فنانون يرسمون الناس في سوق شعبي بدمشق

تحت عنوان "الوعي بالتراث، جسر للمستقبل" أقيم مؤخرا "ملتقى التكية الأول للتصوير" بدمشق، يعايش فيه الزائر بعض تفاصيل عملية إبداع للوحة فنية تحمل صورته.
الخميس 2019/08/01
اقتحام الفضاء العام بجماليات دمشقية

في عمق التاريخ، تحفل بعض الأماكن برمزية هامة، تكسبها بريقا ووضعا خاصا بها، لتكون علامة توهج عند مجتمع بعينه. ومن هذه الأماكن الموجودة في دمشق، التكية السليمانية، التي تقع في قلب المدينة وتعدّ أحد المقاصد السياحية والثقافية الأشهر فيها.

دمشق- التكية السليمانية، بقلب العاصمة السورية دمشق، بناء شيّد في العهد العثماني منذ ما يزيد عن الخمسمئة عام وعايش أحداثا جساما مرّت على المنطقة، وفي التكية السليمانية التي يتموضع فيها الآن متحف وجامعين، يقوم سوق المهن اليدوية الذي يعرفه كل الدمشقيين، بل وزوّاره أيضا، الذين يتجهون إليه لكي يقتنوا التحف الشرقية التي يعمل عليها خزافو وحرفيو مدينة دمشق. وفي هذا السوق الشهير، تباع التحف والسبحات وطاولات الزهر والعديد من الأشغال الخشبية، وكذلك المصوغ الذهبي والفضي.

وضمن هذا الجوّ الاحتفالي الذي يملأ المكان، وبعد سنوات عانت فيها هذه الصناعة كمثيلاتها من ظروف الحرب التي مرّت بها سوريا، تولّدت فكرة لدى أصحاب صالة “ألف نون للفنون والروحانيات”، وهي جماعة فنية للفنان بديع جحجاح، يهتمون بتقديم الفن التشيكيلي بأشكال عديدة ومختلفة، كان أحدثها الملتقى الذي أقيم في السوق القديم في التكية.

وتحت عنوان “الوعي بالتراث، جسر للمستقبل” أقيم مؤخرا “ملتقى التكية الأول للتصوير” بالعاصمة السورية دمشق، بمشاركة كل من الفنانين عدنان حميدة وجمعة نزهان وبديع جحجاح ودينا مارديني وجان حنا وغسان عكل.

والفكرة، كما بيّن بديع جحجاح لـ”العرب”، “أتت من خلال الرغبة بالترويج للمكان أولا، وهو السوق القديم العريق (سوق المهن اليدوية)، الذي يضم العشرات من الطاقات الفنية الدمشقية الكبيرة، والتي عملت لسنوات طويلة في مهن الحفر على الخشب أو التزيين بالفسيفساء وغيرها من أنواع الفنون”.

ويضيف “كما رغبنا أن يكون المعرض متفاعلا معه بشكل فعّال، بأن نضعه في جوّ صناعة الفن بطريقة مباشرة، فمن يأتي لزيارة الملتقى سيجد أن الفنان يرسم لوحته أمامه، بكل بساطة ويمكنه أن يسأله ويستمع إليه، وهذا أسلوب جديد في التعامل مع الحالة الفينة في هذا السوق العتيق، حيث يعيش الفن القديم الجميل، ونحن نريد أن نمزج بينه وبين الفن الجديد الذي يقدّم الآن بروح بسيطة وحالة مختلفة، ومن هناك وصلنا إلى القناعة بضرورة توفير فرصة لكل هذا، فكان هذا الملتقى الفني الجديد”.

وفي التكية السليمانية توزع عدد من الفنانين ليرسموا لوحاتهم، أمام الناس، يرسمون حينا، ويتحدثون حينا آخر مع الزوار، وبالطبع تأخذ مساحات التركيز والتفكير قسطا من النشاط.

مزج بين الفن القديم الجميل والفن الجديد الذي يقدّم الآن بروح بسيطة وحالة مختلفة
مزج بين الفن القديم الجميل والفن الجديد الذي يقدّم الآن بروح بسيطة وحالة مختلفة

وقد عبّر أحد زوّار الملتقى عن دهشته من الفكرة وعن بساطتها، وكيف أنها قدّمت للمتلقي العادي نمطا فنيا كان يراه في المعارض حصرا، ولكنه عبر الملتقى بات يُعايش بعض تفاصيل عملية إبداع هذه اللوحات الفنية.

في المقابل، أجمع أصحاب الفكرة عن رغبتهم في إحداث حالة من التفاعل الحيوي بينهم وبين المكان المحيط، بهوائه وناسه وحتى عبثه، فالفنان هو جزء من منظومة متكاملة من التفاصيل، وهي التي يتحسّسها وتكوّنه، فتظهر مجددا في ما يقدّمه الفنان من لوحات فنية، والهدف من تقديم هذه الفعالية هو إبراز حالة التمازج بين الفنان ومحيطه الذي يعتبر الرحم الطبيعي والإبداعي الذي تكون منه.

وعن ذلك يقول جمعة نزهان “الهدف من الملتقى، هو إيصال رسالة حضارية للناس عن المكان وعراقته، ثم الترويج له بالمعنى السياحي الكامل للكلمة، وهو يهدف أيضا إلى دعم أصحاب هذه المهن فنيا، وهي التي ما زالت قائمة في قلب مدينة دمشق، رغم مرور السنوات الصعبة على سوريا”.

ومن هناك، قدّم الفنانون المشاركون في الملتقى لوحات مختلفة التوجهات، وجميعهم توجّه نحو المشروع بالكثير من الحماس، لأنهم وجدوا فيه صدى لرغبات فنية ووطنية كانت تتعالى في أعماقهم، وهذا ما تبيّن فعلا من خلال المساهمة في الملتقى الذي يقام لأول مرة بهذه الكيفية.

في "ملتقى التكية الأول للتصوير" اختلط زوار السوق بأحباء الفن، مما أنشأ علاقة نادرة الحدوث في معارض الفن بسوريا

بعض المشاركين رسموا المرأة والبعض الآخر رسموا موضوعات إنسانية عميقة وشّحوها ببعض الرمزيات التي تخصّ المكان، من حيث الروح الشرقية القديمة وكذلك خصوصية السوق والصناعات التقليدية التي تقوم فيه.

هذا، ووجد الجمهور الدمشقي الذي يزور المعارض الفينة المختلفة بدمشق في هذا الملتقى شيئا جديدا وفريدا، أولا من حيث كونه يُقدّم في فضاء خارجي، وهو الذي يُقام في الهواء الطلق، وثانيا لأنه يُقام في سوق تجاري قديم يحفل بواجهات المحال التجارية والنشاط التجاري الطبيعي العائد لها، ففي الملتقى اختلط زوّار السوق بأحبّاء الفن، مما ولّد نشوء علاقة جديدة نادرة الحدوث في المعارض والأسواق التجارية التي تُقام عادة في المعارض الفنية السورية.

16