فنان تونسي يغزل من أصوات الأزقة والصعاليك والأصدقاء موسيقى وطن غاضب

رضا الشمك: عندما ينتهي كل شيء ستبقى الموسيقى وحدها ترعى سكينة النهاية.
الأحد 2021/07/25
محمد البراهمي، شكري بلعيد، كمال الزغباني، سنان العزابي.. أصدقاء الفنان الراحلون ومحور أغانيه

جل مثقفي تونس وفنانيها وأهل ليلها من الصعاليك والعمال الليليين والبسطاء وحتى المشردين وغيرهم، يعرفون الموسيقار التونسي رضا الشمك، نصير الهامش وابن المدينة التي يذرع شوارعها وحاناتها منذ الفجر إلى غاية الفجر الموالي. إنه الفنان الذي لم يحبس نفسه داخل أسوار الجامعة حيث درس ويُدرِّس، بل هو رفيق الإنسان التونسي، رفيق أبناء المدينة التونسية المتقلبة بين القتامة والأمل الضئيل. لذا فقد نجح في أن يصوغ الإنسان موسيقيا وشعريا، وأن يكون صوتا حقيقيا لهامش تونس الذي نادرا ما وجد من يصغي إليه ويقف إلى جانبه دون تخاذل.

قدم رضا الشمك عرضا موسيقيا بعنوان “زوارق الغياب” في فضاء الطاهر الحداد كاختتام لمهرجان العود، كما ترأس لجنة تحكيم مسابقة عزف العود.

وأنت تشاهد الموسيقار التونسي رضا الشمك يعزف عوده ويغني، تصاب لوهلة بالدهشة الأولى والمنتهية لهالته المقدسة التي تحوم حول عالمه الموسيقي النابض بالوجود.

لا يترجم الشمك معاني الحياة موسيقيا، بل يعيشها لتصبح كيفية وجود، لتكون روحها الأبدية “الموسيقى في حد ذاتها” رؤية للوجود والإنسان والطبيعة، ثم ترى ما يحسّه الشمك بموسيقاه الخالصة من حقيقة وترجمة الله في كائناته.

هي حقيقة لا تشبه وجوه الآخر أي “النحن” وربما هي “النحن” الخاصة بالشمك، ربما لأن موسيقاه تلد من جديد إنسانا خارج ما حدث، أي خارج الحروب والصراع والأقدار والضغينة.

موسيقى الشمك تتلبس بالإنسان لتستبطن إنسانا محايثا تارة ومتعاليا تارة كلعبة الله على الأرض.

سنرصد في هذا النص لحظات الشمك التي لا يمكن أن نحدّدها خارج الموسيقى والإنسان على حد قوله.

موسيقار المدينة

رضا الشمك ينتمي موسيقيا إلى ضجيج المدينة، لأنه على يقين ثبوتي أنه هو مالكها ومحركها وقدرها المقتدر

 في مرحلة أولى للشمك، أي في علاقته العضوية بالحراك النضالي الوطني، كموسيقار يخيط من إرادة الحياة شعرا للشابي، فيحوّلها إلى نبض موسيقي فتنبعث لقرطاج كأنها أول مرة وأول ولادة لقرطاج جديدة.

كما سنقتفي آثار نشوة الشمك داخل تفاصيل المدينة التونسية الحزينة التي عاش أرقّ تفاصيلها وغاص فيها حتى صار نصير الصعاليك والمهزومين ومستقبل الأحرار.

ينتمي الشمك موسيقيا إلى ضجيج المدينة، لأنه على يقين ثبوتي أنه هو مالكها ومحركها وقدرها المقتدر.

يحمل كل شخص يعاشر أفضية المدينة ذكرى عبور للشمك في فضائه، فترى الفنان أمام شبابيك الحانات وأدراج المسارح وخشباتها، رساما يحسن دقة الخطوط وصخب الألوان على حدّ قول رسامي تونس، ربما لأنه عندما سأل أحدهم الموسيقار الشمك “لماذا أردت أن ترسم وجوه من عبروا منك؟” فأجاب بأنه ملّ الموسيقيين وأصبح يحاور تفاصيل وخطوط شخوص المدينة، ليقرر طفوليا وبكل مرح وجوده بأنه انتقل إلى الرسم من خيوط العزف. ليذهب بين الفنون جيئة وذهابا كالخطاف.

تستغني الموسيقى في روح الشمك على ضوابطها، لتستعيد كل الخرافة للفن أو ربما علاقة استنجاد الإنسان بها، ليحيط الفنان روحه بروح الفن كلهّا.

وفي حديث للشمك عن عرض افتتاحه لقرطاج بعنوان “إرادة الحياة” سنة2011، وهي سنة تثبت تحوّل الشعب التونسي أرسطيا من مرحلة الذل إلى مرحلة الكرامة المتراصة للحرية، يقول إن عرضه للتونسي وللشابي الشعري نصا في كل تونسي، دون أن ننسى أبيات الشابي في النشيد “النشيد الوطني التونسي”.

