فنانون يحولون جدران مدينة المنستير إلى لوحة ناطقة

عرف فن الزخرفة وتزيين الجدران عند العرب منذ القديم، لكن شباب العصر الراهن ابتدع طريقة جديدة لتحويل الجدران إلى لوحات فنية مدهشة للبعض، في حين يعتبرها آخرون أشكالا وصورا غريبة لا تتصل بالموروث الثقافي والعمراني العربي.
الجمعة 2015/09/11
الألوان والأشكال تخفي عيوب الجدران المتداعية

المنستير (تونس) - حروف تتشابك وألوان تتلاقى لترسم أشكالا على جدران متداعية صامتة تشتكي إهمال ساكنيها في مدينة المنستير التونسية، محولة إياها إلى لوحات تنطق بالحياة.

هنا في المنستير، شرق تونس، التقى فنانو الـ”كاليغرافي” و”الغرافيتي”، محولين جدران المدينة العتيقة إلى فن يكاد ينطق.

هؤلاء الفنانون اجتمعوا في إطار الدورة الثانية لمهرجان “منستير آين” الذي نظمته جمعيتا “أزرقنا الكبير”، و”الغرفة الفتية العالمية بالمنستير” (مستقلتان) في الثالث من سبتمبر الجاري واستمر لثلاثة أيام.

المهرجان خصص جزءا من فعالياته من أجل كساء جدران قديمة صامتة تنتشر في أزقة المدينة بريشة فنانين عالميين، ليضفوا عليها روحا وألوانا تبعث الحياة في جزء من بنايات ذهب الزمن بشيء من بهائها وزينتها.

الفنان التونسي حسني الحرتلي والملقب بـ”شوف”، جعل من قبة “دار الشرع” البيضاء بالمدينة (دار الشرع/المحكمة خلال القرن 19)، كوكبا يتحلى بزرقة السماء، فتقرأ في محيطها ملامح نص عربي ناطق ومبهم.

والمنستير مدينة قديمة تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، أسسها مهاجرون فينيقيون من مدينة صور عام 509 ق م، تحت اسم روسبينا، ودخلها المسلمون في العقد الخامس للهجرة، وأسس بها هرثمة بن الأعين رباطا سنة 180 هجري في عهد الخليفة هارون الرشيد.

في أزقة المدينة العتيقة تجد الرسم باللونين الأزرق والأسود يحاكي الشبابيك والأبواب الضاربة في القدم، فهذا الجدار المنسي المطل على المساجد القديمة، اكتسى بحلة الخط العربي.

أسامة عيسى: هاجسنا مدى قبول السكان لهذه الرسوم التي لم يتعودوا عليها، ففيها من الحداثة والجدة ما يدفعنا إلى تقبل ردة الفعل الأولى من مالكي هذه المباني

وهناك عند الباب الغربي لسور المدينة، يرسم الفنان الفرنسي من أصول مغربية، طارق بن ناعوم، أشكالا دائرية وأخرى مستقيمة بألوان تميل إلى الأزرق والوردي والبني.

وقال بن ناعوم عن هدفه من هذه الرسومات ورموزها “جئت لتونس تفاعلا مع شبابها، وأردت تلوين هذه الجدران البائسة من أجل هذا الشعب، وأردت أن أنقل أحاسيسي ورغباتي إليه”.

وأضاف “هذه الرسومات ليست اعتباطية، بل إنني أستعين بكتابات لأدونيس (الشاعر السوري علي أحمد سعيد إسبر)، فأترجم أبياته الشعرية إلى أحاسيس، ومن ثمة إلى خطوط وأشكال تبرز على النحو الذي تشاهدونه”.

ولا يخفي مدير المهرجان، أسامة العيسى، صد بعض السكان لهذا المشروع الفني، اعتقادا منهم أن هؤلاء الشباب سيخطون على الحائط أشكالا وصورا غريبة لا تتصل بالموروث الثقافي والعمراني للمدينة.

وقال العيسى “كان هاجسنا مدى قبول السكان لهذه الرسوم التي لم يتعودوا عليها، ففيها من الحداثة والجدة ما يدفعنا إلى تقبل ردة الفعل الأولى من مالكي هذه المباني، لكننا تفاءلنا بالنتائج، واستحسان الأهالي بهذه البادرة التي أعطت حياة وروحا للمدينة العتيقة”.

أما محمد أمين الصيادي (من المنظمين) فقال “أردنا من خلال هذا النشاط الفني تهيئة مسلك للسياح الأجانب الذين يزورون المنستير، باعتبارها قبلة للسياحة العالمية، لما فيها من الجمال العمراني والخصوصية التاريخية، كما أن بصمة الرسامين العالميين الذين زاروا تونس ليزيّنوا أحياءها، ستظل شاهدا على روح الحداثة الفنية التي هبت على هذا المكان”.

ولمدة أسبوع ظل كل من الفرنسي طارق ناعوم، والألماني سنوك بوش، والتونسيان “إس تي فور”، وشوف، يتنقلون من مكان إلى آخر بأسمائهم المستعارة التي يفضلونها، تاركين وراءهم أعمالا تلقى ردود فعل متباينة بين المستحسن والمستهجن.

و”الغرافيتي” أو فن “الخدش “على الجدران، لون فني جديد انتشر في تونس بعد ثورة 14 يناير 2011، واقترن بانتشار الحريات من جهة وفوضى الاحتجاجات من جهة أخرى، لكنه يعود اليوم إلى أحياء المنستير أكثر انضباطا بعيدا عما يُطلق عليه فن “التحريض الثوري”، متخذا من الحروف المتشابكة والألوان المختلفة وتعقيدات الرسم، شكلا ثقافيا متميزا ليطلق عليه اسم “كاليغرافي”.

20