فنان سوداني يوثق اضطهاد الأوروبيين للأفارقة

الأحد 2017/10/08
في ظلال الزمن الكولونيالي

يعمل الفنان السوداني المقيم في القاهرة أمادو الفادني منذ سنوات على محاولة بناء رؤية بصرية توثيقية للتواريخ المهمشة، وخاصة تلك المرتبطة بتاريخ الاستعمار في القارة الأفريقية، وقد عرض جانباً من هذه التجربة الممتدة في قاعة سوما للفنون المعاصرة في القاهرة تحت عنوان “الآس البستوني” وكان المعرض مشتركا مع الفنانة شذى الدغيدي، حيث اكتمل العرض يوم الرابع من أكتوبر، وقدم فيه الفادني جانباً من المعاناة التي كان يكابدها الجنود الأفارقة الذين كان يتم جلبهم من القارة الأفريقية من أجل الخدمة ضمن جيوش الدول المستعمرة، وهو أحد مظاهر العبودية التي كان يتعرض لها الأفارقة في الحقبة الاستعمارية.

كان يتم إرسال هؤلاء الجنود إلى مناطق الصراعات حول العالم، كما كان يتم تبادلهم أو إرسالهم كهدايا لحكومات دول أخرى.

يعتمد الفادني في أعماله التي عرضها أخيرا على مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية التي كانت تستخدم للدعاية الحربية في تلك الفترة في أوروبا على هيئة كروت بوستال، ويظهر فيها الجنود الأفارقة بزيهم الحربي. في هذه الصور كان يتم اختيار الأشخاص ذوي البنية القوية من أجل التباهي أو زرع الخوف في قلوب الجيوش المعادية.

تعامل الفنان أمادو الفادني مع تلك الصور فنياً وعالجها طباعياً مضيفاً إليها بعض العناصر الداعمة بالرسم والتلوين أو التوليف بين عدة مشاهد مختلفة.

يقول الفادني “جميع اللوحات التي عرضتها على هيئة ورقة اللعب المعروفة باسم الآس البستوني، وهي الورقة التي كنت تحمل عادة أختام الجيوش الاستعمارية، ففي تلك الحقبة كانت تلك الدول توزع على الجنود أوراق اللعب من أجل التسلية، وكان يمنع تداول تلك الأوراق خارج إطار تلك الجيوش، لذا فقد كان يتم وضع أختام الدولة عليها. لقد اتخذت من تلك الورقة محوراً لهذه الأعمال المعروضة، فهي الورقة التي كانت تحمل أختام السلطة الاستعمارية”.

وإلى جانب صور الجنود ثمة صور أخرى لبعض آلات التعذيب التي كانت تستخدم لتأديب المتمردين من الأفارقة. وضم المعرض أيضاً عمل فيديو يحوي مقطعاً وثائقياً لعملية استعراض حربية لتشكيلات الفرق الأفريقية في الجيش البريطاني أثناء احتلاله للسودان.

الهولوكوست الأفريقي

يجمع الفنان أمادو الفادني بين مجموعة من الممارسات الفنية المختلفة لتوضيح وجهة نظره وتقريبها إلى المتلقي، فهو يمارس الرسم والتصوير والتعامل مع الفوتوغرافيا، كما أن له عددا من أعمال التجهيز في الفراغ ضمن إطار هذا المشروع الممتد لتوثيق هذه الأحداث التي هُمّشت عن عمد، كما يقول، والمتعلقة بالعنصرية والاستعباد الأوروبي للأفارقة، ومنها أحداث تفوق بمراحل المحرقة النازية، غير أن اليهود استطاعوا عن طريق البروباغندا الإعلامية، كما يقول الفادني، وضع تلك الحادثة في الواجهة.

ومن بين هذه الأعمال التي قدمها الفادني على سبيل المثال عمل تجهيز في الفراغ تحت عنوان “متحف الهولوكوست الأسود” وتناول فيه أحد المآسي الكبرى التي دارت وقائعها في أفريقيا في بدايات القرن الماضي وراح ضحيتها الآلاف من الأشخاص من قبيلتي الهريرو والناماجو.

المعرض ضم أيضا عمل فيديو يحوي مقطعاً وثائقياً لعملية استعراض حربية لتشكيلات الفرق الأفريقية في الجيش البريطاني أثناء احتلاله للسودان

ومن خلال المعلومات والبيانات القليلة المتوفرة استطاع الفادني أن يرسم صورة قريبة متخيلة لتلك المأساة التي لا يعرف عنها الكثيرون شيئاً.