ومن خلال عرضه “إرادة الحياة”، قام الشمك بتحية موسيقية للدماء، دماء من مرّوا صدفة أو ربما ضرورة، تحية لتراب جديد، نحو الاستفاقة على صباح جديد، يحمل هوس الموت وقوفا للحرية الحرّة.

أراد الشمك توزيع الموسيقى بين الشعر واللحظة الموسيقية، كلقاء تحمل فيه الموسيقى عبء الأوطان المهزومة، التي تحتفل بخطاف الربيع عندما يأتي، وهكذا هو الشمك عندما يحتفل بالحرية، فتجده صاخبا مع الجماهير ورافضا ليقين هذه الجماهير، فتراه مختلفا في نرجسيته غير المتقنة.

ولا يجب أن ننسى ونبتكر الكلمات دون أن نذكر أن الشمك يتقن الشعر، ويؤكد في كل قصيد له على ضرورة النسيج الحر، أي اللقاء الحق بين القيم الفاعلة والمفهوم الشعري الهندسي كأرض تستحق الجنة التي تنبض نبض قلب الإنسان الذي يبحث عنه مفهوميا ويلقاه موسيقيا ممكنا، فينشده المتفرج والسامع له لحظة بلحظة ولو في الصمت أو ربما في صمته عن اليقين الموسيقي.

لون الحريّة

المدينة تلهم الفنان ويلهمها (صور للفوتوغرافي أمين المولهي)
المدينة تلهم الفنان ويلهمها (صور للفوتوغرافي أمين المولهي)

شاهدت “إرادة الحياة” للشمك ثم تابعت عرضه التالي “زوارق الغياب”، وما بينهما سبع سنوات.

لا يمكن أن نؤرخ للحظات الحرية بين العرض الأول والثاني، لكن ربما بدموع الغربة من موسيقى الشمك التي تحصد أرواح من غادروا هذا البلد الصغير.

تونس هي التي تحتوي الشمك جغرافيا وتاريخيا حاليا، بكل قسوتها التي يستوعبها الفنان بكل أريحية الحزن المرتقب.

يودع الفنان في موسيقاه رفاق الدرب الوحيد لهذا البلد الصغير نحو إنسانه المستحيل جغرافيا والممكن موسيقيا.. هكذا أحست موسيقى الشمك فجأة ومصالحة مع غربة أصدقائه.

وجب الحديث إذن عن أصدقاء الشمك، وهم من مرّوا برصيف أغنياته وحملوا له باقات الورود والخمر ونشوة الحرية التي يراها ثابتة أمامه، حرية شاسعة يكون فيها حرّا في حريته القاتمة، كلون الحرية الحقيقية، لأن الحرية عنده لون من ألوان الخريف والشتاء والبحر والزوارق، هي زوارق الغياب الحي. فكيف تحوّلت إرادة الحياة إلى زوارق للغياب؟

لوعة الغياب

موسيقى تلد من جديد إنسانا خارج ما حدث
موسيقى تلد من جديد إنسانا خارج ما حدث

يقول عبدالرحمن منيف في كتابه “لوعة الغياب” وهو يرثي أصدقاء الروح والأدب ومن بينهم محمد شكري “رحل محمد شكري أمير الصعاليك بهيبة سلاطين”.

وبمثل هذه اللوعة اللذيذة، تودع موسيقى الشمك، الأصدقاء والرفاق.

كتب الشمك قطعه الموسيقية لأصدقائه ليس لتخليد ذكراهم في روحه، بل أصبحت الموسيقى تعيدهم إلى الحياة والمدينة والأشجار.

يحب الفنان رفاق “حياتاته” (حيواته) على حد عبارته الشهيرة، فيستحضرهم شعرا وموسيقى بروح الصداقة والرفاقية المتميزة بالفكر وبالحلم الممكن، رغم لوعة الغياب التي يعيشها الشمك وهو يرثي أصدقاءه وأحبته إلى قلبه، إلا أنه يواجه رحيلهم بعوده المصاحب للذة لقاء قريب بهم.

غادره رفيقه شكري بلعيد ثم محمد البراهمي. دفن الشمك شهداءه، لكن موسيقاه تسترجع صورهم ولحظات الشقاء معهم بلحن المغامرة الفريدة.

كان تأثير الفنان في روح الشهيد بلعيد كأثر الريح على البحر في بداية الصيف، فكان وفاؤه لرفيقه، وفاء ما بعد الرصاصة الغادرة التي غزت قلبه وقلب البراهمي وقلب المدينة الخضراء.

يستبطن الشمك الحراك النضالي في روحه وفي كيفية الخلق الموسيقي عن طريق السؤال.

الفنان كتب قطعه الموسيقية لأصدقائه، ليس لتخليد ذكراهم في روحه، بل أصبحت الموسيقى تعيدهم إلى الحياة والمدينة والأشجار

ففي أغنيته “يا رفيقي”، يسأل رفيقه “يا رفيقي وأين أنت؟ فقد غابت جفوني عواصف الأيام.. خذ بكفي وغني لي”.

ويطلب الشمك شعرا من الرفاق ألا يكفوا عن الأغنيات، فيقينه الموسيقي يؤكد له أنهم خالدون في تفاصيل شعور عوده وقلبه بأزليتهم.

