدعين العرب، خصوصا من جيل الشباب، من أصحاب الحساسية الجديدة، والرؤى الطليعية المتطورة، والأفكار البناءة والناقدة.

معايير فنية مجردة

عروض أدائية وجسدية تعكس اهتمام الشباب بالتحديات السياسية وغضبهم من ضيق الحريات في الدول العربية

تمثل المهرجانات الدولية التي تقام بمعزل عن البروتوكولات الرسمية والحكومية فرصة للتواصل بين الثقافات.
وتتمتع هذه المهرجانات بمصداقية وجدّية، كونها تنبني على معايير فنية مجردة، وتتسع لإبداعات الشباب المعاصرة برحابة صدر لا تتوفر في مصر والكثير من المجتمعات العربية.

يعاني هامش حرية التعبير والرأي في مصر مثلا، من محاولات سلطوية متكررة للتضييق والقمع، وتحت مسمى “ضوابط حرية الرأي والإبداع”، جرت في الآونة الأخيرة محاصرة مسرحية “سليمان خاطر” للمخرج أحمد الجارحي، والفيلم التسجيلي “سالب 1095” للمخرجة سلمى علاء الدين، وديوان “خير نسوان الأرض” للشاعر جلال البحيري، وتم تعقُّب صنّاع هذه الأعمال أمنيّا بالحبس وإعلاميّا بالتشويه.

امتدت يد التدخلات الرقابية إلى مشاهد من مسرحية “قبل الثورة” بمهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة “دي- كاف” في مارس الماضي، وتأزم الموقف بعد قرار حذف خمسة مشاهد من العرض، قبل أن يتم التوصل إلى حل.

وكاد الأمر يتكرر مع فيلم “كارما” للمخرج خالد يوسف، الذي صدر قرار رقابي بمنع عرضه، ولولا ضغوط مورست من جهات عدة للتصدي للقرار لما أجيز الفيلم مرة أخرى.

وسط هذه الأجواء، يحتشد الفنانون العرب الشباب المشاركون في مهرجان “أفينيون أوف” في فرنسا بعروض أدائية متطورة، متمردة، تسعى جاهدة إلى إعلاء شأن الفن من جهة، والانتصار لقيمة الحرية من جهة أخرى.

من أبرز أهداف مهرجان “أفينيون أوف” خلق فرص حقيقية للمبدعين والفنانين الشباب لتقديم عروضهم المعاصرة والكشف عن مواهبهم المتميزة للعالم، وإتاحة الفرصة للجمهور لمطالعة هذه الأعمال بعمق، وتلمس التطور الفني والإبداعي في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة.

ينطلق الملتقى عابرًا الحدود إلى مدينة “أفينيون” الفرنسية في مهرجانها ذائع الصيت من خلال خمسة عروض للفنون الأدائية، يقدمها فنانون من أربع دول عربية، حرصوا على أن تعكس أعمالهم المعروضة اهتماما كبيرا بقضية الحرية وبالتحديات السياسية التي تواجه العالم العربي اليوم.

من مصر، يشارك عرض “بدون خسائر”، ومن المغرب “هذيان مثالي”، ومن فلسطين “حركات لاجئة”، ومن لبنان يشارك عرضان، هما: “جوغنج”، و”أبعد ما تأخذني البصمة”. وتتنوع هذه الأعمال المعاصرة بين المسرح والفن الأدائي والعرض الراقص.

فن أدائي وعرض راقص

عرض "جوغنج" للفنانة اللبنانية حنان حاج علي والمخرج أيريك دينيو يخلط الواقع الحقيقي بالخيالات والأساطير
عرض "جوغنج" للفنانة اللبنانية حنان حاج علي والمخرج أيريك دينيو يخلط الواقع الحقيقي بالخيالات والأساطير

بدأت فكرة الملتقى ضمن فعاليات مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة في القاهرة “دي- كاف” عام 2014، ثم تطور الملتقى كحلقة وصل بين الفنانين العرب ومنظمي المهرجانات في أرجاء العالم المختلفة، منها مهرجان “أفينيون أوف” الفرنسي، وتعد هذه النسخة الخامسة من ملتقى الفنون العربية، والثانية على الصعيد الدولي الخارجي.

يأتي العرض المصري بعنوان “بدون خسائر”، وهو أداء راقص من إخراج وأداء محمد فؤاد، مترجم إلى الإنكليزية والفرنسية. وينطوي على تجربة حسية تفاعلية، تقوم على الطرافة والسخرية، فمن خلال الاستكشاف الرقصي المرح يجري التساؤل حول قوة وحدود الفن وجوهره وتسويقه على نحو تجاري.

