فنان أميركي يعرض في حديقة باريسية

ويل رايمن يعيد تكوين الفضاء العام لاختبار حدود التجربة الإنسانية من خلال أعمال تعمد إلى تشويه "الشكل" البشريّ المثالي نظريا.
الأحد 2018/06/24
فرصة للتفكير بما حولنا

تمكن المعماري الفرنسي برنارد تشومي في منتصف الثمانينات من القرن الماضي من الفوز بالمسابقة الوطنية لتصميم حديقة لا فيليت شمال العاصمة الفرنسية باريس، والتي كانت بالأصل مسلخا للحوم، وحين انتهي بناؤها عام 1987، تحولت إلى صرح معماريّ مميز، ومساحة فنية وثقافيّة تجريبيّة، بسبب المقاربة الفلسفيّة التي اعتمدها تشومي في تصميمها، لكونه من المتأثرين بالتفكيكي جاك دريدا، الذي يصفها بأنها مخاطرة جماليّة تمنحنا فرصة للتفكير بما حولنا، والمقصود بذلك سياسات الانتهاك وعبور الحدود التي وظّفها تشومي ضمن كتل الحديقة، ومساءلته لمفاهيم الداخل والخارج، وعلاقتها مع العنف الرمزي الذي تختزنه العمارة التقليديّة.

تشهد حديقة لا فيليت حاليا معرضا للفنان الأميركي ويل رايمن بعنوان “رؤوس، سيزيف، باك-لاب”، وفيه نشاهد مجموعة من المنحوتات وأعمال التجهيز، التي تشغل مناطق مختلفة من الفضاء العام للحديقة، في محاولة للتلاعب بإدراكنا لأنفسنا حين نقف أمامها، وخصوصا أنه يضيء على حياتنا كبشر وأفراد، خاضعين لنظام سياسي وثقافيّ يتحكم بأدائنا العلنيّ.

 إذ يعتمد رايمن على كتل بصريّة مشوّهة، تعكس التغيرات التي تطرأ على الفرد، وتأثير الفضاء عليه كموضوعة علنيّة، تتغير تصنيفاتها وخصائصها إثر “حدث” ما في الفضاء العام، فالمنحوتات مصنوعة من مواد معاد تكريرها، وكأن الفن كالفرد، يُنتج إثر “عملية” تشكل حضوره، بغض النظر عن المواد والتقنيات المستخدمة وقيمتها الثقافيّة.

خلل في العالم
خلل في العالم

نرى القسم الأول من المعرض ما إن ندخل الحديقة، إذ نشاهد سبع منحوتات صفراء تحيط ببحيرة أسود النوبة، المنحوتات السبع تمثل رؤوسا بشريّة ارتفاعها بين ثلاثة وسبعة أمتار، هذه الأعمال تعمد إلى تشويه “الشكل” البشريّ المثالي نظريا.

 المثير للاهتمام، بأنها مستوحاة من مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت، وتحمل أسماء تحضر في نص المسرحيّة، وهنا تبرز موضوعة عدم الاكتمال، وكأن الزمن الذي توقف في المسرحيّة، توقف أثناء عملية صناعة المنحوتات و تكوينها، لتبقى أسيرة النقصان، وكأن رايمن يشير إلى خلل في العالم، وأن “العملية” التي تنتجنا كأفراد، تولد نسخا معطوبة، يتوقف الزمن عندها، ولا مجال لإكمالها.

موضوعة العبث تنسحب أيضا على المنحوتة الثانية، باسم سيزيف، المستوحاة من كتاب أسطورة سيزيف للفرنسي ألبير كامو، وهي عبارة عن كتلة برونزيّة مشوهة بارتفاع أربعة أمتار، يمكن اعتبارها انعكاسا للاجدوى التي تحكمنا.

 فرغم إدراكنا بأن الجهود التي نبذلها للاستمرار لا فائدة منها، إلا أننا كسيزيف، أسرى لعنة/ أنظمة، تجعل من حياتنا تعبا لا فائدة تذكر منه، فالأنظمة السياسية تخلق شروطا لاستنزافنا، وتحويلنا إلى مجرد “آلات” و”أدوات” لها وظيفة/ دور واحد فقط لا يمكن الفكاك منه، ليبقى سؤال معنى الحياة معلقا، دون إجابة، كالمنحوتة التي لا تحمل أي ملامح أو جدوى.

انعكاس للاجدوى التي تحكمنا
انعكاس للاجدوى التي تحكمنا

العمل الأخير في الحديقة عبارة عن متاهة ملونة باسم “باك لاب”، مستوحاة من لعبة باك مان الشهيرة، ويمكن للزائر دخولها والتحرك ضمن جدرانها الملونة، إلا أن الطين الذي يكونها يجعلها أقرب إلى الأبنيّة البدائيّة الموجودة في الطبيعة دون تفسير، هذه “البدائيّة” أو “النزعة الجوهريّة”، تنعكس أيضا في ألوان المتاهة الأوليّة (أحمر، أزرق، أصفر، أبيض، أسود)، كونها ألوان طبيعيّة لا تنتج عن المزج والتلاعب.

 هذه الخصائص تحيلنا أيضا إلى مفاهيم اللعب بوصفه جوهر النشاط الفنيّ، الذي يشابه اللعب الطفولي باعتباره اكتشافا و تجريبا، ومحاولة لخلق نظام بديل، عبر إعادة تكوين العناصر الموجودة من حولنا، وهنا تبرز دلالة المتاهة الثقافيّة، بوصفها مجموعة من الاحتمالات العبثية المتعددة التي لا فكاك منها، إلا بالتجربة اللامتناهيّة أو معرفة الخارطة، أو القواعد الموجودة قبل التورط بفعل اللعب/ البحث، كما في الحياة اليوميّة، حيث نواجه مئات الخيارات والعوائق، التي لا يمكن أن نتجاوزها إلا بتجربتها أو يقيننا المسبق بـ”فعاليتها”.

14