فنان الجداريات الأميركي شيبارد فيري في معرض جديد صاعق

الأحد 2015/11/15
أفصح فيري عن مرماه من جدارياته الهائلة، "إيقاظ إحساس المرء بالدهشة من بيئته البصرية"

بزغ فنان الجداريات الأميركي شيبارد فيري (1970) من الأزقة والحواري رأساً. ذاعت رسومه الحية على الأرصفة وهو يستحضر البروباغاندا الشيوعية والإعلانات الصحافية المضلِلة، ويتأمل سواد الاستغلال والاستعباد والتحامل العنصري في أعمال “السلطة والمساواة” و”العم سام” و”التحرر من الخوف” و”نحن الأمل”.

لم يكترث له نقاد الفن سوى في مستهل التسعينات بعد ملصقه “أَطِعْ” المنتقِد لبطريركية “الأخ الأكبر”.

ولكنّ صيته طبق الآفاق عندما أغراه حسّه الوطني برسم مُلْصَق “أملٌ”، ملصق متفائل في الظاهر لباراك أوباما. المشين أن الفنّان انزلق حينذاك في فخّ الدعاية للسّلطة السياسية حين صار ملصقه شعاراً لحملة أوباما الانتخابية لعام 2008. ما لبث أن أفاق الفنان من غفوة الوعد الكاذب، ومعرضه الحالي في غاليري جاكوب لويس بنيويورك تحت عنوان “بين أيدينا” دليلٌ على تحرره من هذا الوهم. ويتألّف نتاج يد فيري في هذا الصدد من هياكل تجريدية للعصر الحديث من القمع والاحتيال السياسي.

وهكذا بعد أن أصبح ملصق “أملٌ” عديمَ الأمل، مجرد كليشيه بصري يزيِّن ديكورات شوارع واشنطن، انطلق فيري ليوغل فنّه في التشاؤم، أو بالأحرى في “الواقع”.

صدمات للسابلة

وفي الحيّز العام أبدع فيري جداريات كليّة الوجود كالخالق، لا يشيح عنها ناظراك. ورواسمه وملصقاته وصوره المطبوعة عن كليشيهات تلتصق على أكشاك الجرائد والصناديق الكهربائية والبطاقات النيوكلاسيكية ولوحات الإعلانات والقمصان القطنية وجوانب القطارات في أنحاء لوس أنجلوس وبوسطن. وهي ظاهرة جديرة بانتباه علماء الفينومينولوجيا.

وفي المانيفستو الذي أطلقه عام 1990 أفصح فيري عن مرماه من جدارياته الهائلة، “إيقاظ إحساس المرء بالدهشة من بيئته البصرية”. إنه التناقض العجيب بين امتلاء دافئ يتحلى به دهان الجداريات -كل تلك الأصباغ الكثيفة المنمَّقة ما بين البرتقالي والأصفر والبنّي- وموضوعاته السياسية الصارخة ما يصيب الرائي بصدمات لا تخمد.

وفي ولعه بالتصميمات المستفزة والوسائل الفنية الهجينة، غالباً ما تنبئ جدارياته في مدينة ديترويت عن آمال مجنونة وومضات رمزية معبأة بالرؤى تُذكِّرنا بلوحة “مدام إكس” للأميركي جون سينجر سارجنت. إنه حالمٌ يتشبث بفرشاة ويحمْل على كتفه دلو دهان.

نصطدم في ملصق (امرأة مسلمة) بامرأة منتقبة تبرز من أسفل ردائها بندقية! ولم تفلح الوردة المقحمة في أنبوبتها ولا كلمة (سلام) المكتوبة في نزع الأثر السلبي لسلاح ينم عن العدوان
حالمٌ انتهى فنه إلى المجموعات الدائمة بمتحف الفن الحديث ومعهد الفن المعاصر الأميركيين ومتحف فيكتوريا وألبرت البريطاني. سبقه فنان الجداريات المكسيكي دييغو ريفيرا إلى مدينة ديترويت إبان الثلاثينات عندما أنهكها التهدم وتطايرت منها رائحة الهزيمة والبؤس. وبينما جاء ريفيرا بناء على طلب غول السيارات إدسيل فورد، تبلورت جداريات فيري بدعم من المصرفي الأميركي دانيال جيلبرت. وأعلاها تتصاعد على ارتفاع ثمانية عشر طابقاً في حيّ ينوء بالكساء والتقوض.

