فنان أوبرالي يدافع عن الاستشراق بمكتبة نادرة وسط القاهرة

الفنان المصري حسن كامي يفضل الكتب لأنها تخاطب جميع الحواس ويرى أن المستشرقين أفضل دعاة للشرق وحضارته ولغاته وآدابه.
الجمعة 2018/03/30
صاحب المكتبة يشم رائحة حبيبته في الكتب

القاهرة – تحمل مكتبة “المستشرق” بوسط القاهرة، تجربة مغايرة لزائريها، بداية من الكتب النادرة واللوحات والمخطوطات التي تضمها، مرورا بنوعية زوارها وانتهاء بصاحبها ومديرها صاحب الملامح الأوروبية الذي يستقبل الضيوف بعبارة “نورتونا”.

يرجع تاريخ إنشاء المكتبة إلى القرن التاسع عشر على يد يهودي مصري اسمه فيلدمان أسسها لتكون أحد المراجع التي يستعين بها المستشرقون بالغرب في دراساتهم عن الشرق، لتحمل اسما على مسمى “المستشرق”.

رحل فيلدمان عن مصر كغالبية اليهود بعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على منطقة قناة السويس عام 1956، متنازلا عن ملكيتها لشارل بحري أحد المثقفين المصريين، الذي باعها للفنان حسن كامي بعد 17 عاما من الإلحاح وخوفا على مصيرها بعد وفاته.

 

في وسط القاهرة، قد يلفت انتباهك صوت أوبرالي ضخم يعلو ويختفي صادر من مكتبة قديمة، تخطو خطواتك طارقا أبوابها لتجد في استقبالك حسن كامي، الفنان السينمائي ومطرب الأوبرا الذي تفرّغ لإدارتها وابتعد عن المجال الذي برع فيه لأعوام طويلة

حسن كامي، المولود عام 1936، حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ودراسات عليا بمعهد الكونسرفتوار، بدأ حياته العملية بدار الأوبرا المصرية عام 1963، ليقوم بدور البطولة في 270 أوبرا عالمية على مدى ربع قرن، وشارك في العشرات من الأعمال الدرامية والسينمائية قبل أن يهجر الفن ويكتفي بالجلوس في مكتبته.

تحمل “المستشرق” أكثر من مشروع بالنسبة إلى حسن كامي، فهي رابط ممتد يربطه بزوجته التي ظلت تديرها منذ شرائها وحتى رحيلها عام 2012، ولا يزال يتذكر أنها رفضت في البداية ترك عملها الأصلي بشركة سويسرية قبل أن تتفرغ لها، معتبرة أنها تبيع بضاعة “الأمراء”.

يمر الآلاف من المصريين على “المستشرق” المواجهة لأشهر وأقدم مقهى بوسط القاهرة المعروف بـ”جروبي” دون ملاحظتها جيدا، ربما لا يسعى القائمون عليها إلى جذب مدعي الثقافة بلافتات ضخمة مضيئة، يريدون فقط جمهورا يعرف قيمة البضاعة التي تقدّم ويقدر على دفع ثمنها.

لا تزال “المستشرق” حتى الآن قبلة لجمهور فريد من نوعه، قبل 15 سنة قصدها مستكشف يبحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر بالإسكندرية، وأميركي لا ينسى حسن كامي إتقانه للعربية وحديثه الشيّق عن ثقافة البحر المتوسط، ويتبيّن بعدها أنه جون أبوزيد، قائد القيادة الأميركية الوسطى في حينه.

يرفض حسن كامي الانطباع المتكرر عن المستشرقين بأنهم دعاة للغزو الثقافي منذ ظهور لفظة “استشراق” باللغة الإنكليزية عام 1779، معتبرا أنهم أفضل دعاية للشرق وحضارته ولغاته وآدابه، لتساعد المكتبة منذ نشأتها على توفير المادة العلمية للمستشرقين لأداء ذلك الدور.

