فنان جزائري تتألق رسوماته في مهرجان جنيف السينمائي

شمس الدين بلعربي: ملصقات الأفلام إحدى أهم وسائل الدعاية للسينما.
الثلاثاء 2021/07/13
شمس الدين بلعربي أمام جدارية من تصميمه لشون كونري

لا تقف حدود الإبداع السينمائي في بعض المهرجانات العالمية عند سقف عرض الأفلام ومن ثم إعلان قائمة المتوجين بالجوائز، بل هناك فعاليات أخرى موازية، تقدّم المزيد من الإبداع والحضور الفني. وما يقدّمه مهرجان جنيف الدولي للسينما الشرقية خطوة في هذا الاتجاه، حيث استعرض في دورته الأخيرة مساحات إبداعية مُضافة تمثّلت في معرض خاص بفن الأفيش.

قام منظمو مهرجان جنيف الدولي للسينما الشرقية في دورته السادسة عشرة بتنظيم فعالية خاصة بفن الأفيش السينمائي، استعرض فيها الفنان الجزائري شمس الدين بلعربي عددا من أهم ملصقاته التي وشّحت كبرى الأفلام العالمية.

عن الفكرة من إقامة هذا المهرجان، ومن خلاله معرض الأفيش، يقول المخرج والناقد السينمائي طاهر الحوشي مدير المهرجان “العدالة الإنسانية وتقدير جهد الآخر هي من أهم ركائز العمل السينمائي، فالكثير من الأعمال السينمائية لا يظهر فيها إلاّ اسم المخرج. ويبقى هو وحده في دائرة الاهتمام والخبر، علما أن السينما فن جماعي يقوم على فكرة عمل الفريق، فحتى عامل البوفيه والسائق هما من فريق العمل ويساهمان بإنجاز الفيلم”.

ويضيف “من هذا المنطلق أردنا أن نلقي الضوء دائما في مهرجاننا على تلك الجهود الخفية التي تساهم في إنتاج السينما وتكون بعيدة عن الأضواء، ففي الدورة الماضية استضفنا مصممة أزياء، جاءت إلينا من ليبيا، وقدّمت فنها وحضارة بلدها من خلال تصميماتها. وكان يهمّنا هنا أن نوضّح للعالم بأن النظرة إلى العالم العربي على أنه مصدر للإرهاب غير صحيحة، فلنا مبدعون وفنانون في شتى المجالات أثروا المشهد السينمائي عربيا وعالميا”.

وفي الدورة الأحدث استضاف المهرجان فنان الأفيش شمس الدين بلعربي، الذي قال عنه الحوشي “هو فنان عالمي وشّحت ملصقاته أهم الأفلام العالمية، نحن فخورون باستضافته في المهرجان وتقديم منجزه الفني إلى الجمهور الأوروبي”.

تكريم دولي

مهرجان جنيف الدولي للسينما الشرقية خصص معرضا للفنان الجزائري استعرض فيه أهم ملصقاته الفنية

ضمن هذه الفعالية قدّم الفنان الجزائري بلعربي نماذج من أعماله في ظهور أول له في مهرجان سينمائي أوروبي، وعن تجربته وخصوصيتها قال لـ”العرب”، “تم الاتصال بي من قبل المدير الفني للمهرجان المخرج والناقد السينمائي الحوشي، حيث أعطاني الفرصة لعرض بعض ملصقات الأفلام الهوليوودية التي صمّمتها، منها ملصق الفيلم الوثائقي الخاص بالأسطورة ‘بولي يانغ’ وملصق فيلم ‘دولارات أميركا’ وأفيشات أخرى.. وهي أول مشاركة لي في جناح خاص بمهرجان سينمائي عريق في أوروبا” .

ويتابع حديثه عن مشاركته في هذا الحدث، فيقول “كانت تجربة رائعة، حيث تعرّف الكثير من النقاد السينمائيين والإعلاميين على جوانب من أعمالي عن قرب، إذ نشر المهرجان في كتابه لهذه الطبعة تعريفا بمسيرتي الفنية، وهذا أمر رائع، كما سأشارك في مهرجانات أخرى قادمة عالمية”.

وهو يتمنى أن يؤسّس مدرسة لتعليم هذا الفن، وأن تكون هناك ورشات تكوينية لفائدة الشباب في المهرجانات العربية والعالمية حتي يبقى هذا الفن نابضا في العالم العربي وأفريقيا.