لم يكتف فيري بجدارياته القانونية، فراح يلصق فنّه على عدد من المباني التاريخية حتى إنّ حكماً فاشياً بالسجن لمدة عشر سنوات يتهدده بتهمة تخريب المنشآت العامة. وكما ينبغي لفنان يقْطع الشوارع خلسة ليثبِّت الدليل على تمرده وفرشاته تعابث الجدران، لا يعبأ بمفهوم الشرعية القانونية الذي أرسته الحكومة، أي حكومة.

مهاجرون أكباش الفداء

يؤمن فيري بعدم وجود مهاجرين “مستحقّين” وآخرين “غير مستحقين” -والاصطلاحان من ابتكار مكتب الهجرة الأمريكي- فنجده في ملصقه “ولا ترحيل واحد” يعترض على عمليات ترحيل منهجية تمارسها حكومته.

لا خلاف على حركة البشر بين القارات، أو على فكرة الهجرة ذاتها وحق المهاجر في الأخذ بأسباب حياة إنسانية، فهو ليس مجرماً، وإنما مواطن بلا أرض. وبينما كانت العنصريةُ محوَر الحقوق المدنية في القرن العشرين، يكتب المهاجرون الآن الفصل المعاصر من تاريخ الحقوق المدنية.

عمالة المهاجرين مقبولة في أميركا، حتى لو عازتها الشرعية، بيد أن إنسانيتهم منكَرة. وبانتهاك سياسة الهجرة الأميركية للعقد الاجتماعي وللدستور ذاته، تستبدلهما، في رأي فيري، باتجاه يعزز النصب ورمي الضعفاء أكباشاً للفداء.

ملصق امرأة مسلمة: الحمامة دليل سلمية المرأة ودورها الحضاري

المرأة العربية عالمية

لا يحصر فيري فنه في الخندق الأميركي غير أنّه لا يهرول إلى دراسات الفن المديني والعالم الثالث مستشرقاً. فقط يشفّ فنه عن مدلولات إنسانية عن طريق استغلاله لنماذج إسلامية. يختصر الطريق عبر تفاعله الحيوي مع عنصر يظن فيه القوة والإجحاف في الوقت ذاته، فكل أعماله تقريباً عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحرب العراق تُظهر نساء فقط لا غير.

في ملصق “فردية عالمية” (2013) لا يخفى عليه التمييز المنهجي للرجل عن المرأة في المجتمعات العربية. ويوحي بكلمة “عالمية” أنّ ما يسري على المرأة العربية ليس حكراً عليها. وفي معرض تأييده لحق المرأة في المساواة، يضيف فيري بعداً آخر، إذ يعتقد أن الغرب يضمر ذعراً يفتقر إلى المنطقية من العرب. حين تفيض روح عربيّ، لا تهتزّ شعرة في رأس الحكومات الغربية، “إن معاملة كل العرب والمسلمين معاملة أدني مثل الأعداء لأن عدداً صغيراً جداً من المتطرفين ارتكب جرائم لهو أمر مريع”.

يجادل فيري بأن المنطق المغلوط نفسه له أن يحث العرب على معاداة جميع الأميركيين بسبب ضحايا الضربات الأميركية من المدنيين العرب.

لعل ملصق “امرأة عربية” (2012) ثلاثي الألوان يسدد الرسالة نفسها. يرينا امرأةً محجّبة جميلة، صدرها تنطبع عليه حمامة السلام، ومحيّاها ترتسم عليه أمارات التحدي ألا يحسبها أحد مجرد بَنْدق يشْبع مآرب المحاربين.

وفي ملصقه “امرأة فلسطينية” نبصر فلسطينية تلقي لمحة مختلسة من ستارة، تستطلع مشهداً ما، لعله ساحة الحرب؟ ولكنّ عدداً من الإشارات يختلط على فيري، فتتشوه دلائله. نصطدم في ملصق “امرأة مسلمة” بامرأة منتقبة تَبرز من أسفل ردائها بندقية! ولم تفلح الوردة المقحَمة في أنبوبتها ولا كلمة “سلام” المكتوبة في نزع الأثر السلبي لسلاح ينمّ عن العدوان. هل يدعو المرأة المسلمة إلى العنف لتسوية النزاعات؟ أم يقرّ بأنها تدسّ بالفعل في طياتها أداة من أدوات البغي؟!