خلال العرض، يستعين محمد فؤاد بأجساد المشاهدين الذين يوافقون على الانضمام إلى لعبته، حيث يرسم مسارًا يسلكونه على المسرح في أدائهم التفاعلي معه، علاوة على جملة من الحوارات الحية التي تنشأ، يضربه أحد المشاهدين مقابل المال، وحين يتم التفاوض على شراء قُبلة بمال أكثر، يظهر “الخط الأحمر”، ويقر الرقيب بأنّ المشهد لا يتناسب مع النظام والآداب العامة، فالرقابة تجيز العنف وترفض القبلات.

يشرّح عرض “بدون خسائر” طبقات الوعي في المجتمع، من خلال الرقص، ويحاول أن يضع يده على مناطق الخلل، على رأسها الوصاية والعنف والغلظة، وإشهار الأسلحة في وجه المحبة والتسامح والحرية.

من خلال الأداء الراقص، يأتي العرض المغربي “هذيان مثالي”، من إخراج وأداء توفيق إيزيدو، وموسيقى ماثيو غابوريه، وهو عرض معني بالطاقة الروحية التي تسكن الجسد، وتتحكم في لغته، وتواجهه بتعقيدات تشهدها حياة الإنسان المعاصر.

تعبير جسدي حر

"حركات لاجئة".. يعيد صياغة حكايات اللجوء والمواقف الإنسانية المتعلقة بها
"حركات لاجئة".. يعيد صياغة حكايات اللجوء والمواقف الإنسانية المتعلقة بها

يأتي تصميم الرقصات في العرض المغربي من منطلق فكرة التعبير الجسدي الحر المتكامل، ويراهن الفنان على أن الكون كله يمكن اكتشافه من خلال تكرار صدى صرخات الجسد الإنساني، عندما يكون في حالة الهذيان، وعند بلوغه هذه المرحلة، يصير التعبير متحررا من كافة أشكال القيود.

من لبنان يأتي عرض “جوغنج” المسرحي، وهو فكرة ونص وأداء حنان حاج علي، وإخراج إيريك دينيو. ويخلط العرض الواقع الحقيقي بالخيالات والأساطير، فحنان حاج علي الممثلة والمواطنة التي تجاوزت الخمسين، والتي تتدرب يوميًّا لتفادي الإصابة بهشاشة العظام والسمنة والاكتئاب، تستعيد في الوقت ذاته أحلاما ورغبات وخيبات أمل وشخصيات وأدوارًا تتداخل فيها شخصيتها الحقيقية مع شخصية “ميديا” الخيالية.

يتسع المجال من الحدث الشخصي للتعبير عن الخارج العام، فمع بناء شخصية وهدم أخرى، نفسيًّا وبدنيًّا، يجري بناء مدينة وتدمير مدينة أخرى، وهكذا يكون العالم سلسلة من الأحداث والصراعات السياسية والعسكرية المتلاحقة، القائمة على التناقضات.

من لبنان يأتي عرض “أبعد ما تأخذني البصمة”، من إخراج تانيا الخوري، وهو فن أدائي بالعربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، مدته عشر دقائق، يجسد مواجهة بين لاجئ وأحد أفراد الجمهور، لكنّ أحدا لا يتمكن من رؤية الآخر، في حين تتلامس أطراف أصابعهما عبر فتحة في جدران المعرض، لينشأ بينهما حوار بلغة مختلفة.

من التقاء هذا اللاجئ مع بعض الزوار، على نحو متتالٍ، يستمع الجمهور لقصص متعددة عمن تمكنوا من تحدّي التمييز العنصري خارج بلدهم، ومن الاحتفاظ بهذه القصص يمكن مشاهدة العالم بشكل مختلف، حيث تحلّق الحرية في فضاء المشهد.

وتراهن الفنانة اللبنانية تانيا الخوري، المتخصصة في تقديم العروض الحية التفاعلية مع الجمهور، على إثارة تساؤلات سياسية تتعلق بمساحة الحرية في العالم العربي، وفي عروضها يغدو الجمهور عادة مشاركا وليس متفرجًا فقط، إذ تقوم بتجهيز العرض بشكل يدرج الجمهور كجزء من الحكاية.

أما عرض “حركات لاجئة” (فلسطين)، فهو رقص فيديو تفاعلي من إخراج وأداء فرح صلاح، ومترجم إلى الإنكليزية مع ترجمة نصية للفرنسية. ينبني العرض على أرشفة قصص غير معروفة عن اللجوء، ويستخدم أجساد الفنانين اللاجئين والجمهور باعتبارهم ذلك “الأرشيف” الأساسي.  ويعيد العرض صياغة حكايات اللجوء، والمواقف الإنسانية المتعلقة بها، ويعرّي ما يتعرض له اللاجئون من ضغوط ومواجهات من البعض، بما يبدو تنصلًا من قيم الحرية التي يتشدق بها الإنسان أحيانًا، ولا ينتهجها.

يبقى الحضور العربي في المهرجان مكسبًا فنيًّا ومجتمعيًّا، فهو حضور للفن العربي في قلب الحرية، وحضور للحرية في قلب الفن، وفرصة لرسم صورة أفضل للمشهد العربي والقوى الناعمة بالخارج.

15