صديق آخر يرحل. فقد غادر الفيلسوف التونسي والكاتب صاحب ماكينة السعادة كمال الزغباني روح أرضه “زغبانيا”، تاركا الشمك تحت وطأة الغياب المفاجئ.

كما غادره صوت المناضل سنان العزابي، رفيقه “الحلو والصادح كصرخة مولود لحياة أجمل للجميع”.

شاهدنا “زوارق الغياب” العرض الموسيقي للشمك، فاكتشفنا حينها أن الفنان يضع أرواح رفاق الجمال والحب والعقل المتوهج على زورق بحري، فتبعث زرقة البحر نورهم بجانب الشمس من جديد.

يشكل رفاق الشمك روح مسار حياته نحو الموسيقى والوطن والإنسان، فكانت قرطاج تحت راية عرضه المتفرّد “إرادة الحياة” ليحتفل في سنة مفصلية في تاريخ تونس نحو الممكن من الحرية والكرامة، لأنها سنة 2011 حيث صافحت موسيقى الشمك في قرطاج دماء الأبرياء، أبناء الشمك روحيا وموسيقيا.

غنى الشمك “إذا الشعب يوما أراد الحياة” فتغنى باقتدار الموسيقى لشعبه الأبيّ.

لكن رفاق الشمك دفعوا الدم من جديد من أجل البلاد، فيحزن الفنان كثيرا، لتحوّل اللوعة “إرادة الحياة” إلى “زوارق الغياب” ليصبح الشمك وحيدا وحده مع عوده بجانب قلبه وكبده المفتونة بالحب المستحيل.

طفولة الحب

الفنان يستحضر رفاق “حياتاته” شعرا وموسيقى بروح الصداقة ويواجه رحيلهم بعوده المصاحب للذة لقاء قريب
الفنان يستحضر رفاق “حياتاته” شعرا وموسيقى بروح الصداقة ويواجه رحيلهم بعوده المصاحب للذة لقاء قريب

يلتقي الشمك في إنشائية موسيقاه بالشعر، لقاء الأبطال بالانتصار.

كتب أصدقاء الشمك معه جزءا كبيرا من مدونته الموسيقية، فنجد أبوالقاسم الشابي صحبة محمود درويش وطاغور والشمك بشعره الخاص والخالص.

تنتفي حدود الزمن بينهم، لتصبح القصائد حيّة تحت أصابع خالقها الموسيقي.

يعزف الشمك الشعر، ليرفعه من جديد في دقّة متمردة على الورقة، فتصبح القصيدة في موسيقاه راقصة تارة ونابضة تارة أخرى.

يحوّل الفنان الكلمات إلى فراشات الربيع، لتنطّ على ذكريات سامعه، فتجدد روحه لتنبعث من غربة الظلمة نحو القمر.

وفي الحديث إلى الشمك حول خرافته مع الموسيقى ولقائه الأول بها، يخبرنا أن سبب وصوله إلى الموسيقى كان لقاء حبه الأوّل، بلهفته وحرارته المرتفعة وبصخب دقات القلب. فقد أحب الشمك في طفولته فتاة جميلة صغيرة تقف على مسرح كبير فأراد الوصول إلى قلبها فلم يجد طريقا آخر غير الموسيقى.

فكانت رسالة الشمك إلى الحب “الموسيقى”.

الشمك لا يترجم معاني الحياة موسيقيا، بل يعيشها لتصبح كيفية وجود

يحب الشمك، كما يلفت إلى ذلك، “الأشجار، الربيع، المدن، البحر، الصمت، النشيد، الأوطان، المهزومين، الضوء، المسرح، الأطفال، العقل، الحرية، الفجر، العدل، الطيور، القمر، الأفئدة الكئيبة، النهايات، الألوان، المقاومة، الحلم الصادق والموسيقى ثم الإنسان”.

جاء الشمك من الشابة، المدينة البحرية جنوب شرق تونس، إلى تونس العاصمة ليواصل مساره البحثي والوجودي إلى الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى طالبا ثم أستاذا، ليجد المسافة بين بحر مدينته القصية نحو عاصمة الليل الغاضب.

امتهن الشمك العاصمة من فجرها الأول إلى فجرها الأخير، عاشر “صعاليك الشوارع فإنهم في الليل سلاطين” على حدّ قول مظفر النواب.

ابتسم الفنان إلى مدينته، فاحتضنته أشجارها خوفا عليه من البرد والوحوش.

لملم الدموع من الحانات ليعيد لها بريقها وملحها، فيحوّل ضجيج الأزقة من حسرة الغاضبين على الخسارة إلى نشيد موسيقي يثمر الأمل والضحك والصراخ.

يشبه الشمك مدينته البحرية وبحارتها. يشبه هذه البلاد الغريبة. يشبه أمّه. يشبه الموسيقى أو ربما يكونها أصلا وروحا.

رضا الشمك كيان موسيقي تونسي كوني، لأنه مثلما يقول ويؤكد أنه “عندما ينتهي كل شيء، ستبقى الموسيقى وحدها ترعى سكينة النهاية”.

14