ومن خلال مشاركته في المعرض، وبعد تقديمه للعديد من الأفيشات العالمية، يظهر اعتماد بلعربي على التكثيف البصري في صياغة أفكاره التي عرض جزء منها في المهرجان الأوروبي.

وفي ذلك يقول “تعدّ الملصقات من الفنون المرئية، وهي الفنون التي نطلق عليها في عالمنا العربي اسم الفنون التشكيلية، أي تلك الفنون التي يتم تلقيها عن طريق حاسة البصر. ونحن نعرّف ملصق الفيلم بأنه مساحة من الورق مطبوعة تعلن عن عنوان الفيلم وشيء من محتواه وبعض أبطاله”.

وتتوزّع الأفلام، كما هو متعارف عليها إلى ثلاثة أصناف أساسية، هي: الروائي، والتسجيلي، والتحريكي، لكن بلعربي يؤكّد أنها “تحتاج جميعها إلى التعريف بها والترويج لها من أجل أن يسترد المنتجون، على الأقل، أموالهم التي صرفوها لإتمام جميع خطوات تنفيذ الأفلام، بل من المفروض أن يحقّقوا أرباحا تشجّعهم على مواصلة الإنتاج، ومن ثمة تبرز أهمية فن الملصقات التي تعتبر من أهم وسائل الدعاية للأفلام”.

فن عريق

شغف الفنان الجزائري بالملصقات قاده إلى العالمية
شغف الفنان الجزائري بالملصقات قاده إلى العالمية

أصبح تصميم الملصقات شائعا عند الفنانين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، وفي العام 1866 بدأ الفنان الفرنسي جول شيريه بإنتاج أكثر من ألف ملصق ملوّن كبير الحجم، باستخدام الطباعة الحجرية الملونة التي كانت حديثة الاختراع آنذاك.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، اكتسب الفنان الفرنسي هنري دو تولوز لوتريك شهرة واسعة بسبب ملصقاته الشفافة والواضحة التي صمّمها للمسارح وقاعات الرقص.

ومع بداية القرن الماضي صمّم عدد من الفنانين ملصقات تم جمعها على أنها أعمال فنية. وكان لليونانيين فضل في تطوير فن الأفيش إلى مستويات عالية، إضافة إلى أنهم نقلوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم.

ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الجديد ونشره بعدد من البلدان العربية كمصر وسوريا والعراق، وأولت هذه البلدان في ما بعد اهتماما كبيرا لهذا الفن الجامع بين الرسم والابتكار. ومع مرور الزمن طغت التكنولوجيا الرقمية على الأفيش السينمائي، ومن ثمة أصبح المتحف المكان الطبيعي الحاضن للملصقات المرسومة بالطريقة التقليدية.

لكن بلعربي فكّر في تطوير هذا الفن وأضاف عليه لمسات عصرية، وعرضه على المخرجين والمنتجين الذين احتفوا بمنجزه وثمنوه، وبهذا تم دمج فن الرسم التقليدي مع التكنولوجيا الحديثة ليكون آخر عربي وأفريقي مازال يصمّم ملصقات الأفلام العالمية بالطريقة التقليدية عن طريق الرسم.

وعن كونه آخر فنان عربي وأفريقي يمارس هذا الفن بشكله التقليدي، يقول “أنا سعيد بهذا الشرف، لأنني خرجت بهذا الفن من المتحف إلى قاعات العرض في أكبر مهرجانات السينما العالمية، وهو ما كنت أتمنى أن أصل إليه. لذلك صنّفني بعض العاملين في السينما العالمية بأنني صاحب لون فريد ومتميز في رسم بوسترات الأفلام، وهذا ما أوصلني إلى بعض المشاركات العالمية التي أعتزّ بها، حيث بتّ بالفعل آخر فنان في أفريقيا والوطن العربي، يرسم بهذه الطريقة”.

وشمس الدين بلعربي فنان جزائري، من مواليد العام 1987، عمل في تصميم الأفيش في العديد من الأفلام العالمية منها “الأخبار”، “شرف”، “دولارات أميركا”، وأسطورتي “بولي يونغ” و”هرقل”. وكرّم في مهرجانات سينمائية عريقة منها سيزار وكان.

تكثيف بصري يجمع الرسم بالتكنولوجيا
تكثيف بصري يجمع الرسم بالتكنولوجيا

 

16