فنان الحياة الصامتة

الاثنين 2014/10/20

يوما ما سيعود الرسم العربي إليه، لا باعتباره معلما وهو ما كان عليه دائما، لكن باعتباره واحدا من أكثر الرسامين احتفاء بالحياة الصامتة. تلك الحياة التي تقع إلى جوارنا من غير أن نكتشف أن بداهتها العادية إنما تنطوي على معجزات تعبيرية، كنا نمرّ بها ببلاهة من غير أن ندرك قيمتها الجمالية الكامنة.

رسم يوسف عبدلكي بمفردات قليلة عالما كان يحط على مساحات كبيرة فيملؤها، تضجّ به فيكون مفتاح جمالها وسرّها الذاهب بها إلى الأبدية. لقد وجد يوسف في ما كنا ننظر إليه بإهمال وترفع كونا مفتوح الجهات على جمال لا ينضب ولا ينقص.

لا يكفي هنا الحديث عن مهارته التقنية. كان حريصا على تقشفه وزهده في استعمال أدواته في الوقت الذي اعتمد فيه على موهبته، لتكون وسيطا روحيا بينه وبين الأشياء التي كان يسعى إلى انتزاعها من واقعها اليومي، ليحلق بها عاليا بعيدا عن رمزيتها الاستعمالية كما فعل سيزان بتفاحاته.

لقد رأيت في بيت أحد الأصدقاء لوحة من عبدلكي، كانت معلقة في غرفة الاستقبال، ولم تكن تلك اللوحة تضمّ على سطحها إلا زوجا من الأحذية النسائية، مدهش أن يكون ذلك الاستقبال رائعا. كنت طوال الجلسة أنظر إلى الحذاءين، وأنا أفكر بخيال من رسمهما. كان عليّ أن أفكر في واقعة حب امتلأ الرصيف الباريسي بنغمها التائه.

هل عاد الرسام إلى مرسمه مسحورا بوقع قدمين، لم يكن قد رأى أجمل منهما من قبل؟ مسكونة رسوم عبدلكي بسحر شعرية الموقف الذي ألهمها. مثل اليوناني ريتسوس، مثل العراقي سعدي يوسف، فإن عبدلكي كان شاعرا وهو يراقب الحياة اليومية يرسمها لا كي ينضمّ إليها، بل لكي يعلو بها إلى سماء تشفّ عن معان لا يتسع لها الوصف التصويري. عبدلكي هو رسام حياة قصيرة يهبها من خلال رسومه عمرا أطول. هي حكمة الرسم التي تهب اليومي العابر حياة تستخرج من الصمت أشعارا صاخبة.


كاتب من العراق

16