وبالرّغم من تقبّل الوسط الفني أخيراً لما يسمّى “فن الدخيل”، انتهى الأمر بهذا الفن في هوامش التوثيق التاريخي، وكأنما سقط من بين صفحاته. وفن الدخيل، الغريب عنا نسبياً في الوطن العربي، هو فن – تجميلي أو تشويهي وفقاً لغرض الفنان – ينتجه أفراد لم ينالوا تدريباً أكاديمياً، يعملون بأنفسهم، ومن أجل أنفسهم. وتجلّيه الأكبر يتمثَّل في جداريات الشوارع التي قد تنذرنا بشعبويتها الفوضوية أو تطوقنا برسالة اجتماعية تخشى مغبة التسلط وتنادي بتحرر الفرد من أغلال الهامش.

وعلى خطى الرسام الأميركي كيني شارف، تسد جداريات فيري الفجوة بين الفن النخبوي وعوام الشارع. تستسلم لإغراء فن الكارتون وكذا “الفن الفج”، وهو تعبير فرنسي في الأصل، ويعني رسومات المساجين والمجانين! كما تنهض جدارياته على خطوط جريئة تكاد تكون مائعة، وظلال سلسة وحدود ناعمة، طبقات غنيّة على خلفية متناغمة من المشاهد القاتمة كحروب الاستنزاف ودارفور والأطفال في ساحة القتال.

أعمال مختلفة للفنان شيبارد فيري تعكس وعيا رفيعا بالمسألة البصرية

الفن ضد الاضطهاد

يعلن الفنان في معرضه الحالي استياءه من إصرار الإدارة الأميركية على استخدم برامج التجسس على المواطنين الأميركيين والأجانب، وكذا الطائرات دون طيار في الشرق الأوسط، ولا سيما باكستان.

وفي حديثه إلى جريدة الغارديان البريطانية يقول “إن المشاكل لا تكمن في سلوكيات فرد واحد، وإنما هي أعراض لنظام متفسّخ، تُفسد فيه الشركات والأوليغارشيون الديمقراطيةَ”. للفنان سوابق في الاستخفاف القومي، فقد سخر في معرضه “اتحاد منقوص” من الدستور الأميركي لما نصّ عليه من “اتحاد أكثر مثالية”، وولّى وجهه عامداً عن الرأسمالية العابرة للقارات، مديناً إياها بالدكتاتورية شبه المسالمة، وأمعن النظر في مناهج تهيمن على أيدولوجيات الحلم الأميركي.

نصح الأميركيين ذات مرّة بالكف عن هوسهم بالشخصيات، والبدء في تدبر المبادئ الفاعلة في آليات النظام الأميركي، “اللاعبون يتغيّرون، ولكن المشاكل تظل واحدة”، مردفاً في إشارة جانَبها الصواب إلى أن كلّ ما هو فني هو سياسي بالضرورة “إن لم يضع الفنان فرشاته السحرية ويتزعم المعركة ضد المضطهِد، فهو ليس فناناً عظيماً”.

وفيري ليس طليعياً مكافحاً كما يوحي حديثه. خبت مصداقيته حين انضوت شركته تحت لواء رأسمالية شجبها مراراً وحين انصرف هو نفسه إلى فنّ التصميم التجاري. ترفَع شركته شعار “نصنِّع معارضةً بجودة عالية منذ 1989”، وتعِدنا علامته التجارية “ببروباغاندا عالمية”. وهكذا بعد أن تقلَّد الفنان لقب الفوضوي الجمالي، بات مصمّماً لكل الأغراض ذا نصيب محترم من الأرصدة والأسهم.

ومع ذلك، لن ننكر أنه، شأنه شأن البريطاني بانكسي، راديكالي حطّم أصناماً فنية شتّى، مبرهناً في خلال عشرين عاماً على مقولة الفنان الأميركي آندي ورهول أن الفن ما هو إلا منكرٌ ترتكبه ثم تفـــلت من غير عقاب!

وبجدارياته طوَّر جماليات شعبية فريدة، ربما لم يبْلغها الأميركي كيث هارينج، مخترقاً الأجواء البصرية في استلهامه لثقافة الواقعية الاجتماعية وإعادة تأويل الرموز الثورية الصينية والروسية، مموهاً الفارق أحياناً بين الفن الراقي وفن الشارع.

12