فنانو الطوائف

الاثنين 2015/06/15

قيل إن الفن لغة عالمية، وهي حقيقة تقدمت بالفن خارج حدود الجغرافيا المحلية. وبسبب تلك اللغة كان الفن أفضل حالا من الأدب من جهة قدرته على الانتشار، فهو لا يحتاج إلى ترجمة.

الرسم يُرى والموسيقى تُسمع والعمارة تُعاش. أما الكلمات فإنها تظل تتعثر بين المعاني. لهذا يمكننا القول إن الفنان، بطبيعته كائن عابر للأجناس والأعراق الضيقة، مجتمعه الحقيقي هو أكبر من مجتمعه الواقعي.

إنه يخاطب عن طريق نتاجه الإبداعي بشرا لا يجمعه بهم شيء سوى القيم الإنسانية الأصيلة والعميقة التي يدافع عنها الفن. لذلك فإن الفنان يخون قدره حين يضع مصير فنه في متناول بشر ضدّ بشر آخرين.

قوميا كان ذلك الانحياز أم دينيا فإنه يضرّ بالفن ويصادر حريته ويثلم مصداقيته ويمحو كرامته. فنانو القوميات والطوائف هم في حقيقتهم أعداء الفن، ذلك لأنهم ينحرفون به عن رسالته العالمية وهو الذي قُدّر له أن يكون خطابا موجها للجميع، جميع البشر بغض النظر عن جنسهم ودينهم.

ربّما لن يكون من اليسير على الكثيرين أن لا يكونوا طائفيين، وهو ما أفهمه، ولكن الفن لكونه محاولة لخلق عالم أجمل يستحق أن يضحّي المرء من أجله بانحيازاته البدائية.

ولأن الفن ينقذنا من ضيق أحوالنا لينفتح بنا على عالم، هو أكثر سعة مما نتوقع، فإنه سيرتقي بنا إلى مستوى البشر الأسوياء، البناة وصناع الغد، المنتصرين على أنفسهم وعلى عقدهم التاريخية.

في المقابل فإن فناني الطوائف لا يخسرون العالم وحده، بل يخسرون الفن أيضا، حين يتحوّلون إلى شهود زور يمرّ بهم الزمان، فلا يهتز فيهم شيء بسبب تلك الحركة.

إنهم كائنات مجترة، لا تفعل شيئا سوى التكرار. كائنات لا تنفع في صناعة المستقبل فهي لا تملك حاضرا. ذلك لأنها إذ تستعيد أوهام الماضي فإنها لا تفعل شيئا سوى أن تعترف بانقطاع صلتها مع المستقبل. المستقبل الذي هو زمن لا تسمح لها طائفيتها بالتعرف عليه.

كاتب من العراق

16