فنان أميركي يوقظ نوازع الطفولة في أهل بطرسبورغ

الفنان الأميركي نيثن سووايا يسافر كثيرا متعرفا إلى أناس جدد وثقافات متعددة، ومعيدا صياغة العالم بقطع الليغو.
الأحد 2018/07/01
علاقة الفنان مع مجسماته، تبدع حالات كثيرة

بعد عدة أشهر من العرض في صالات العاصمة الروسية موسكو، وأكثر من مئتي ألف زائر من الصغار والكبار، انتقل معرض فن الليغو، لمبدعه الأميركي نيثن سووايا، إلى سانت-بطرسبورغ، ليتاح لسكان المدينة تذوّق متعة سبقهم إلى اكتشاف نكهتها الملايين من سكان العالم في أميركا وفرنسا وألمانيا والبرازيل وسويسرا والصين.

المتحف الذي استضافته أفضل صالات العرض في العالم، في نيويورك، هوليوود وباريس، فضّل القائمون عليه في بطرسبورغ أن يحتضنه أحد أكبر مراكز التسوق في المدينة وأكثرها حداثة “غاليري”، وهو ما أتاح انتشار خبر المعرض بصورة سريعة في فضاء المدينة، ليكون الجمهور مع تجربة متابعة فن جديد ومعاصر، حجز برشاقته ومتعته وعمق دلالاته مكانا بين الفنون التي تستحق الاكتشاف والاحترام.

في قلب المعرض

أبطال الكارتون الخارقون
أبطال الكارتون الخارقون

مجسمات نيثن سووايا تستوعب كل شيء، من نجوم السينما والغناء إلى أبطال أفلام الكرتون، ومن صراعات الإنسان وصعوده وانحداره وعلاقته مع الآخر إلى تلك الكائنات التي تشاركنا أو شاركتنا الكوكب يوما ما، كذلك الديناصور الذي تشعر وأنت تتأمله، أنك واقف في متحف سانت-بطرسبورغ الشهير المسمى متحف علم الحيوان.

مجسمات قادرة على حملك إلى أروقة أحد المتاحف، أو منحك فرصة التأمل في معبد ما، وأخرى تدعوك إلى الحب واحتضان الحياة، ومع كل تعمّق في قراءة تلك المجسمات، تصلك كمية السعادة التي امتلكها سووايا وهو يؤلف عمارتها، وبعلاقته الخاصة مع كل تفصيل من تفاصيلها وقطعة من قطعها، حتى لو تجاوز عدد تلك القطع مئة ألف قطعة كما في أحد التماثيل.

ويبدو جليا صدق كلام الفنان في أحد لقاءاته عندما سئل عن دور الليغو في حياته، “يمكن لليغو أن يسافر بك ويأخذك إلى أي مكان، من خلاله عبّرت عن نفسي وتغيرت حياتي، ولا يمكنني تخيلها دونه”. وربما من أجل ذلك تركت فسحة كبيرة للأطفال للّعب والتجريب داخل المعرض، لعلّ أحدهم أو بعضهم، يسير على خطى نيثن سووايا، أو يجد مساره ورؤيته الخاصة في عالم الليغو.

بداية الحكاية

تغريك تجربة نيثن سووايا، المولود في نيويورك عام 1973، لتبحث في سيرته الشخصية، منذ كان طفلا مولعا بالرسم وكتابة القصص إلى أن وصله الليغو الأول، وهو في الخامسة من عمره، هدية في احتفالات أعياد الميلاد ليشكل الحلقة الأولى من حكاية ستمتد وتتشعب كثيرا.

عندما بلغ الصبي العاشرة، عبّر عن رغبته في اقتناء حيوان أليف، لكنّ والديه رفضا طلبه، فلم يكن أمامه إلا اللجوء إلى صديقه الليغو ليصنع مجسما لكلب ضخم جدا. في تلك المرحلة أدرك ابن العاشرة أن الليغو هو قدره، وأن بإمكان قطعه الصغيرة أن تحقق له كل أمنياته الكبيرة.

إعلان المعرض داخل غاليري
إعلان المعرض داخل غاليري

بعد سنوات قضاها سووايا في دراسة القانون، والعمل محاميا في إحدى الشركات، لم يستطع تجاهل صوت حلم طفولته وهو يعلو في داخله، فاتخذ قرارا بترك كل ذلك والتحول إلى فنان ليغو.

يقول سووايا “البعض عدّ قراري بترك العمل حماقة، وقالوا إنني ارتكبت خطأ كبيرا سأندم عليه في المستقبل، لكني تجاهلت كل ذلك، ولم أستمع إلا لنداء في داخلي، هو دافع لخلق أشياء سحرية من تلك القطع الصغيرة”.

يقول الفنان، الذي بدأ يتلقى اتصالات من الناس، بعد أن شاهدوا أعماله على موقعه وطلبات كي يصنع لهم مجسمات معينة.

لكن سووايا، الذي امتلك مع الوقت أستديو في مانهاتن وآخر في لوس أنجلس، بقي محافظا على علاقته الخاصة بمجسماته، منجذبا نحو ما يوقظ الطفل في داخله، مدركا أن مجسماته هي نبض روحه وانعكاس علاقته مع الناس والأشياء المحيطة به، وأن لكل مجسّم سحره، عوائقه وتحدياته.

يسافر نيثن سووايا كثيرا، مع معارضه أو دونها، متعرفا إلى أناس جدد وثقافات متعددة، ومعيدا صياغة العالم بقطع الليغو، التي استخدم منها حتى الآن أكثر من خمسة ملايين قطعة، حيث يؤكد “أينما توجهت، أحمل معي كراسة رسم كي أثبت الأفكار التي تخطر على بالي. وعندما تكون لدي فكرة قوية أتصور الشكل النهائي للمجسّم، حتى قبل أن أضع القطعة الأولى”.

رؤى وتطلعات

مجسمات تشعرك أنك في أحد المعابد أو المتاحف
مجسمات تشعرك أنك في أحد المعابد أو المتاحف

يقول الفنان في إحدى مقابلاته الصحافية، مؤكدا استمراره في عمله بالحماس نفسه، مقتنعا أنه كان مصيبا في قراره عندما ترك المحاماة، واختار طريق الليغو، “أرى أن اليوم الأسوأ في حياة الفنان يبقى أفضل من أحسن يوم في حياة المحامي”. ومع هذه الاستمرارية، لا تتوقف تجربة الرجل عند إبداع مجسمات الليغو، بل تمتد لتشمل تأليف الكتب في ذلك المضمار، ونذكر هنا مؤلفيه: حياة في الليغو A life in lego وThe art of the brick.

يؤكد سووايا في كل مناسبة تتاح له لإطلاق أفكاره، والحديث عن تجربته أن الامتياز الأهم في أعماله هو السعادة التي يخلقها لدى الناس، وأن الفن يصنع بشرا أفضل، “الفن ضروري لنفهم العالم، ونجعل الناس سعداء. الفن ليس اختياريا”.

15