في ذلك العمل طالعنا الفادني في البداية باستعراض زمني لمراحل المأساة قبيل الدخول إلى تلك الحجرة الصغيرة التي قام بتجهيزها بعناية لتضفي على المشهد أجواء من الحزن والترقب.. إضاءة خافتة وستائر سوداء ثقيلة تعزل الحجرة عن محيطها الخارجي.

أما داخل الحجرة فتستقبلك مجموعة من جذوع الأشجار رُصّت فوق بعضها في كومة كبيرة. على كل قطعة خشبية ثمة رقم مسلسل يشير إلى أحد ضحايا تلك المجزرة.

ومن خلال التسجيل الصوتي المصاحب للعمل تتعرف على تفاصيل تلك المأساة، والذي يشرح بالتفصيل الوقائع المصاحبة لمجموعة من الصور الفوتوغرافية الوحيدة التي سجلت تلك المأساة.

ترسم الكلمات صورة واضحة للمشاهد الفوتوغرافية، تلك المشاهد التي تحاول البحث عنها داخل المطبوعة المصاحبة للعرض بلا جدوى، فقد اختار الفادني عدم الكشف عن الصور إلا عبر الكلمات المكتوبة داخل المطبوعة أو المسموعة عبر جهاز الصوت.

فضل الفنان كما يقول أن يترك مساحة للخيال، فعبر الصور والمقاطع الصوتية قد يشعر المتلقي بوقع الفاجعة التي لم يتم توثيقها كغيرها من المذابح العرقية البشعة التي تعرضت لها العديد من الشعوب والقبائل الأفريقية.

وتعد هذه المذبحة التي يتناولها الفادني الأولى من نوعها في القرن العشرين؛ ويعتبرها بعض الباحثين مثالاً اتبعه النازيون في الحرب العالمية الثانية بمعسكرات الموت في أوروبا.

مقبرة الفيلة

يلفت متحف الهولوكوست الأسود لغياب تمثيل مناسب لهذه الوقائع الأليمة في ذاكرة تاريخ القارة والإنسانية بشكل عام.

ففي الوقت الذي مازال فيه الضمير الغربي والإنساني بشكل عام يتألم لما تعرض له يهود أوروبا من إبادة عرقية أثناء الحقبة النازية لم يلتفت هذا الضمير نفسه بعد إلى تلك الجريمة التي ارتكبت في حق الآلاف من أبناء القارة السمراء، وكأنه ضمير انتقائي وعنصري على نحو يزيد من هول تلك الجريمة وبشاعتها.

يقول أمادو الفادني معلقاً “عندما كان يُتوفّى أحد أفراد الهريرو فإن ناراً مقدسة يتم إشعالها من قبل شخص يشاركه نفس الاسم حتى تتحرر روح المتوفّى من جسده. ولأن الكثير من أسماء الضحايا فُقدت في معسكرات التعذيب واستبدلت بأرقام مسلسلة، فإن نارهم المقدسة لم تُشعل، وأرواحهم لم تحرر بعد.. والعمل هو مجرد تذكير بمأساة الآلاف من القتلى الذين تم تجاهلهم”.

العاج الأسود

من بين أعماله اللافتة أيضاً في هذا السياق كان عمله الذي قدمه تحت عنوان "العاج الأسود" وهو تجهيز متعدد الوسائط، وتتبع فيه الفادني قصة 520 جنديا أفريقيا انضموا عنوة إلى الجيش الفرنسي في حرب المكسيك عام 1864.

تناول الفادني رحلة هؤلاء الجنود من السودان إلى المكسيك عبر الطرق الوعرة في السودان ومصر وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط. اعتمد العمل على خلق حالة من الاشتباك بين الصورة البصرية التي تمثلها قطع المنحوتات المصنوعة على هيئة قطع كبيرة من العاج مطلية باللون الأسود والسرد الصوتي لرحلة أحد هؤلاء العبيد بلغته الأصلية مع ترجمة نصية له مدونة في كتيب صغير متاح للجمهور.

العاج الأسود هو البضاعة التي كان يجبر المختطفون على حملها في طريق هجرتهم، كما أنها التسمية التي كان يطلقها عليهم تجار العبيد في تلك الحقبة.

كاتبة من مصر

15