يقول كامي، لـ”العرب”، تربطه علاقة حميمة مع بعض الكتب، ويحزن لبيع بعضها مضطرا، رافضا حالة الاستغراب التي تصادف معرفة البعض بامتلاكه مكتبة كبيرة، فالفنان يجب أن يكون مثقفًا، والثقافة يجب أن تكون مشروعا قوميا.

لا يخشي انتشار المطبوعات الرقمية، فالكتب الورقية تخاطب جميع الحواس، مقتبسا مقولة لذئب الكتب ألبرتو مانغويل، فالعين تُجمّع الكلمات على الصفحة، والأذن ترجّع صداها، والأنف يشمّ رائحة الورق والصمغ والحبر والأنامل تتحسس الصفحات، وحتّى حاسّة الذوق تشارك عندما يرفع القارئ إصبعه لفمه، مكررا طريقة تسميم القاتل برواية “الوردة” لإمبرتو إيكو ضحاياه.

مكتبة دسمة بلا قصص ولا روايات
مكتبة دسمة بلا قصص ولا روايات

في صدر المكتبة، التي تضم نحو 40 ألف مجلد ومخطوطة، يوجد كتاب يرفض كامي بيعه ولو بمليون دولار يحمل عنوان “مساجد مصر” الذي يمثّل آخر نسخة باقية من مطبوعات وزارة الأوقاف عام 1946، ويتناول وصفا تفصيليا للمساجد المصرية بعماراتها المميّزة في تكوينات المآذن والقباب وحتى طبيعة النقوش على السجاد.

تخلو “المستشرق” من أي مضامين خفيفة فلا توجد بها روايات أو قصص، كل ما تقدّمه الكتب النادرة في السياسة والتاريخ والآداب والسير الذاتية باللغات العربية والإنكليزية والإيطالية والألمانية، وتعتبر واحدة من ضمن مكتبات قليلة في العالم تتخصّص في تلك المضامين.

في المكتبة تجذب الأنظار نسخ أصلية من موسوعة ابن إياس الحنفي “بدائع الزهور في وقائع الدهور” التي تقع في أحد عشر مجلدا عن تاريخ مصر الإسلامية، و”عجائب الآثار في التراجم والأخبار” لعبدالرحمن بن الجبرتي الذي يتناول فترة الحملة الفرنسية على مصر.

كما تضم مؤلفات لتقي الدين المقريزي الذي وضع أربعة مجلدات تاريخية عن مصر “البيان والإعراب فيمن دخل مصر من الأعراب”، وثانيها “عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط” و”اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء”، وآخرها “السلوك لمعرفة دول الملوك”.

يبدو المالك الحالي مغايرا تماما لطباع سابقه الذي كان حادّا، يرفض تقديم تخفيضات ويبيع فقط على قدر الاحتياج، ويرى أن المثقف يجب أن يكون صاحب وجه مقبول وقادر على التعامل الجماهيري لأداء رسالته.

يعتبر حسن كامي، التاريخ أصل العلوم فلا يعني مجرَّد الاطلاع على الوقائع والأحداث التاريخيّة، لكن تعني التعمُّق في دراستها وتحليلها للخروج بفائدة يستنير بها الإنسان، ربما يجد فيه التسامح الذي لم يجده، حينما قرر الاقتران بزوجته المسيحية ذات الأصول الصعيدية والتي عارضت أسرتها الزواج منه، بسبب اختلاف الديانة والمستوي الاقتصادي، حتى أن والدها هددها بالقتل.

يبحث صاحب “المستشرق” عن نسيان الحزن بالقراءة، وينقب عن زوجته الراحلة في مكتبتها يشم رائحتها، فالكتب تضم جزءا منها يسعي إلى الاحتفاظ به، ربما صورتها الموجودة أمامه وخلفه، أو ربما ذكرياتها في المكان، الذي كان يساعدها على ملء فراغها خلال رحلاته الطويلة للخارج.

20